منهج جديد لإحصاء الأسماء الحسنى

حديث الإحصاء

الجدول

أما المرويات المنسوبة إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ بشأن الأسماء، فالذي جاء منها متسقا مع دين الحق الماثل في القرءان هو النص الوارد في الجامع الكبير وهو:

"إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا كلُّهنَّ في القُرْءان مَنْ أَحْصَاهنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ".

والمروية لا تقصد إلى القول بأن لله تسعة وتسعين اسما فقط، وإنما تؤكد الأهمية القصوى لهذا النسق من الأسماء الذي يتضمن 99 اسمًا بالأسلوب المعلوم، وهو تبشير من أحصاهن بالجنة، فالمقصود الإخبار عن دخول الجنة بإحصاء الأسماء التسعة والتسعين وليس تحديد عدد الأسماء الحسنى.

ولقد ثبت لدينا، بفضل الله تعالى، أن في القرءان ثلاث منظومات من الأسماء كل منظومة منها تتضمن بالفعل 99 اسمًا من الأسماء المذكورة فيه، وهناك أسماء مشتركة بين المنظومات، فالأسماء المذكورة في القرءان أكثر من 99 اسمًا.

وقد حاول بعض الملحدين في القرءان ومن اتخذوه مهجورا كالعادة التشكيك والطعن في القول "كلُّهنَّ في القُرْءان"، وبالطبع فهؤلاء لا يؤبه بهم، فهم الذين اتخذوا القرءان مهجورا، وحاولوا اختزال دوره في الدين إلى أدنى حدٍّ ممكن، وإذا ذُكِر القرءان وحده اشمأزَّت قلوبهم وتأججت نيران غيظهم، والحق هو أن هذه المسألة هي مثال يوضح الفرق بين منهجنا وبين منهج أتباع دين التراث في التعامل مع المرويات.

وإحصاء الأسماء الحسنى يتضمن استخلاصها من مصدرها الشرعي الأوحد، وهو القرءان العظيم، ولا يعني أبدًا التماسها في أي مصدر آخر، ولا اشتقاقها من أفعال واردة في أي مصدر ولا إنشاءها طبقًا لأي مقترح أو ظن أو عقيدة مقررة سلفًا.

وهناك بالطبع فرق بين تسمية الإله، وهذا حقٌّ له وحده، وبين الإخبار عنه بما هو تبيين لما ذكره عن نفسه، وهذا أمرٌ اجتهادي محكوم بأسس وعناصر دين الحق الماثل في القرءان.

ويمكن الإخبار عنه باسم فاعل لكل فعل من الأفعال المنسوبة إليه، ولكن لا يجوز اعتبارها من الأسماء الحسنى طالما لم ترد نصًّا في القرءان.

والاسم الإلهي سابق على الفعل في المرتبة الإلهية، لذلك لا يمكن أن يكون الاسم الإلهي في صيغة اسم مفعول، ذلك لأن أسماءه سابقة على مخلوقاته التي هي مترتبة على أفعاله.

فكونه سبحانه إلهًا سابق على كونه معبودا، فكلمة "معبود" لا تكافئ بأي حالٍ من الأحوال كلمة "إله"، فالاسم "الإله" يتضمن السمة المحكمة التي تقتضي أن يعبده كل ما هو من دونه.

هذا بالإضافة إلى أن الفعل يتغير معناه طبقًا لحرف الجر التالي له فالفعل "تاب على" يختلف عن الفعل "تاب إلى"، مع ثبات المشتقات، لذلك فالاسم اللفظي التواب فعله "تاب على"، وليس "تاب إلى".

*****

رووا أن الرسول قال: " إن لله تسعة وتسعين اسما، كلهن في القرءان، من أحصاها دخل الجنة ".

أخرجه ابن جرير الطبري في " التفسير" (15/121) من طريق حماد بن عيسى عن عبيدة بن طفيل الجهني، قال: حدثنا ابن جريج عن عبد العزيز عن مكحول عن عراك بن مالك عن أبي هريرة مرفوعا.

قال الألباني في " السلسلة الضعيفة والموضوعة" (5/251): ((منكر جدا بزيادة " كلهن في القرآن"

وهذا إسناد ضعيف جدا، حماد هذا ضعفه جمع، وقال الحاكم والنقاش: "يروي عن ابن جريج وجعفر الصادق أحاديث موضوعة ".

والحديث في "الصحيحين" وغيرهما من طرق عن أبي هريرة دون هذه الزيادة المنكرة، وقد أشرت إلى بعض طرقه عند أحمد في التعليق على " المشكاة " (2288).))

فهل رأْيُ الألباني وغيره في "حماد بن عيسى" يصلح كحجة لرفض عبارة "كلهن في القرءان"، وهل هذه العبارة بلغت من البشاعة عنده ما يجعله يصفها بالزيادة المنكرة، ويصف الحديث بأنه منكر جدا، وما هي مصلحة "حماد بن عيسى" في إحداث هذه الزيادة؟ هل كان عميلا سريًّا A secret agent للقرءان الكريم؟! وهل تضعيف من يسمونهم بـ(جمع) له يجعله الكذاب المطلق الذي لا يؤخذ منه أي قول؟!

وما الفرق بين متن المروية هنا وبين المتن الذي أورده البخاري وصححه الألباني؟

روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا -مِائَةً إِلا وَاحِدًا- مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ".

الحق هو أن النص الذي رواه "حماد بن عيسى" أفضل بلا ريب، ففي نص البخاري توجد عبارة زائدة لا تضيف علما Redundant، بينما النصّ الذي رواه "حماد بن عيسى" أفضل لزيادة العلم عنده، والزيادة الواردة في النص الذي أورده متسقة مع دين الحق اتساقًا تاما، ومتسقة أيضًا مع مذهب الجمهور، فالجمهور يقولون بأن العقيدة لا تؤخذ من المرويات الآحادية الظنية، ولا تؤخذ إلا من نص قطعي الثبوت، ولا شك أن أسماء الله هي لبّ وجوهر العقيدة الإسلامية، أو بالأحرى لبّ الإيمانيات الإسلامية.

ولا شك أن هذه العبارة التي أثارت الألباني وأججت نيران غضبه كانت لازمة حتى يبحث الناس عن الأسماء في المصدر الأوحد لكل أمور الدين الكبرى، وهو القرءان الكريم، فليس المطلوب من المسلم أن يخوض في ركام هائل من الآثار الظنية ليستخلص منها أعظم أمور دينه أهمية، ولهذا استفزَّت عبارة "كلهن في القرءان" بشدة أتباع دين المرويات، وأضرمت نيران الغلّ والغيظ في قلوبهم.

ولا شك أن سببًا مذهبيا كان وراء تضعيف "حماد بن عيسى"، وبافتراض أنه ضعيف كما يقولون فهذا لا يعني أنه كاذب كذبًا مطلقا، بل يوجد احتمال أن يصدق في بعض مروياته، وهذا الاحتمال متحقق هنا لاتساق روايته اتساقًا تاما مع دين الحق، والحق أن منهجهم للتعامل مع المرويات مشوب بقدر كبير من الأمور المذهبية والشخصية وغير الموضوعية ومشبع بالاحتمالية، ولذلك اضطروا إلى إحداث ما يسمونه بدرجات الصحة.

وتضعيفهم المروية ذات المتن المتسق مع دين الحق لأن لهم مقالا في السند يبين للناس أن السند مقدم عندهم على المتن وعلى أي أمرٍ آخر مهما زعموا، بل إن الأدهى والأمرّ هو أن أقوال سدنتهم وظنونهم مقدمة عندهم على ما تعارض معها من الحقائق القرءانية الدامغة.

فقولهم بضعف السند، بسبب "حماد بن عيسى"، لا وزن له عندنا، فنحن نأخذ بالمروية المتسقة مع دين الحق حتى وإن ضعَّفوها.

وفي كل الأحوال فإن القرءان الكريم هو المصدر الأوحد لكل أمور الدين الكبرى وعلى رأسها الأسماء الحسنى الإلهية، ومنه وحده يجب استخلاصها، وفيه وحده يجب إحصاؤها.

*******

1

1.png