الملك المصري شيشنق

حكمت الأسرة المصرية الحادية والعشرون مدة مائة وخمسة ثلاثين عاما تقريبا طبقا للمؤرخين، وهذا تقدير متواضع بالنسبة للحقيقة، كانت البلاد منقسمة، وقد عصفت خلالها الأحداث بمصر وعم الفساد بالدولة، أنهكت الضرائب كاهل الشعب، ولم يجد حكام الشمال بدا من محاولة حل المشاكل سلميا، واضطروا إلى مهادنة مملكة إسرائيل التي كانت قوتها تتعاظم في فلسطين تحت حكم الملك داود.

كان ظهور شيشنق إيذانا بانتهاء هذه الفترة، تزوج من ابنة الملك بسوسنس الثاني آخر ملوك تلك الأسرة، وبذلك قامت الأسرة الحاكمة المعروفة عند المؤرخين بالأسرة الثانية والعشرين، وكان ذلك حوالي عام 943 قبل الميلاد في تقديرنا، وقد تولي الحكم في مصر وديا وسلميا كمصري يؤمن بدين مصر ويلتزم بقوانينها.

وقد كان شيشنق حاكما قويا رفع من شأن مصر، وكان يريد بسط نفوذها على غرب آسيا كما كان الحال قديما، فسيطر على جنوب سوريا وساحلها.

وشيشنق (حدج خبر رع - ستب إن رع) هو ملك مصري تولى من 943 إلى 922 ق.م. (في تقديرنا)، وترجع أصوله إلى أسرة من مدينة إهناسيا (في بني سويف الآن)، قدم مؤسسها بويو واوا الجد الخامس للفرعون شيشنق من إحدى الواحات الواقعة في جنوب غرب مصر في الصحراء المتاخمة لوادي النيل التي كانت مسماة قديما بالصحراء الليبية، أي في الجزء المسمى حديثا بصحراء مصر الغربية الواقعة الآن داخل الحدود المصرية، ولذلك عرفت أسرته لدى (علماء المصريات) باسم الأسرة الليبية، وكان المصريون القدماء يسمون الصحراء الغربية المتاخمة لوادي النيل بلوبيا أو ليبيا، لذلك فهذه التسمية غير دقيقة الآن لتغير دلالات المقصود بليبيا في العصر الحديث، ويجب الكف عن استخدامه لوجود المغرضين والمتلاعبين بالتاريخ والمصابين بشتى مركبات النقص والمولعين بالسطو على إنجازات الآخرين.

وكانت أسرة شيشنق مندمجة تماما في الشئون المصرية وتتولى المناصب في مصر كسائر المصريين، وقد صعد شيشنق إلى الحكم بكفاءته الخاصة وحسن الإفادة من كافة القوانين والقواعد المتبعة في مصر، وحمل لقب الفرعون (بالأحرى برعا) وأسس بذلك لحكم أسرته، وقد عرفه اليونانيون فسموه سوساكوس.

يذكر العهد القديم قصة حملة شيشنق ملك مصر على أرض كنعان ومملكة يهوذا في السنة الخامسة من حكم رحبعام بن سليمان، يبدو أن رحبعام كان يتوقع الهجوم إذ أقام عددا كبيرا من الحصون، كان شيشنق يقود جيشًا ضخما، يعطي العهد القديم أوصافا مفصلة للجيش المصري الذي هاجمهم، كان يضم 1200 عربة قتال و60 ألف فارس وجنودا من شتى طوائف المصريين، استولى الجيش على كل المدن الحصينة في طريقه إلى أورشليم، أعطى رحبعام لشيشنق كل كنوز الهيكل وعرش سليمان لينقذ أورشليم، وأقر بأن يحكم يهودا كتابع لمصر، وبذلك تم فرض سيطرة مصر على يهوذا.

*****

فكون جده الخامس ينتمي إلى قبيلة المشواش الليبية لا يعني أبدا أنه غير مصري، لقد تمصر جده الخامس ودخل في خدمة الحكومة المصرية، وكان المشواش يعملون كجند في الجيش المصري نفسه، هذا مع العلم أن من يسمون بالليبيين في الزمن القديم ينتمون إلى فرع من السلالة السائدة في مصر وهي E1b1b1 وقد ظهرت سلالتهم منذ 5500 سنة فقط، وهي E1b1b1b في جنوب مصر وبدأوا من بعد في الهجرة غربا، وهم مكون من مكونات المصريين.

فشيشنق لم يأت من بلد خارج مصر ليحتلها كما يزعم بعض الجهلة والمغرضين، وإنما تدرج في المناصب كأي مصري إلى أن تولى الملك.

هذه هي الحقيقة البسيطة، وليس فيها أي تعصب، فنجن لا ننكر مثلا أن قمبيز الفارسي جاء من خارج مصر واحتلها، وكذلك سيفعل أكتافيوس الروماني وسليم الأول العثماني مثلا، فحقائق التاريخ لا يجوز إخضاعها للأهواء أو الخرافات.

وقد تولى عبد حبشي اسمه كافور الإخشيدي حكم مصر بعد إثبات كفاءته في الدولة، ولم تقل الحبشة إنها احتلت مصر، وتولى شخص ذو أصل كيني حكم أمريكا، ولم تقل كينيا إنها احتلت أمريكا، وتولى حكم مصر شخص كان جده الخامس من قبائل الماشوش (المختلف في أصلها) وهاجرت إلى مصر قبل أن يولد شيشنق بخمسة أجيال؛ أي قبل أن يولد بعدة قرون، فزعم الأمازيغ أنهم احتلوا مصر واتخذوا من ذلك اليوم بداية لتقويمهم المزيف! ولم يرد في التاريخ أبدا أن شيشنق هذا قاد جيشا للاستيلاء على مصر، بل وصل هو إلى منصب القائد العام للجيوش المصرية، وكان مصريا يؤمن بدين مصر ويتحدث بلسانها، ولم يكن يعرف أي شيء عن بلاد تقع إلى الغرب من مصر، وكان جل اهتمامه في العالم الخارجي هو شمال شرق مصر مثل سائر حكام مصر على مدى التاريخ.

*******

بعد انقسام المملكة العبرية لم يبق لرحبعام بن سليمان إلا سبطا يهوذا وينيامين في أورشليم وجنوب أورشليم، وسميت هذه المملكة بيهوذا.

وفي عام 923 ق.م. قام شيشنق بمهاجمة رحبعام بن سليمان واستولى على كنوز الهيكل، وبيت الملك وآلاف الأتراس الذهبية المصنوعة في عهد الملك سليمان، كما قام بحملات خاطفة دمر فيها عشرات المدن اليهودية والمستعمرات التي في سهل يزرل وشرقي وادي الأردن كما يبدو أنه هاجم المملكة الشمالية أيضًا، وتدل النقوش التي على معبد الكرنك أن شيشنق هاجم كل فلسطين فأخضع فيها مائة وستة وخمسين مدينة.

ويقولون إن النقش الذي عثروا عليه يذكر الأراضي التي استولى عليها، وقد لاحظوا أنه ذكر الأراضي شمال أورشليم وجنوبها ولم يذكر أورشليم نفسها، وبالتالي شككوا في رواية التوراة!! والحق هو أنه كان يجب العلم بما يلي:

1. كان عليهم هم أن يعلموا أنه لا يمكن أن يقود ملك مصر جيشا جرارا ليهاجم مملكتي إسرائيل ويتحاشى العاصمة الثرية بمعبدها المليء بالكنوز!!

2. إن حملة شيشنق الرئيسة الأولى كانت وجهتها أورشليم وقد أخذ كل ما هو فيها وفي معبدها من ثروات منقولة دون أية معارك وأخضع ملك يهوذا لسلطانه ووضعه تحت وصايته، وهذا ما حدث بالفعل، وهو بالتأكيد قد أفرد لموضوع أورشليم نقشا خاصا لأهميته، قد يكون قد فقد، أو لم يتم العثور عليه بعد! أو أخفاه اليهود عن طريق عملائهم من رجال الآثار كما تعودوا في مثل هذه الأمور، أما النقش الذي تم العثور عليه فهو لحملة أخرى لإخضاع المدن والقبائل شمال وجنوب يهودا التي لم يهاجمها باعتبارها أصبحت خاضعة له، بل ربما كانت هذه المعارك لحسابها؛ أي للدفاع عنها وإرهاب الممالك الأخرى.

3. أنه كان هناك أكثر من شيشنق، وهذا صحيح، والذي قام بنهب المعبد هو أولهم وأكبرهم، وربما ضاع النقش الذي سجل فيه شيشنق هذا انتصاره أو ربما لم يُكتشف بعد، أما النقش المكتشف فهو لحملة قام بها شيشنق آخر تحاشى فيها يهودا بسبب كونها محمية مصرية.

4. وعلى سبيل المثال هم اضطروا لتعديل ما قرروه من فترة حكم شيشنق لتكون من 943 إلى 921 لكونه عاش حوالي ثلاث سنوات بعد حملته المظفرة على يهودا والتي استقروا على أنها كانت سنة 925، وهي في تقديرنا كانت سنة 923، أما موت شيشنق فقد حدث سنة 921 ق.م، فالتواريخ الواردة في كتب التاريخ ليست حقائق علمية صارمة، وهي معرضة للتغير باتجاه الأفضل كلما ظهرت حقائق جديدة.

*******

لما تولى شيشنق انشغل بتوطيد أركان ملكه في مصر وإعادة الاستقرار إليها وتقوية جيشها، كان الملك في إسرائيل هو سليمان عليه السلام بما كان معروفا عنه من قدرة وسلطات على قوى الطبيعة وعلى الجن، من البديهي أن شيشنق رأى أن من الأسلم مصادقة سليمان ومصانعته بل والتحالف معه مع العمل في نفس الوقت على تشجيع أي تمرد ضده، وهكذا لم يجد حرجا في استقبال يربعام الذي رفع لواء ثورة أكثر الأسباط ضد سليمان، توفي سليمان سنة 928 ق.م.

كان الشماليون الثائرون عشرة أسباط ويقطنون المناطق الغنية، كما كانوا أكثر انفتاحًا على العالم وأكثر تقبلا للتعايش معهم وللقبول بأديانهم، ولكن هذا كان يعني الشرك والانحراف عن الدين القويم، وقد انحازوا إلى يربعام من قبيلة أفرايم، احتدم الصراع بينهم وبين سبطي يهوذا وبنيامين في الجنوب وحول أورشليم، كان هؤلاء تحت قيادة رحبعام بن سليمان، أكثر انعزالا وأشد تمسكا بالتقاليد الإسرائيلية، وكانوا يسكنون المنطقة الجبلية الفقيرة في الجنوب وحول أورشليم.

أما شيشنق فوجد أن الوقت أصبح مناسبا لتنفيذ السياسة المصرية الثابتة، فجرَّد حملة على فلسطين سنة 923 ق.م.، استولى على كنوز الهيكل وعلى عرش سليمان، وقد ورد ذكر هذه الحملة في العهد القديم، وتم تسجيل شيء عنها على جدران المعابد.

ولا يوجد ما يبرر رفض رواية العهد القديم بهذا الخصوص، فمن البديهي أنه بمجرد ظهور حاكم مصري قوي أن يسعى إلى تأمين حدود مصر الشمالية الشرقية، وكان شيشنق حاكما قويا كسائر مؤسسي الأسر الحاكمة، وقد كانت فلسطين دائما بوابة الغزاة إلى مصر، فكان لابد له إما أن يستولي تماما عليها، وإما أن يضع حكامها تحت وصايته وتصرفه، وهذا ما حدث بالفعل.

ويستغرب بعضهم لكون النقوش التي عثروا عليها للمواقع التي قهرها الجيش في فلسطين لا تتضمن أورشليم، والحق هو أنه لا يوجد ما يثير العجب، فربما كانت هذه النقوش لحملة أخرى سابقة على الحملة على أورشليم، وربما يكون النقش الخاص بأورشليم هو نقش منفرد ولم يتم العثور عليه بعد، أو ربما يكون قد فُقد لأي سبب من الأسباب.

إن من يريد أن يتعجب فليتعجب من ظهور الدولة العبرية وبقائها هذه المدة الطويلة، ولا يوجد أي مبرر لذلك إلا لأن مصر كانت تعاني من أزمات داخلية حادة قبل أن تستعيد وحدتها وعافيتها، وهذا الدرس هو الذي وعاه واستوعبه جيدا الاستراتيجيون الذين يخططون لبقاء إسرائيل وتوسعها في العصر الحديث.

ومن المعلوم أن النوبيين المصريين استولوا على السلطة من بعد وأسسوا الأسرة 25، وأنهم حاولوا الحفاظ على نفس السياسة وكانوا هم الذين أنقذوا مملكة يهوذا من أن يحيق بها ما حاق بإسرائيل من قبل، وكذلك فعل نخو الثاني بحملته الشهيرة التي أخضع فيها يهوذا.

وقد أثار موقف مصر حنق أشور، وبسبب تدخل الأسرة المصرية النوبية أو الكوشية ضد الأشوريين غزا الأشوريون مصر، ويبدو أن الكوشيين لم يجدوا مساندة قوية من باقي الأمراء المصريين، فلاحقهم الأشوريون بسهولة إلى أقصى حدود مصر الجنوبية، كان ذلك أول احتلال عسكري أو غزو خارجي شامل تعرضت له مصر، وقد تسبب في تخريب الكثير من أراضيها وضياع جزء كبير من هيبتها القديمة وكنوزها، ولكنه سيتسبب أيضا في انهيار الإمبراطورية الآشورية والتي لم تجد من يحاول إنقاذها إلا مصر!!!

أدى ذلك إلى نتائج بالغة الأهمية والخطورة، إذ اندحرت النوبة وخرجت من مسرح التاريخ وانعزلت عن الأمور المصرية، أما أشور فكان السيطرة على هذه الإمبراطورية الشائعة فوق كل إمكاناتهم، تآكلت قدراتهم بسرعة ولم يمد في عمرهم إلا الانقسمات الداخلية والتنافس بين الأمراء في مصر، وقد وجد بعضهم في أشور حليفا ضد البعض الآخر!! وقد حاول من استقل بمصر، وكان مواليا لأشور الدفاع عنها ضد القوة الصاعدة الجديدة قوة البابليين، ولكن دون جدوى.

ومن قبل الانهيار المفاجئ والسريع للأشوريين كانت مصر قد استقلت وحاولت استعادة مكانتها، رأى ملوك مصر بدهائهم أنه من الأفضل تناسي ما فعلته أشور والتحالف معها ضد قوة البابليين الصاعدة، والعهد القديم يقدم بعض تفاصيل الصراع الذي ترتب على ذلك.

*****

Shoshenq I was the son of Nimlot A and Tentsepeh A. His paternal grandparents were the Chief of the MA Shoshenk (A) and his wife Mehytenweskhet A. Prior to his reign, Shoshenq I had been the Commander-in-Chief of the Egyptian Army, and chief advisor to his predecessor Psusennes II, as well as the father-in-law of Psusennes' daughter Maatkare. He also held his father's title of Great Chief of the Ma or Meshwesh, which is an Egyptian word for Ancient Libyans. His ancestors had settled in Egypt during the late New Kingdom, probably at Herakleopolis Magna though Manetho claims Shoshenq himself came from Bubastis, a claim for which no supporting physical evidence has yet been discovered. Significantly, his uncle Osorkon the Elder had already served on the throne for at least six years in the preceding 21st Dynasty; hence, Shoshenq I's rise to power was not wholly unexpected. As king, Shoshenq chose his eldest son, Osorkon I, as his successor and consolidated his authority over Egypt through marriage alliances and appointments. He assigned his second son, Iuput A, the prominent position of High Priest of Amun at Thebes as well as the title of Governor of Upper Egypt and Commander of the Army to consolidate his authority over the Thebaid. Finally, Shoshenq I designated his third son, Nimlot B, as the "Leader of the Army" at Herakleopolis in Middle Egypt.

*****

لم يكن شيشنق قائدا لجيش أجنبي أتى من بعيد واحتل مصر ونهبها مثل آسَرْحَدُّونُ الأشوري أو قمبيز الفارسي أو سليم السفاح العثماني مثلا، وإنما كان مصريا، بل قائدا عاما للجيش المصري وكبير المستشارين للملك السابق بسوسنس الثاني، كان أسلافه الذين أتوا من إحدى واحات مصر قد استقروا بوادي النيل منذ زمن بعيد، وقد انتقلت إليه السلطة بحجم كونه الوريث الشرعي للملك بعد أن تزوج ابنته، وكل ما يتعلق بأسرته ومسيرته هو شأن داخلي مصري، لا يجوز لمجموعة عرقية أن تتطفل عليه.

*****

حدثت حملة شيشنق سنة 923 (في تقديرنا) أي بعد وفاة سليمان بحوالي خمس سنين، أخذ شيشنق في حملته كل كنوز المعبد ومقر الملك بما في ذلك الأدرع الذهبية التي صُنعت لسليمان.

لم تتعرض الحملة لأية مقاومة، تم الاستيلاء على كل الحصون ودخول أورشليم سلميا، كان رحبعام خائفا بشدة، كان لحملة شيشنق أغراض عديدة، ربما كان أهمها استعادة كنوز مصر التي أخذها الإسرائيليون معهم، فلا شك أن المصريين كانوا يتداولون فيما بينهم قصة نهب بني إسرائيل لكنوز الرعامسة، هذا فضلا عن أن شيشنق كان يريد استرداد الأموال والكنوز والهدايا التي كان يدفعها هو وأسلافه لسليمان.

وبالطبع كان شيشنق يسعى إلى تأمين حدود مصر الشمالية الشرقية التي كان يأتي الخطر منها التزاما بالسياسة المصرية الدائمة والثابتة، وهو أصلا كان قد ساهم في إحداث الانشقاق في فلسطين بتشجيعه لتطلعات يربعام (من سبط أفرايم) وطمعه في السلطة، فالحملة كانت تهدف إلى كبح جماح رحبعام الذي كان يتربص الدوائر بالمملكة الشمالية ويتمنى أن يضمها إلى مملكته الصغيرة.

والحملة كانت استعراضية أساسا، فلم يكن القضاء على مملكة يهودا يستلزم حملة بالضخامة التي أوردها العهد القديم: 60 ألف فارس و1200 عربة قتال بالإضافة إلى المشاة والرماة بالطبع، وهذه الأرقام تبدو حقيقية مقارنة بحملة المليون التي زعم اليهود أنهم تصدوا لها أيام الملك آسا! ورغم أن الحملة كانت استعراضية إلا أنها ألحقت دمارا شديدا ببعض المدن أثبتته البحوث الأثرية، ربما كان ذلك لإرهاب المدن الأخرى، ولابد أن يكون شيشنق قد أفرد لحملته على أورشليم نقشا خاصا.

*****

عندما هجم شيشنق على أورشليم بعد أن توفي سليمان عليه السلام اكتسح كل ما كان في طريقه ثم أخذ خزائن المعبد وخزائن بيت الملك واكتفى بذلك، لم يدمر أورشليم، ولم يغير نظامها السياسي، وكان لابد من وجود سبب منطقي دفعه للمبادرة بفعل ذلك.

بالطبع كان السبب الأول علمه بالثراء الهائل لمملكة سليمان، وكان هو نفسه يعطي هدايا كثيرة له خوفا من بطشه وتسلطه على قوى الطبيعة، وكان السبب الثاني سعيه لتأمين حدود مصر الشمالية الشرقية والتي كان الخطر يأتيها منها دائما، وقد أبقى على مملكتي إسرائيل ليكونا حاجزا بينه وبين الأخطار التي كانت تأتي دائما من آسيا.

جاء في الإصحاح الثاني عشر من أخبار الأيام الثاني:

5فَجَاءَ شَمْعِيَا النَّبِيُّ إِلَى رَحُبْعَامَ وَرُؤَسَاءِ يَهُوذَا الَّذِينَ اجْتَمَعُوا فِي أُورُشَلِيمَ مِنْ وَجْهِ شِيشَقَ، وَقَالَ لَهُمْ: «هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: أَنْتُمْ تَرَكْتُمُونِي وَأَنَا أَيْضًا تَرَكْتُكُمْ لِيَدِ شِيشَقَ». 6فَتَذَلَّلَ رُؤَسَاءُ إِسْرَائِيلَ وَالْمَلِكُ وَقَالُوا: «بَارٌّ هُوَ الرَّبُّ». 7فَلَمَّا رَأَى الرَّبُّ أَنَّهُمْ تَذَلَّلُوا، كَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى شَمْعِيَا قَائِلاً: «قَدْ تَذَلَّلُوا فَلاَ أُهْلِكُهُمْ بَلْ أُعْطِيهِمْ قَلِيلاً مِنَ النَّجَاةِ، وَلاَ يَنْصَبُّ غَضَبِي عَلَى أُورُشَلِيمَ بِيَدِ شِيشَقَ، 8لكِنَّهُمْ يَكُونُونَ لَهُ عَبِيدًا وَيَعْلَمُونَ خِدْمَتِي وَخِدْمَةَ مَمَالِكِ الأَرَاضِي». 9فَصَعِدَ شِيشَقُ مَلِكُ مِصْرَ عَلَى أُورُشَلِيمَ وَأَخَذَ خَزَائِنَ بَيْتِ الرَّبِّ وَخَزَائِنَ بَيْتِ الْمَلِكِ، أَخَذَ الْجَمِيعَ، وَأَخَذَ أَتْرَاسَ الذَّهَبِ الَّتِي عَمِلَهَا سُلَيْمَانُ. 10فَعَمِلَ الْمَلِكُ رَحُبْعَامُ عِوَضًا عَنْهَا أَتْرَاسَ نُحَاسٍ وَسَلَّمَهَا إِلَى أَيْدِي رُؤَسَاءِ السُّعَاةِ الْحَافِظِينَ بَابَ بَيْتِ الْمَلِكِ. 11وَكَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَلِكُ بَيْتَ الرَّبِّ يَأْتِي السُّعَاةُ وَيَحْمِلُونَهَا، ثُمَّ يُرْجِعُونَهَا إِلَى غُرْفَةِ السُّعَاةِ. 12وَلَمَّا تَذَلَّلَ ارْتَدَّ عَنْهُ غَضَبُ الرَّبِّ فَلَمْ يُهْلِكْهُ تَمَامًا. وَكَذلِكَ كَانَ فِي يَهُوذَا أُمُورٌ حَسَنَةٌ.

والعهد القديم يرجع سبب كل ما يحيق ببني إسرائيل من كوارث في هذه الدنيا إلى معاصيهم، والحديث هو دائما عن عقوبات دنيوية، فلم يرد أي ذكر عن عذاب الآخرة حتى هذه اللحظة من تاريخ إسرائيل، وهذا ما حيَّر علماء الأديان.

والحق هو أن العهد القديم كان يعامل إسرائيل ككيان إنساني واحد، والكيان الإنساني لابد من تصفية حساباته والبتّ في أمره في هذه الحياة الدنيا، ويتحمل فيه الخلف أخطاء السلف، ذلك لإيمانهم بهم واعتبارهم أنفسهم امتدادا طبيعيا لهم، وهذا القانون (السنة الكونية) سارٍ على كل الكيانات الإنسانية الكبرى.

*****

يثير الأمازيغ لغطا شديدا ولغوا أجوف فيما يتعلق بمسألة شيشنق، وها هي خلاصة القول في هذه المسألة:

1. مصر وطن، وليست قبيلة، وليست سلالة عرقية، وقد سكنتها من قديم الأزل سلالات عديدة، وأتت إليها تباعا سلالات عديدة، واندمجت وأسست حضارة فريدة خاصة بوادي النيل.

2. هذا الشعب المندمج كان يتعرض لغارات من القبائل الأقل حضارة التي تسكن الواحات المتاخمة لوادي النيل أو الآتية من الجنوب، حدثت معارك كثيرة على مدى التاريخ إلى أن اندمجت هذه القبائل في النسيج المصري.

3. السلالة الأكثر عددا في مصر هي E1b1b1 والتي تفرع منها سلالات عديدة، منها من هاجر إلى آسيا ثم هاجر بعضه إلى جنوب أوروبا من بعد، ومنها بصفة الخاصة السلالة E1b1b1b، هذه السلالة بقي جزء منها في مصر وهاجر جزء آخر في اتجاه الغرب، وهي تشكل النسبة الأكبر في دول المغرب الكبير.

4. الجزء الذي بقي في مصر تمصَّر واندمج في الحياة المصرية، ولا علاقة له بمن هاجر شرقا أو غربا، فالعبرة أساسا في تشكيل الهوية بالوطن.

5. الشخصية الحقيقية لأي كيان إنساني تتشكل في البلد الذي نشأ فيه واكتسب هويته منه، هذه الهوية تتضمن الدين والمنظومة المعنوية والثقافة والتاريخ والحضارة والتقاليد.

6. وصول أحد ممن استوطن آباؤهم أو استوطنوا هم مصر إلى أي منصب فيها هو شأن مصري خاص، لا علاقة للآخرين به.

7. لا يجوز لكيانات حديث النشأة أن تحاول السطو على شيء من تاريخ البلدان العريقة.

8. لا يجوز لأحد تبني أساطير وأكاذيب تتضمن مساسًا لا مبرر له بتاريخ دولة أخرى.

9. شيشنق مواطن مصري أتى جده الخامس من واحة جنوب غرب مصر، وعاش في أهناسيا أحد المدن المصرية، وهو تولى عرش مصر بالأساليب القانونية المتبعة، فموضوعه هو شأن مصري خالص، وهو بذلك يختلف تماما عن الفرس مثلا الذي أتوا بجيش من مئات الألوف واحتلوا مصر بالفعل، وأنهوا عصر الأسرات المصرية الطويل.

10. لا علاقة لشيشنق بأي كيان خارج حدود مصر الغربية، وهو لم يغادر أرض مصر إلا ليغزو أرض كنعان ومملكتي العبرانيين.

11. إذا جاز لأحد أن يزعم أن شيشنق كان تابعا لهم بدعوى أن له نفس الأصل العرقي فيحق لمصر أن تزعم أن الكثير من حكام شمال أفريقيا وجنوب وغرب أوروبا مصريون، فهم ينتمون إلى سلالات أتت أصلا من مصر، ويمكن بالطبع تعميم هذا الأمر على أوسع نطاق ممكن، فيمكن مثلا لمصر أن تزعم أن نابليون وهتلر وأينشتين والأخوان رايت .... الخ مصريون أيضا بحكم أنهم من السلالة E1b1b، بل يمكن لبلدان القرن الأفريقي أن تزعم ذلك.

*******

عدد المنشورات الفرعية : 63