top of page

كتب أ.د. حسني المتعافي

من كتابنا رقم 95، الإسلام والأمة والدولة والمذاهب المعاصرة، 2017، (1)

الأمر والحكم

إن القرءان هو المصدر والمرجع الأوحد فيما يختص بالمصطلحات المذكورة فيه، ولا قيمة لما اصطلح عليه الناس في أمور الدين إذا كان يتعارض مع مصطلح قرءاني، ولمعرفة معنى مصطلح قرءاني يجب الرجوع إلى كل الآيات التي ورد ذكره فيها دون استبعاد أية واحدة منها.

ومن الآيات التي ورد فيها مصطلح الأمر:

{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} آل عمران152، {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}آل عمران159، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا }النساء59، {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلا }النساء83، {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَـكِنَّ اللّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }الأنفال43، {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ }الجاثية18، {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ }الحجرات7.

أما الحكم فقد ورد في آيات منها:

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعا بَصِيرا}النساء58، {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيما }النساء65، {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيما }النساء105، {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }المائدة42، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }المائدة44، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}المائدة45، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}المائدة47، {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }المائدة48، {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ}المائدة49، {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْما لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}المائدة50، {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }النور51، {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}ص26، {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} الممتحنة10.

فمصطلح الأمر مصطلح عام يُطلق على أي حال أو أي شأن أو أي مجال، وهو يعني في الوقت ذاته القرار الملزم أو الواجب النفاذ، لذلك فأولو الأمر هم المنوط بهم صناعة وإصدار الأوامر الملزمة فيما هم متخصصون فيه.

أما اللفظ (يحكم) طبقا للمصطلح القرءاني فهو إما أن يكون شأنًا إلهيا، وإما أن يعني إصدار حكم فيما يحدث بين الناس من الخصومات.

فمن الحكم الذي هو شأن إلهي:

1. توصيف الأفعال والأقوال من الناحية الدينية والشرعية، بمعنى أنه لله وحده أن يصدر الحكم البات على الفعل أو القول الإنساني، فيحكم بأن هذا حلال أو طاعة أو حرام أو معصية أو إثم كبير أو إثم صغير ... الخ.

2. توصيف وتقييم الفعل أو القول الصادر عن الإنسان والذي يترتب عليه ثواب أو عقاب، وهذا التقييم يتم وفق السنن الإلهية الخاصة بالمخيرين.

3. توصيف وتقييم الإنسان ذاته من حيث صدور الفعل عنه.

4. الحكم بين الناس في كافة الأمور التي اختلفوا فيها، وذلك في يوم الدين.

أما الحكم المتعلق بالناس فهو حكم أي قضاء بين الناس وليس حكمًا عليهم، كما أن الحكم هو التوصيف الشرعي لأعمال الناس وفقًا لظاهر الشريعة، وكذلك هو جماع الأحكام الملزمة لهم، ومصطلح "الحكم" يعني بذلك القانون كما يعني ما يترتب على إعمال ذلك القانون في الخصومات بين الناس.

أما كل ما يتعلق بإدارة وتصريف أمور الأمة فيعبر عنه بمصطلح (الأمر)، ولقد كان من مهام الرسول الحكم بين الناس وكذلك تولي أمورهم والقيام بها، فلا تنافي بين الأمرين، واللفظ (أمر) يتضمن من المعاني ما هو أكثر من ذلك بكثير.

والحكم بين الناس يكون بمراعاة قيم الإسلام ومقاصده وبالعمل بأوامره ووفق سننه الشرعية، فالحكم يكون بما أنزل الله من شرائع وبالتزام ما أمر به من قسط وعدل، والآيات القرءانية لا تعني أبدا أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ كان ينزل عليه عين الحكم الواجب الالتزام به، وإنما كان مأمورا بأن يحكم بين الناس بما أراه الله والذي هو ما أنزله إليه في هذا الكتاب، أي كان مأمورا بأن يحكم بين الناس بما تضمنته آياته من القيم والمبادئ والقوانين والأحكام والموازين أو بما يمكن استنباطه منها، وتلك هي سنته في الحكم بين الناس، فهي الحكم بما أنزل إليه في الكتاب، قال تعالى:

{إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا} [النساء:105].

فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ كان مأمورًا بأن يحكم بين الناس بما أراه الله في كتابه من القوانين والسنن والقيم والمبادئ والأسس والموازين، ولا يعني ذلك أن ينزل عليه عين الحكم الصائب في كل قضية تعرض عليه وإلا لما نهاه في نفس الآية عن أن يكون للخائنين خصيما، فلو كان عين الحكم ينزل عليه لما كان ثمة معني لنهيه عن اتباع أهوائهم وتحذيره من أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه، قال تعالى:

{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ} المائدة48

فما أنزل الله ليس عين الحكم في كل قضية جزئية وإنما القوانين والسنن والمبادئ والأسس التي يجب الالتزام بها عند الحكم بين الناس.

ولقد نص القرءان على كفر وظلم وفسق من لم يحكم بما أنزل الله، ولقد قالوا إن الآيات إنما نزلت في أهل الكتاب، وإن شأن هؤلاء لعجيب؛ فهل يظنون أن من لم يحكم بما أنزل الله من أهل الكتاب هو كافر ظالم فاسق بينما لا يكون كذلك من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين؟ إن جريمة المسلم أفدح لأن لديه علما حقيقيا بما أنزل الله، هذا في حين أن أهل الكتاب لم يعودوا يميزون بين ما أنزل الله وبين ما ألقاه الشياطين والكهنوت في كتبهم وتراثهم.

ولكن هل يظنون أن من لم يحكم بما أنزل الله في خصومة بين رجلين مثلا هو كافر ظالم فاسق أما من لم يصرف أمور الأمة وفق ما أنزل الله بل وفق ما أنزل شياطين الإنس والجن ليس كذلك؟ إن خطأه بلا شك أسوأ عاقبة وأشد خطرا، ولكن يجب هاهنا بيان أن الكفر المذكور هو داء يتصف به الكيان الجوهري لكل هؤلاء، فهو ليس بالكفر الشرعي المضاد للإسلام، فللكفر مراتبه العديدة، فمن جحد حكما أو علما تضمنته آية فقد كفر، ولابد لفعله من أثر ضار علي كيانه الجوهري، ولكنه لن يدخل النار بالضرورة، لأنه لن يتم الفصل في أمره إلا بانقضاء أجله، وكفره هو دون كفر من أنكر رسالة رسول من الرسل مثلا، ومن أنكر رسالة خاتم النبيين هو أشدهم كفرا، ولكن كفره أخف من كفر من أنكر وجود إله أصلا، وكفر هذا أشد من كفر من أقر بوجود إله ولكنه أنكر أحديته أو إحدى سماته.

وآيات القرءان تبين أن الرسول نفسه ملزم باتباع أوامر الشرع، فأوامر الشرع عامة وملزمة، وما الحكم بما أنزل الله في الخصومات إلا فرع من الأمور الشرعية، فمن لم يلتزم بأمر الله في مجال ما لن يكون أقل كفرا وظلما وفسقا ممن لم يحكم بما أنزل الله في الخصومات، وعلي سبيل المثال فالحكم لمطلقة بنصيبها الشرعي من مال زوجها هو أمر من أوامر الشرع مثله مثل الأمر بالسير في الأرض للنظر في كيفية بدء الخلق ومثل الأمر بالنظر في ملكوت السماوات والأرض ومثل الأمر بصيام رمضان، وبالطبع فإن آثار عصيان تلك الأوامر على الكيان الجوهري للإنسان تتفاوت تفاوتا هائلا وفقا لوزن الأمر ووفقا للسبب الذي كان الدافع وراء العصيان، ومن هنا فإن عصيان أمر يراه الناس هينا قد يكون أسوأ عاقبة على إنسان ما من أمر يراه الناس من الكبائر.

*******

1

bottom of page