الشَّفَاعَةُ 1

الشَّفَاعَةُ 1


إن الشَّفَاعَة هي تأييد ومعونة من كائن أعلى من حيثيةٍ ما لكائن أدنى لديه استعداد لقبول التأييد والمعونة، وبها تكون نجاته أو انتصاره أو خروجه من الظلمات إلى النور أو ترقيه إلى مقام أعلى أو اكتسابه ملكات أسمى، والشفاعة هي بالأصالة لله تعالى، قال تعالى:

{قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون} [الزمر:44]

فالشفاعة هي له من حيث الأصالة والوجوب والتمام والإطلاق، ولذلك لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ من شَفِيعٌ، قال تعالى:

{وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُون} [الأنعام:51]، {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُون} [الأنعام:70]

ولكن الشئون الإلهية الواجبة المطلقة لابد لها من آثار في عالم الخلق، فهناك شفعاء بإذن الله تعالى وبأمره ورضاه، قال تعالى:

{اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم} [البقرة:255]، {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُون} [يونس:3]، {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُون} [الأنبياء:28]

فهذه الآيات تثبت الشفاعة بالإذن والرضا الإلهي، ولا تنفيها كما يتصور البعض!

والذي له أعظم شفاعة يمكن أن تكون لمخلوق هو سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ هو المأمور في القرءان بالصلاة على المؤمنين وبإخراجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم العزيز الحميد، فهذا من شفاعته المأذون له فيها، ولحملة العرش شفاعة أيضا ولذا يصلون أيضا على المؤمنين ويدعون الله تعالى لهم.

أما الشَّفَاعَةُ العظمى المطلقة فهي لله تعالى من حيث أسماء منظومة الرحمة والهدى، فالشفاعة هي أن ينضم الشافع إلى المشفع فيه بالنصر والتأييد والعون والإمداد، ومن تلك الحيثية فإن الشفاعة بالأصالة إنما هي لله تعالى فإن منه كل ما ذكر وما من شفيع إلا من بعد إذنه أي بمقتضى قوانينه وسننه، فمخلوقاته هم آلاته وأدواته التي اقتضت سننه أن يستخدمهم لإيصال الخير إلى الناس وذلك لاستعداد خاص لديهم وملكات هي لهم ورغبة أصيلة في نفع الناس، وما شفاعة الشافعين إلا من آثار الشفاعة الإلهية ومقتضياتها.

والمفهوم الدنيوي الشائع عن الشفاعة يعني أن يحاول الشافع أن يحصل للمشفَّع فيه على ما ليس من حقه أو على مكانة ليس هو لها بأهل, ومثل تلك الشفاعة هي الشفاعة السيئة التي يجل عن الاتصاف بها الإنسان النبيل فضلا عن رب العالمين، لذلك فإن من يلقي بنفسه في المعاصي اعتمادا على شفاعة يرقبها إنما هو متلاعب ومغامر بمصيره، وسرعان ما ستحيط به آثار خطاياه وربما قادته إلى الكفر، ذلك لأن من ألف المعاصي وأدمنها حتى أصبح لا يمكنه العيش بدونها سيبغض الدين الذي يحرمها عليه ويكدر عليه صفو استمتاعه بها، فمثل هذا هالك لا محالة، ولن يجرؤ مخلوق على الشفاعة فيه إذ ليس لأحد أن يفرض على الملك الحق ما يخالف سننه، ذلك لأن الكل يتقرب إليه بما يحب ويرضى وأهم أسباب الفوز برضاه الخضوع المطلق لسننه التي هي مقتضى أسمائه الحسنى.

والآيتان: {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)} (البقرة) تدحضان ما لدى الناس من مفهوم عن الشفاعة الآن وتبينان أن هذا المفهوم هو الذي كان لدى بني إسرائيل من قبل، والآية: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ} (التوبة 113) تبين أنه لا جدوى من الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولى قربى، فلا جدوى من الشفاعة فيهم، ولقد قال تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّا وَلاَ نَصِيرا} النساء123، فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ{7} وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ{8}} (الزلزلة)، فالشفاعة هي أمر محكوم بقوانين وسنن، والشرك يمنع قبول آثار الهداية وبالتالي لا شفاعة في مشرك.

إنه على الناس أن يعلموا أن كل ما ينسب إلى الله تعالى ينبغي أن يُنسَب إليه كما يليق بذاته فهو يتعالى علوا مطلقاً فوق كل التصورات والمفاهيم البشرية، والشفاعة لدى الناس تعني المحسوبية والمحاباة وإعطاء من لا يستحق لقرابة دنيوية وإيثار المشفع فيه وتفضيله على من سواه أو رفع عقوبةٍ ما عنه...الخ، وكان من الواجب عليهم أن ينزهوا ربهم عن هذا التصور فهو سبحانه يجل عن كل ذلك ويتعالى عليه، ولقد قال تعالى:

{وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(85 ) وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86)} (الزخرف)، فالشهادة بالحق والعلم من لوازم الشفيع، لذلك فالشفاعة تتضمن الشهادة الصادقة في حق المشفوع فيه, والشفيع نفسه يخشى ربه الذي كان على كل شيء مقيتا.

*******

إن الشفاعة تعني انضماما ما من شفيع إلى المشفوع فيه والذي كان وترا فصار بانضمامه إليه شفعا، فهي تتضمن شهادة طيبة في حقه ومحاولة إيصال نفعٍ ما إليه, وهي في كل الأحوال مسؤولية كبرى يتحملها الشفيع فإن كانت حسنة قبلت منه ووجد أثرها وأثيب عليها وإن كانت سيئة لم تقبل ولم تنفع ولم تؤثر, فالشفاعة هي أمر بين طرفين، وقبولها يستلزم أيضاً أموراً لابد من تحققها لدى كلٍّ منهما، والشفاعة السيئة هي المعروفة بين العامة في مصر بـ"الوساطة"، وتلك الشفاعة مرفوضة بكل المقاييس ولكن للأسف فإنها هي المفهوم الوحيد عن الشفاعة لدى أكثر الناس، والحق هو أن الشفاعة أمر محكوم بسنن لا تبديل لها ولا تحويل ولابد من أمرٍ ما في باطن الإنسان يجعله مستحقا لقبول الشفاعة, وقد يستحق الإنسان شفاعة اسم إلهي لوجود أثر المعنى الذي يشير إليه الاسم في ماهيته أو في نفسه كأن يكون بالغ الكرم مثلا أو أن يكون شديد الرحمة بالكائنات فيستحق شفاعة الاسم "الكريم" أو الاسم "الرحيم"، وعلامة قبول الشفاعة أن يجد الإنسان في نفسه أثرها في تلك الحياة الدنيا.

والشفاعة فعل إيجابي يترتب عليها إمداد باطن الإنسان مباشرة بالهدى أو بمزيد من العزم، وقد يقولون "ولم لا يشفع الله تعالى مباشرة لدى نفسه؟" فالجواب هو أنه تعالى لا يقيده شيء فله أن يجري الأمر باستعمال مخلوقاته الذين هم آلاته وأدواته وله أيضا أن يمد عبده مباشرة بما يلزمه إن كان لدى العبد استعداد لقبول ذلك وتحمله، فكما يوصل الرزق المادي لمن أراد عن طريق بعض العباد فإنه يوصل أثار الشفاعة وهي رزق معنوي إلى من ارتضى عن طريق بعض عباده أيضا، وهؤلاء الشفعاء إنما يستخدمون لذلك لأن لديهم الاستعداد لمساعدة الناس وإرشادهم؛ فالله سبحانه لا يستخدم آلة إلا فيما تصلح له ولا يكلف نفسا إلا وسعها، ويجب الإقرار بان الأمر كله لله تعالى ومن ذلك الشفاعة، ولكن لابد من شكر الآلة أو الأداة أو السبب المباشر أيضا، ولما كانت الشفاعة من الأمور الباطنة فإنها ستنقلب في الآخرة أمراً ظاهرا ويعرف هنالك كل إنسان من كان سببا في إيصال الخير له.

إن الشفاعة محكومة بالإذن الإلهي أي بقوانين وسنن إلهية هي مقتضى الكمال الإلهي المطلق، فهي أرقي من التصورات البشرية وليس فيها شيء مما يعاب على البشر من محسوبية ومحاباة ومجاملة، ذلك لأن الله تعالى منزه عن كمالاتهم فضلاً عن مقتضيات نقصهم، وإنما هي تعبير عن قبول بعض النفوس لتلقي التأثير الطيب من كائنات ارقي، فالأمر متاح للجميع، فمثل الكائن الراقي كمثل الشمس يسري ضياؤها فينتفع منه من ينتفع ويتضرر منه من يتضرر، ولذلك كانت الشفاعة بالأصالة لله تعالى فهو المالك الحقيقي لكل سمات الكمال وهو الواهب الحقيقي لها.

فالشفاعة ليست بأمر اعتباطي وليست كما يتصورها البشر، ذلك لأن الله تعالى هو مصدر كل خلق كريم، وإنما هي تقبُّـل امرئ ما لتأثير كائن أرقي منه لتوافقٍ ما فيما بينهما أو لشدة تعلق طالب الشفاعة بالشفيع وحبه له وثقته به، فالشافع يستمد الكمال من ربه ويمد به من توافق معه ومن كان يتطلع ويرجو مددا إضافيا من ربه ويحسن الظن بالشفيع، فالشفاعة إنما تنسب إلى كل ذاتٍ كما يليق بتلك الذات ولابد فيها من كيان معطٍ ومن كيان إنساني متقبل، فلابد للشفاعة ممن لديه استعداد للإعطاء وممن لديه استعداد للتلقي والقبول، ولما كان الله سبحانه هو مالك كل شيء ملكا حقيقيا كانت له الشفاعة جميعا وكل من هم دونه من شفعاء إنما يشفعون بإذنه بما استمدوه منه وبما تلقوه عنه وبمقتضي سننه، فلا محاباة ولا وساطة ولا محسوبية في الشفاعة، وكان على الناس أن ينزهوا ربهم عن تصوراتهم وصفاتهم بل وعن كمالاتهم فكيف ينسبون إليه ما يترفعون هم عنه وما يعيب بعضهم بعضا به.

*****

إن الشفاعة الحقيقية تجلُّ عن المفهوم العامي الدارج لها، فهي بالأصالة فعل إلهي يقتضي نسقا من السنن الكونية الخاصة بالمخيرينوليست بالأمر العشوائي الاعتباطي، ولا علاقة لها بالأهواء أو الأمور الشخصية أو الذاتية وإنما هي أمر حقاني يتحقق بمقتضي السنن الإلهية، فلابد من توفر استعداد لدى الإنسان يجعله قابلاً لتلقي التأثير من الشافع والإفادة منه، ويجب أن يجد أثر ذلك في نفسه بصلاح أمره، وشفاعة إنسان لإنسان لا تكون إلا لمن ارتضى الله تعالى، فهي تتم بالإذن الإلهي.

فالشفاعة ليست بمحسوبية ولا بمحاباة ولا يحصل بسببها المرء على ما ليس بحق له نتيجة تدخل من ذوي الحيثية وإنما هي قبول الهداية وقبول التأثر بأدعية الصالحين وقبول العون الروحاني منهم لوجود استعداد لذلك، فالشافع يتسبب في إيجاد إمكانات وفرص أفضل لطالب الشفاعة يمكنه الافادة منها واستثمارها الاستثمار الأمثل كما يمكنه أيضاً أن يبددها، ومن أعظم ما يمكن أن يشفع في الإنسان العمل الصالح ذو الأثر الشامل الممتد وخاصة إذا انتفع به عدد أكبر من الناس، والانتفاع بالشفاعة يكون وفق نسق من السنن التي هي من مقتضيات الأسماء الحسنى، فلا يمكن أن يترتب عليه ظلم لأحد.

*****

إن الشفاعة هي سنة من السنن الكونية الخاصة بالكائنات المكلفة ذات الإرادة والاختيار، فالشفاعة هي أن يؤيَّد الإنسان باسم إلهي أو بكيان أمري معنوي أو بكائن علوي أو بواحد ممن أنعم الله تعالى عليهم نتيجة لقيامه بالأعمال وتوفيته بالشروط اللازمة لذلك، فقد يتعلق الإنسان باسم إلهي ويكثر من ذكره ويتحقق بمقتضياته فيظفر بالتأييد الإلهي من حيث هذا الاسم،فيقال عندها أن الاسم الإلهي شفع فيه، ولابد لذلك من أثر في تلك الحياة الدنيا، وسيعرف الإنسان ذلك حتمًا في يوم القيامة.

وقد يحب الإنسان النبي الكريم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ فيكثر من الصلاة عليه والتفكير في كماله ويعمل دائما على التأسي به فيدخل نفسه بذلك في المعية المحمدية فتجذبه أنوار الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ إليه فيشفع فرديته ويكون له به عناية خاصة يدركها هذا الإنسان، ثم يظهر ذلك الأمر للناس كافة يوم القيامة، وقد يظهر بعضه لبعضهم في الدنيا، والشفاعة المحمدية تتم وفق قوانين الله وسننه، وإنكارها هو من علامات الشقاء والحرمان.

وقد يقيم الإنسان علاقة خاصة مع القرءان الكريم تلاوة وقراءة وتدبرا وتفكرا، فيشفع الله تعالى فيه من حيث القرءان، وهذه الشفاعة يترتب عليها أن يؤيده الله تعالى بروح منه وأن يجعله آيات بينات في صدره، وقد يلزم الإنسان نفسه باحترام القوانين والسنن الإلهية والتعرف عليها فيراها تعمل لصالحه وتلك هي شفاعتها فيه، وهي تقتضي شفاعة الملائكة الموكلة بتلك القوانين والسنن، وقد يشفع الخُلُق الحسن لصاحبه كما شفعت محبة الله ورسوله لشارب الخمر، فالخلق الحسن لابد إن عاجلا أو آجلا أن يجذب صاحبه بعيدا عن المعصية وهو لا يمكن آثارها من الإحاطة التامة به.

*****

إن الفوز بالشفاعة المحمدية يعني التحقق بالمعية المحمدية على مستوى ما من المستويات في تلك الحياة الدنيا كنتيجة لقبول هدْيه وتشربه والتشبع به وأداء حقه والتعلق به, فكأن الحقيقة المحمدية قد شفعت حقيقة الإنسان وأدخلتها تحت كنفها ورعايتها وحمايتها ولابد من أن يتحقق ذلك في الحياة الدنيا وإن لم يدركه الإنسان إدراكا تاما, أما في الآخرة فسيبرز أثر تلك الشفاعة والتي كانت أولاً و آخراً بإذن الله تعالى, فهي تتم بمقتضى القوانين والسنن ولابد من تجانسٍ ما بين الشافع والمشفع فيه.

وبالمثل فإن شفاعة القرءان في الإنسان هي نتيجة لشدة اعتناء الإنسان به والاعتصام به والقيام بحقه وجعل آياته جزءاً من كيانه ومن ذلك أن تكتب آيات القرءان في صدره فتشفع فيه وتحول بينه وبين العذاب أي بينه وبين آثار المعاصي، وليست الشفاعة هي ما يظنه العامة أو ما يطلقون عليه الوساطة أو المحسوبية أو المحاباة بمحض الهوى فتلك أمور يجل عنها الإنسان الصالح السوي فضلاً عمن هو أسمي منه وأرقي.

أما من ألقى بنفسه في بحور العصيان انطلاقا من ظنٍّ خاطئ ومفهوم مضلل عن الشفاعة ولم يأبه بالوعيد وأقبل على المخالفات بكل جوارحه فلابد من أن تحيط به آثار أعماله فتحول بينه وبين إمكانية الاستفادة من مصادر الهدى فيقال إنه لا تقبل فيه شفاعة, أما العاصي الذي يمكن أن تقبل فيه شفاعة فهو من يعصي مغلوبا على أمره مع إقراره بأن ما يفعله هو معصية وهو يود من صميم قلبه الإقلاع عنها، ولذا لا يمكن أن تصفو له لذاتها, فإذا ما قضى وطره منها فإنه يندم ندما شديدا ويبادر بالتوبة والاستغفار وطلب الإقالة، ومثل هذا قد تقبل فيه شفاعة الكائنات العليا كحملة العرش مثلا فيجد في نفسه قوة وعزما وزهدا في المعاصي، فلابد أن يجد الإنسان أثر الشفاعة في حياته الدنيا، وإذا كانت الشفاعة في العالم الدنيوي لقرابة دنيوية فإنها في العالم الباقي تكون لقرابة حقيقية أي لتجانسٍ ما في صفة كمالية.

والشفاعة -كفعل يترتب عليه تأثير- هي كمال وبالتالي هي بالأصالة لله تعالى، فلله الشفاعة جميعا, قال تعالى: {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} الزمر44، لذلك لا ينبغي اتخاذ شفعاء من دون الله تعالى وإنما تكون الشفاعة بإذنه؛ أي بمقتضى قوانينه وسننه، أما من ترك السعي والعمل اتكالا على شفاعة عبد مخلوق فقد اتخذ شفيعا من دون الله تعالى إذ لم يأذن الله تعالى بذلك، أي أن هذا الأمر مضاد لقوانينه وسننه، ولذلك فإن الشفيع سيتبرأ ممن كان كذلك، ذلك لأن إرادته هي من إرادة الحق إن كان عبدا صالحا بل هي من آثارها ومقتضياتها، فمن أراد شفاعة الله تعالى فليعمل بمقتضى قوانينه وسننه ولا يحاول القفز عليها والتقدم بين يديها وليتق الله ربه وليأت البيوت من أبوبها فذلك راس أعمال البر، وإن العلامة العظمى لكل ضال مشرك لا يؤمن بالآخرة إيمانا حقيقيا هي اشمئزاز قلبه إذا ذكر الله وحده وطربه واستبشاره إذا ذكر الذين من دونه، وأسعد الناس بالشفاعة من أخلص الدين لربه وطهر له قلبه، فالشفعاء لا يشفعون إلا لمن ارتضى وهو الأعلم بمن يرتضى إذ له العلم المطلق والإحاطة المطلقة، فالأمر لا يجري اعتباطا بل وفق قوانين وسنن.

والشفاعة المقبولة هي التي يترتب عليها تغير حال طالب الشفاعة وهي تكون لمن ارتضى الله تعالى ولابد للشافع أن يكون مأذوناً له في الشفاعة، قال تعالى:

{يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا} طه109، {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} سبأ23، {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} الزخرف86.

فالشفاعة هي مهمة كونية يمارسها في الدنيا ويظهر أثرها فيها ويظهر فضلها في الآخرة، وأطراف الشفاعة وطرق تحققها تخضع للقوانين والسنن الإلهية, فلا شفاعة مثلا فيمن أهمل أمر دينه حتى لم يعد يخطر بباله وإذا ما أتيحت له أسباب معصية اقبل عليها بكل جوارحه وإرادته دون أدنى وازع، ولا شفاعة فيمن أمن مكر الله تعالى ولم يقم له وزنا، وبالأحرى فلا شفاعة فيمن أساء الظن بربه نتيجة لتصور خاطئ لديه عنه، قال الله تعالى: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ} فصلت23.

فالشفاعة من السنن المعتمدة الخاصة بالكائنات المكلفة والرب سبحانه هو الذي رتبها وارتضاها وجعل لها أهلها، وهي من وسائل إيصال الفضل الإلهي من كائن إلى آخر طبقاً للسنن، وكما يوعز الله سبحانه لأحد عباده بالتصدق على إنسان ذي حاجة فإنه يأذن لعبد صالح مقبول عنده بالشفاعة في أحد العصاة فيهيئ له بذلك سبيلا إلى الهدى والرشاد وحياة الباطن كما تسببت الصدقة في الحفاظ على حياة الكيان الظاهر.

والشفاعة تتوقف على أمرين قدرة الشفيع على التأثير والهداية ومدى استعداد طالب الشفاعة للتأثر وقبول الهداية ورغبته الصادقة في ذلك، فالشفاعة أمر محكوم بقوانين الرحمن وسننه وليست بالأمر الاعتباطي، ويوم القيامة يعلم المشفع فيه من أين أتتهالشفاعة التي كانت السبب في نجاته وسعادته، أما الشفاعة فلله جميعا من حيث أنه الفاعل الحقيقي وكل ما هو دونه آلاته التي يفعل بها ما يشاء.

فلابد للشفيع من إذنٍ ورضا إلهي ولابد للمشفع فيه من أن تُرتَضَي فيه الشفاعة، وفي كل الأحوال فإن أمر الشفاعة أسمى وأرقى مما يظنه الناس يستوي في ذلك من أنكرها أومن عوَّل على ما لديه من مفهوم خاطئ عنها، فالإذن بالشفاعة من مقتضيات تدبير الأمر أي هي من مقتضيات الاستواء على العرش، أما المأذون له بالشفاعة فهم الملأ الأعلى من الرسل والأنبياء والملائكة وخاصة حملة العرش وكذلك الشهداء من البشر والمراد بالشهداء العباد المطلعون على الأمر الراغبون في الإرشاد والإصلاح والذين لديهم شهادة معتمدة عند ربهم.

ولا دخل للنفوس وأهوائها في أمر الشفاعة فلن تفتدي نفس نفسا ولن تغني عنها شيئا، قال تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْما لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ}البقرة48، {وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} البقرة123، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} البقرة254.

فالآيات لا تنفي الشفاعة، وإنما تثبت أن لها أمدها، فلابد من يوم لا مجال لقبول شفاعة فيه، ولن تقبل شفاعةمصدرها النفوس وأهواؤها، فالشفاعة المقبولة هي التي تكون بإذن الله تعالى ورضاه، أي التي تقتضيها وتوجبها القوانين والسنن الإلهية الحاكمة على هذا الأمر، وسننه سبحانه لا تبديل لها ولا تحويل ولا تلين استرضاء لأحد لأنه سبحانه غني عن العالمين، والكل يخشى سطوته وجبروته وطلاقة مشيئته ولا نجاة لأحد حتى ولو كان من أكابر الرسل أو مقربي الحضرة إلا برحمته وفضله، وقد أشار الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ إلى أن العمل وحده ليس كافيا لدخول الجنة، فالكل مدين لله تعالى بالكل وهو الغني بذاته وأسمائه عن العالمين وعن العاملين، ولابد من رحمته وتوفيقه لكي يتم العمل ويكون بالفعل صالحا، فالله تعالى هو مصدر كل حسن وصلاح في الوجود، والشفاعة ليست من نفس الشافع وإنما هي من أمر الله تعالى وبإذنه، وإنما الشفيع آلة ظاهرة بيد الله تعالى لتنفيذ ما أراده وارتضاه، لكل ذلك لا دخل للأنساب ولا للمحسوبيات في الشفاعة.

*****

إن الشفاعة هي من السنن التي هي من كلمات الله التي لا تبديل لها ولا تحويل، فلا جدوى من إنكار الشفاعة كما يحلو للبعض أن يفعلوا، ولكنها تتم بالإذن الإلهي لمن ارتضى، ولا علاقة لها بما لدى الناس من تصورات عنها، والله تعالى هو الذي اقتضاها وارتضاها وجعل لها أهلها، وكلها له من حيث أن منه مبدأُها وإليه انتهاؤها ومرجعها، فله سبحانه استعمال من شاء من خلقه لتنفيذ مراده.

والشفاعة قد يظهر أثرها في الحياة الدنيا، وقد لا يظهر إلا في اليوم الآخر، ولكن لابد من تقدم أسباب باشرها الإنسان في حياته الدنيا يستحق بها تلك الشفاعة، فلابد من أن يكون كل شيء بالحق وبمقتضى العدل، فالشفاعة نوع من التأييد على المستوى الجوهري ينالها من قدم ما يوجب استحقاقها.

أما الشفاعة غير المقبولة فهي كما يلي:

1. الشفاعة بالمفهوم الذي لدى الناس عنها، وهي تتضمن ظلمًا لا ريب فيه.

2. أن يتخذ الناس شفعاء بغير علم أو إذن إلهي؛ أي شفعاء غير موجودين أصلا أو لا إذن لهم في الشفاعة، أو لا يكون معهم الإذن في الحالة المطلوب الشفاعة فيها.

*****

إنه لا يوجد ما يضطر الصالحين للشفاعة في العصاة المجرمين ولو كانوا من أقرب الناس إليهم, فإن حبهم لله تعالى وخشيتهم وحياءهم منه واحترامهم لمشيئته كل ذلك يمنعهم من أن يشفعوا في أحد إلا إذا تلقوا إذنا صريحا منه سبحانه، فلقد طرحوا وراء ظهورهم كل أهوائهم ودوافعهم الذاتية وميولهم.

ولقد أثنى الله تعالى على إبراهيم عليه السلام عندما تبرأ من أبيه لما تبيَّن له كفره ولم يشفع فيه، قال تعالى:

{وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيم} [التوبة:114]

وكذلك أثنى على إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ لإعلانهم البراءة من قومهم لكفرهم، قال تعالى:

{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6)} الممتحنة

وعاتب نوحا عليه السلام عندما كلمه في أمر ابنه، وكما قال تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ(17)ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ(18)يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ(19)} ( الانفطار)، والشفاعة داخلة في هذا الأمر فلا شفاعة عنده كما قال إلا بإذنه، وإذنه هو جماع مقتضيات قوانينه وسننه، وإن المؤمن العادي ليأنف من أن يرميه أحدهم بالأخذ بالشفاعة بالمفهوم الدارج السيئ أي بالوساطة والمحسوبية فكيف يرمي بها رب العالمين.

إن عباد الله المصطفين الأخيار يعظمون قدر ربهم، وهم الذين تحققوا بأعلى درجات التقوى والحياء من ربهم.

***

إن الله تعالى خلق الإنسان حرا مختارا فيما يتعلق بالأوامر التكليفية وهداه النجدين وبيَّن له السبيلين ولم يكلفه إلا وسعه ولم يحمله ما لا طاقة له به وأعطاه مهلة تمتد بطول عمره, فعليه أن يستخدم القوى والإمكانات التي يجدها في نفسه, وهو سبحانه لم يحث الناس على المعصية وترقب الشفاعة بل حذَّرهم من المعاصي وأعلن أنه لا شفاعة عنده إلا بإذنه, فكيف يأمل من لم يأبه بأوامر ربه طوال عمره أن يأذن الله تعالى لأحد أن يشفع فيه؟ وكيف يجرؤ أحد على أن يشفع في مثل هذا؟ إن الشفاعة هي مسؤولية جسيمة ولن يخاطر أحدهم بمكانته عند ربه في سبيل إنسان غيره، قال تعالى:

{مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا(85)} (النساء:85)، وقال:{وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ(28)} (الأنبياء:28).

وما الذي يضطر الشفيع ليشفع في مفترفي الآثام التي تجلب عليهم الغضب الإلهي؟ هل المذنبون أحب إلى نفسه من رب العالمين؟ هل هو أرحم بالناس منه؟ هل لديه من مكارم الأخلاق ما ليس له؟ إن الله تعالى هو مصدر كل رحمة وأصل كل كمال ومكرمة كمال، إنه يجب العلم بأن ما كان يفعله الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ في حياته هو ما سيفعله يوم القيامة، ولقد عاش لا يحابي أحدا من أقاربه بل كان يقدمهم ليفتدي المسلمين بهم وليرفع بذلك درجاتهم عند ربهم وليجعل منهم قدوة لغيرهم وليتأسى به المسلمون من بعد في معاملتهم لذويهم، وهكذا سيكون الأمر يوم القيامة، فلن يشفع صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ فيمن لا يستحق الشفاعة.

أما من يلقون بأنفسهم في المعاصي اعتمادا على شفاعةٍ ما فمن ذا الذي أدراهم أنه سيؤذن لأحد بالشفاعة فيهم؟ وهل اتخذوا بذلك عند الرحمن عهدا؟

إن العباد المكرمين المصطفين هم من خشية ربهم مشفقون، وهم لا يشفعون إلا لمن علموا أن الله ارتضى له ذلك وأذن لهم بالشفاعة فيه، إذ ما الذي يدفعهم إلى الشفاعة في عاصٍ جلب على نفسه غضب ربه في حين أنهم أشد الناس خوفا من ربهم واحتراما لجنابه وغيرة على مقامه.

ويمكن ضرب المثل التالي لبيان أمر الشفاعة:

ربما كان ثمة إنسان سليم الفطرة والطوية ولكنه بسبب ظروف نشأته مثلا أو بيئته غرق في الخطايا حتى أحاطت به ورانت آثارها على قلبه، فأثرت فيه موعظة سمعها مثلا فأصبح يود الفرار مما غرق فيه، ولكنه بسبب الأمراض التي أصابت كيانه الجوهري والخطيئة التي أحاطت به وفتت من عضده وأضعفت من عزمه اصبح أسيراً لا يستطيع الإفلات, فإذا ما أراد الله تعالى الذي يستجيب لتوسلات عباده ولو كانت صامتة والذي يعلم سلامة فطرته ورغبته الصادقة في التوبة أن ينجيه فإنه يدبِّر الأمر بمقتضى القوانين والسنن والتي منها أن يرتضي له الشفاعة فيتلقى ذلك أحد العباد المكرمين ويكون بذلك بمثابة آلة بيد الحق يحقق بها هذا الأمر؛ فيجد هذا الإنسان في نفسه ما يدفعه إلى الإقلاع عن المعاصي.

*****

إن الشفاعة المقبولة هي التي تتم بمقتضى أسماء الله الحسنى وسماته العليا، فهي التي يقتضيها الحق والعدل والقيام بالقسط، ولابد من أن يجد الإنسان آثارها في نفسه في تلك الحياة الدنيا وإنما يكشف له يوم القيامة عمن جُعِل سبباً في إيصال الخير له.

قال تعالى: {اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} البقرة255، {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ }الأنبياء28، {يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا}طه109.

فالشافع يعلم أن ربه يعلم ما في نفسه وفي نفس من يريد أن يشفع فيه، وهو خاضع خضوعا مطلقاً لإرادة ربه المتمثلة في سننه؛ وهو مشفق من خشيته؛ فهو لن يجرؤ أن يحكِّم في الأمر أهواء نفسه، إنه يجب أن يأخذ المرء بجدية كل الأوامر والسنن الإلهية وأن يجيد الانتفاع بما أوتي من وقت وإمكانات وألا يتمنى على الله الأماني.

*****

إنه يمكن للإنسان ولو كان مؤمنا أن يقع في المعاصي بل أن يقترف الكبائر، ذلك لأن الإيمان يتفاوت من حيث القوة من شخص لآخر، وقد لا يكفي ما لدى الإنسان من رصيد إيماني للتغلب على ما يتعرض له من إغراءات، ولكن المؤمن الحقيقي لا يقتحم المعاصي دون وجل أو خوف ولكنه يقع فيها مغلوبا على أمره، وعلى هذا الإنسان أن يبادر بالتوبة النصوح والاستغفار حتى لا تحيط به آثار معاصيه فتضطره إلى الكفر بالدين الذي يحول بينه وبين ملذاته وحينئذ لا تنفعه شفاعة الشافعين، فالشفاعة ليست بالأمر العشوائي الاعتباطي، كما أنها ليست بمحسوبية ولا بمحاباة، ولكنها خاضعة لسنن إلهية لا تبديل لها ولا تحويل يعبر عنها بالإذن الإلهي، فهي أمر حقاني لا باطل فيه ولا أهواء ولابد لها من استعداد أصلي لدى الإنسان لقبول آثار الهداية قد تخفيه آثار المعاصي ولكنها لا تمحوه، أما من فقد هذا الاستعداد بما اكتسبه من الآثام فلا جدوى منه ولا تقبل الشفاعة فيه.

*****

إن الشفاعة مثلها مثل التوبة لابد أن تظهر آثارها على الإنسان في حياته الدنيا، فالشفيع هو سبب من أسباب وصول التوبة والهدي والقبول إلى من لديه استعداد لذلك، وهذا الأمر لا يحدث اعتباطا ولا على سبيل المحاباة وإنما يتم وفق سنن لا تبديل لها ولا تحويل، أما يوم القيامة فيظهر لكل إنسان من كان شفيعه ومن كان سببا في وصول الخير له.

عدد المنشورات الفرعية : 63

عدد المنشورات : 418