34

أسباب الإجمال

للإجمال أسباب أهمها:

1. الاشتراك اللفظي

وهو تردد اللفظ بين معنيين فأكثر، وذلك بأن يكون اللفظ الوارد في الدليل له معنيان متساويان عند العرب، ولا يوجد في النص ما يدل على المراد منهما صراحة، مثل لفظ: القروء، الوارد في قوله تعالى: 

{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة228] 

فإنه يحتمل الأطهار والحيض، ولا يوجد في السياق ما يدل صراحة على المراد منهما، وإن كان كل من المختلفين استظهر من النص ما يؤيد رأيه.

ومثله: لفظ الشفق في قول الراوي: صلى العشاء بعد غيبوبة الشفق (متفق عليه). فإنه يطلق على الحمرة وعلى البياض اللذين يعقبان غروب الشمس.

2. اشتهار المجاز وكثرة استعماله

فاللفظ قد يكون حقيقة في معنى ثم يستعمل مجازا في معنى آخر ويشتهر حتى يصبح مساويا للحقيقة في الاستعمال، فإذا ورد في الدليل احتمل المعنيين على السواء، مثل لفظ العين، يطلق في اللغة على العين الباصرة حقيقة، ويطلق على الجاسوس مجازا، وقد اشتهر هذا الإطلاق حتى ساوى الحقيقة وأمكن أن يكون سببا للإجمال.

ومثله: لفظ النكاح، فإنه في أصل اللغة للوطء ثم أطلق على العقد مجازا واشتهر حتى ساوى الحقيقة، فإذا ورد لفظ النكاح في الأدلة الشرعية احتمل المعنيين فصار مجملا ما لم يصحبه بيان. وذلك كقوله تعالى: 

{فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة 230].

 فلفظ تنكح زوجا غيره، يحتمل الاكتفاء بالعقد، أو لزوم الوطء بعد العقد.

ولولا بيان الرسول صلى الله عليه وسلم للمراد من ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" (متفق عليه من حديث عائشة) لكان مجملا.

3. الإطلاق أو التعميم في موضع لا يمكن العمل فيه بالمعنى الظاهر من اللفظ لافتقاره إلى التحديد

ومثاله قوله تعالى: 

{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام141]،

 فالحق مطلق غير محدود ولا معروف المقدار، وكذلك الأمر بالصلاة قبل بيان صفتها.

والفرق بين هذا السبب والسبب الأول: أن السبب الأول يكون للفظ فيه معنيان محددان أو معانٍ محددة نجزم بأن المراد أحدها، وأما في هذا السبب فإن المعنى المقصود غير معروف بعينه، ولا هو محصور في معان محددة بحيث يتردد بينها.

*****

الفرق بين المجمل وبين المشترك

يعقد كثير من الأصوليين فصلا أو بابا للمشترك وآخر للمجمل، مع أن القارئ لا يتبين له في الغالب الفرق بينهما.

وقد فرق بينهما بعض العلماء بأن الإجمال بالنسبة إلى الفهم، والاشتراك بالنسبة إلى وضع اللفظ واستعماله.

وكون الدليل مجملا أمر نسبي يختلف من عالم لآخر، فقد يكون الدليل مجملا عند عالم ومبينا عند غيره، وذلك بحسب ما يصل إليه اجتهاد كل منهما. وأما الاشتراك فهو من حيث الوضع في اللغة، فاللفظ قد يكون مشتركا، ولكنه يستعمل في أحد معانيه فلا يكون مجملا، وقد يغمض المراد منه فيكون مجملا.

وأيضا فإن الإجمال في الأدلة الشرعية قد بين، ولم يبق لفظ مجمل لا بيان له.

أما الاشتراك فلا أحد يدعي انتهاءه من اللغة العربية، ولهذا فإن الكلام في الاشتراك بحث لغوي صرف لا ينبغي أن يحشر في أصول الفقه، وأما الكلام في الإجمال فهو أصل يجب ألا يخلو منه كتاب في أصول الفقه.

عدد المنشورات الفرعية : 63

عدد المنشورات : 412