عبيد "الصحابة" وقولهم باختيارهم في الأزل

ويقول عبيد "الصحابة" لتبرير ما هم فيه من شرك وضلال مبين: "إن مقام الصحابة قد تعالى علوا كبيرا، ذلك لأن الله تعالى هو الذي اختار هؤلاء (الصحابة) في الأزل لصحبة الرسول"!!! وبالتالي يجب -باختصار وبصراحة وبدون نفاقهم وتقيتهم- اتخاذهم أربابًا مشرعين وجعلهم فوق كتاب الله والقيم والسنن والقوانين، كما يجب الكفر بكل ما لا يتسق مع الصورة الوهمية التي يريد عبيدهم فرضها على الناس لهم، وإلزامهم بها، بما في ذلك آيات القرءان التي تذكر مساوئهم وكبائر الإثم التي اقترفوها، فهل كلامهم صحيح؟

كلا للأسباب الآتية:

1. قولهم أصلا لا وجود لأي دليل قرءاني عليه، ولا يمكن هاهنا الاحتجاج بالمرويات التي من شروط صحتها أن تكون منسوبة إلى صحابي، ولا يمكن إثبات الصحبة لأحد إلا بمروية! وهذا هو الاستدلال الدائري، وهو باطل ومغالطة، ومع ذلك فقد ورد ما لا حصر له من المرويات التي تنسف زعمهم نسفًا وتجتثه من جذوره.

2. قولهم يعني أنه كان للناس كلهم وجود حقيقي قبل وجودهم فاختار الله تعالى بعضهم ليكونوا (صحابة) للرسول، وهذا قول خطأ وباطل، وهو يتضمن شركًا لما فيه من زعم تعدد القدماء.

3. قولهم هو الجبرية المحض، وهي خطأ محض.

4. قولهم يتضمن جهلًا خطيرًا بحقيقة وكنه الاختيار الإلهي، وهم يشبهونه بالاختيار البشري.

5. قولهم يتضمن معرفتهم بنتيجة الاختيار الإلهي، فهم يزعمون أن الله تعالى اختار للرسول أفضل الناس وأحسن الناس وأكمل الناس وأعلاهم في الدرجات، فكيف كانوا كذلك من قبل أن يوجدوا أصلا؟ إن كل ما زعموه مترتب على الوجود والتحقق الحقيقي والاختبارات والابتلاءات!

6. قولهم يتضمن جهلًا خطيرًا بالجناب الإلهي وتجديفًا في حقه، فإذا كان هو الذي اختارهم وفق المفهوم الذي يريد عبيدهم إلزام الناس به، فلماذا اقترفوا كبائر الإثم التي نهى عنها في كتابه، ولماذا ذكر هذه الكبائر في كتابه، إن قولهم يعني أنه أنه لم يحسن الاختيار، وأنه أقرّ في كتابه بذلك!!!

7. وإذا كان هو الذي اختارهم وفق المفهوم الذي يريد عبيدهم إلزام الناس به، فلماذا نهاهم فشدد في النهي، ولماذا حذرهم تحذيرًا شديدًا وأنذرهم وهددهم بسوء المصير وإحباط الأعمال؟!

8. قولهم يتضمن اتهاما لله تعالى في حقانيته وعدله، فهم يزعمون أنه اختار للرسول مسبقا أفضل الناس وأحسن الناس ليكونوا صحابته، وهم بذلك أيضًا يقلبون الأمور رأسا على عقب!

9. ومن أدراهم أن الله تعالى اختار للرسول (صحابة) من أفضل الناس؟ لماذا لا يكون قد اختار له أشد الناس شراسة ومن كانوا في ضلال مبين ابتلاءً له، ألم يذكر القرءان بالفعل أنهم كانوا في ضلال مبين؟ ألم يذكر أن الرسول لو أنفق ما في الأرض جميعًا ما ألف بين قلوبهم؟ ألم يقل الرسول ما معناه إنه كان أشد الناس تعرضاً للابتلاء وكانوا هم من آلات هذا الابتلاء؟ وقد ذكر القرءان العديد من كبائر الإثم التي اقترفوها.

10. ولم يثبت تاريخيا أبدًا أن كل من زعموا له مرتبة (الصحابة) كانوا الأفضل مطلقا، والقرءان حافل بالآيات التي تندد بأفعالهم في مواطن عديدة وخاصة أواخر السور نزولا!!!

11. وحتى المرويات، وإن كان لا يجوز الاحتجاج بها هاهنا، لم تنصّ على مرتبة دينية بهذا الاسم، بل جعلت من لم ير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ وآمن به بمثابة إخوان له، وعلاقة الأخوة أعلى من علاقة الصحبة، كما أنها ذكرت أنه سيرتد بعض (الصحابة) ولن ينكشف أمرهم إلا في يوم القيامة.

12. إن الله تعالى قد شاء أصلا أن يكون أهل القرن الأول شديدي التنوع ويمثلون الناس من كافة الأنواع وألا يكونوا معصومين لكي يتم بهم إظهار وتجسيد التشريع، بما فيه من عقوبات، للناس على اختلاف أنواعهم، وهذا ما حدث بالفعل، وهذا ما ذكره القرءان بالفعل، فالقرءان يتحدث عن بشر طبيعيين؛ يطيعون ويعصون، يخطئون ويصيبون، يثبتون في المعارك ويفرون، يصدقون العهد وينكثون، منهم من يريد الدنيا ومنهم من يريد الآخرة، ومنهم من يبتغي وجه ربه الأعلى، ومنهم من يبخل، ومنهم من يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومنهم من يطعم الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، منهم من يتصدق ومنهم من يلمز النبي في الصدقات، منهم من يسارع في الخيرات، ومنهم من يشفق أن يقدم صدقات، منهم من صدق من عاهد الله عليه ومنهم من انقلب على عقبيه، منهم من افتدى الرسول بحياته ومنهم من تآمر عليه ليقتله، منهم من جاهد لينصره، ومنهم من قاتله ثم وقف يتمنى هزيمته رغم إسلامه له ..........

أما من يسيء الأدب مع خاتم النبيين، بالانحياز ضده إلى من يسميهم بأصحابه زاعما، أنه بذلك غير واقع في الشرك فقد جمع إلى شركه الأصلي الذي هو مغمور فيه ما يوجب قطع الصلة بينه وبين خاتم النبيين، ولن يفلح بذلك أبدا، بل يُخشى عليه من سوء الخاتمة.

وأكثر من أساء إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ المعاصرون له الذين يسميهم المضلون صحابته، وكان منهم –كما ذكر القرءان- من فروا من حوله في أشد لحظات القتال حرجا، ولم يبالوا به وهو يدعوهم في أخراهم، وكان منهم من قذفوا بالإفك أهل بيته ومن انفضوا عنه إلى اللهو والتجارة وتركوه قائما ومن تآمر على قتله وهموا بما لم ينالوا ومن أقسم ليتزوجن امرأته من بعده ومن رفعوا أصواتهم فوق صوته ومن آذى أهل بيته ومن حاول إبادتهم، ثم أساءوا إليه بما يسمونه بالسيرة التي اختلقوا أكثر ما فيها، ثم أساءوا إليه بمرويات كارثية لصد الناس عن رسالته.

وها هم الخلف الطالح يقدسون كل من أساء إلى النبي وكل مروية تسيء إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، ويطالبون بمعاقبة كل من يحاول الدفاع عنه!

*******

عدد المنشورات الفرعية : 63

عدد المنشورات : 418