شهود على عصر (قصص وحوارات)

حوار حول الجماعة الإخوانية الإجرامية

الجدول

حوار حول الجماعة الإخوانية الإجرامية

قال محسن:

إن من أكبر الكوارث التي ضربت مصر وقوضت نهضتها ومحاولتها للتقدم في القرن العشرين ظهور حركات (الإسلام) السياسي والتي انبثقت كلها من حركة الإخوان (المسلمين)، أو بالأحرى المجرمين، وكل هذه الحركات تعتقد أن كل مشاكل الكون يمكن حلها باستيلائهم هم على السلطة، ومشكلة كل من انتمى إلى هذه الحركات هي أنه يعتقد أنه من شعب الله المختار وأن من حقه أن يحكم على الآخرين وأن يقرر لهم مصيرهم وأن ينفذ فيهم الحكم دون أن يثبت للناس أنه تلقى تفويضًا من الله تعالى بذلك ودون أن يقوم هو نفسه بتقويم نفسه!

قال رياض:

هكذا؟! إنكم بلا شك لا تستطيعون إنكار الدور الهائل الذي قامت به الجماعة لنصرة الإسلام في مصر، الجماعة هي التي أضاءت منار الإسلام والناس نيام، إنه لولا الجماعة لكانت مصر الآن دولة علمانية كوزموبوليتانية خالصة.

صاح فيه محسن:

أي دور هائل تتحدث عنه؟ إن من أكبر النكبات التي حاقت بالإسلام ظهور ما يسمى بتيار الإسلام السياسي والإخوان، إنه من بعد أن كانت الأمة تعاني من خليفة مجرم واحد أصبحت تعاني من جماعات متعددة من المجرمين.

ولقد تسببت تلك الغمة في إحداث عداء مستحكم ووقيعة وفتنة بين الإسلام وبين الدولة، وهم الآن يعملون على إحداث وقيعة بينه وبين الشعب والأمة، بل بينه وبين الفرد، ولذلك بدأ تفاقم ظاهرة الكفر والإلحاد.

إنه يجب على الناس أن يميزوا بين شيئين ليس بينهما أي علاقة شرعية؛ الإسلام الذي هو دين الحق من ناحية وكافة التيارات التي تسعى إلى الاستحواذ على السلطة باسمه من ناحية أخرى، إنه يجب على كل مسلم الآن أن يتوسل إلى الله تعالى أن يحمي دينه من شر المتكسبين به والساعين إلى الاستحواذ على السلطة باسمه.

قال رياض: أإلى هذه الدرجة تنكر فضل الإخوان؟

قال محسن: قل لي بصدق، ما هي الخدمات الحقيقية التي قدمتموها للإسلام بحيث لا يمكن لأحد أن ينازعكم فيها؟ هل كان من بينكم أحد المجددين مثلا؟ إن المجددين في أوائل القرن العشرين كانوا أقرب إلى أن يكونوا علمانيين، هل تسببتم في دخول الناس في دين الله أفواجا؟ ألم يتسبب مسلككم في ذلك العداء المهلك والمستحكم بين السلطة وبين الدين؟ ألم يعد الإسلام بسببكم كيانًا غير مرغوب فيه في كل بلد ظهرتم فيه؟ ألم يتسبب ذلك في انهيار منظومة القيم لدى الناس بحيث نشأ ذلك الجيل المذبذب الذي لا يعرف له مرجعية ولا مثلا أعلى؟

وبافتراض أنكم تمكنتم من الاستيلاء على السلطة بأسلوبكم البراجماتي الذي لا يتسق مع الدين أصلا، فهل تتوقع أن تكونوا متسقين مع مبادئكم؟

قال رياض: ولم لا؟ وأعرض عن كل ما ذكره أمجد.

قال أمجد: إنكم أصلا لا تملكون صيغة دينية صالحة لصناعة التقدم، وأنتم في كل الأحوال ستدخلون بالأمة في مجال التجربة والخطأ مثلما فعل عدوكم اللدود جمال عبد الناصر من قبل.

وأنتم واقعون في تناقض هائل لا سبيل إلى التغلب عليه، فدينكم السني قائم على الطاعة المطلقة للقائمين على الأمر المتغلبين الذين لا يظهرون كفرًا بواحا، بينما تعادونهم أنتم لمجرد أنهم لا ينتمون إليكم، ألم تقتلوا الرئيس (المؤمن) رغم أنه لم يظهر كفرًا بواحا، بل ملأها (وهابية) كما ملأها عبد الناصر (اشتراكية)؟

قال رياض: ألم يعقد صلحًا منفردًا مع اليهود؟

قال محسن: أما أنتم فتقبعون تحت نعال أكبر أنصار اليهود! وليس هذا دفاعًا عن سادات كامب ديڤيد، ومع ذلك فطبقًا لمذهبكم السني الذي تعلنون تمسككم به ليس ما فعله مبررًا شرعيا يوجب قتله.

قال سمير: وكيف تمنّ علينا بأنكم أنقذتم مصر من التحول إلى دولة علمانية كوزموبوليتانية خالصة، إنكم بذلك قد كنتم شركاء لعبد الناصر في تحويلها إلى دولة همجية خالصة، وكان ذلك مما مهدّ الطريق ليسيطر عليها الوهابية بثمنٍ بخس، بل إن سيطرتهم الآن تستمرّ بأموال ضحاياهم.

قال رياض: هل كنت تريد أن يظل هؤلاء الأجانب واليهود في مصر؟!

قال سمير: اليهود المصريون جزء قديم من الشعب المصري، ولم يكن من حقّ أحد إخراجهم من ديارهم، وهذا الإخراج كان أصلًا أمنية صهيونية.

أما من تسميهم بالأجانب فقد كانوا مصريين أيضًا، وقد ساهمت الطائفتان بقوة في نشر الحضارة والتمدين في مصر، وفي صناعة قوتها الناعمة التي ما زالت إلى الآن تستثمرها وتنتفع بعائدها مثلما تنتفع بآثار المصريين القدماء والطولونيين والفاطميين والمماليك.

قال رياض: وكيف تتهمنا بأننا ساهمنا في تحويل مصر إلى دولة همجية خالصة؟

قال سمير: بكل اختصار، كان الناس ينظرون إلى المستقبل، ويريدون اللحاق بالعالم المتحضر فأوهمتموهم بأن عصور الجهل والتخلف والظلم والطغيان هي الفردوس المفقود، السقوط في الهاوية أسهل بكثير من محاولة الصعود والرقي، ما أسهل أن تقنع المتخلف بأن تخلفه ليس سبة، وإنما شرف وموضع فخر!

قال رياض: وبنفس المنطق، فأنتم بالعلمانية جعلتم من الانحلال الخلقي تحضرا وتمدينا! وتريدون العودة بالناس إلى العصر الحيواني.

قال سمير: يا للمهزلة! هل هذا هو مبلغ علمك عن العلمانية؟ العلمانية لا تفرض على أحد نمطًا خلقيا معينا ولا دينًا معينا ولا مذهبا معينا، ما تريدون أنتم إعادة الناس إليه قد كان موجودًا بالفعل في العصور المظلمة، أما العلمانية فهي آخر مراحل التطور البشري، وهي السائدة الآن في دوله المتقدمة.

قال سمير: إن مشكلة كل جماعة من جماعات (الإسلام) السياسي أنها تعتبر نفسها الشعب المختار، وأنها مقياس تقييم الأشياء، فمن كان مواليًا لهم فهو في الجنة ولو كان سفاحًا فاسقًا شقيا، ومن ليس معهم فهو في النار ولو كان صالحًا ورعًا تقيا، وبعضهم يتمادى فيقوم بتكفير من ليس معهم، وهذا يعني أنهم يعتبرون للولاء لهم وموالاتهم السيادة والتقدم على كل أوامر الدين وعناصره الأخرى، ومنها أركان الإيمان، وهذا لونٌ من الكفر.

والمشكلة أن بعض هذه الجماعات قد يتبع ذلك بتكفير من ليس معهم تكفيرا يستبيحون به دمه وماله وعرضه.

وبالإضافة إلى ذلك فهم لا يتورعون عن اتباع وسائل وأساليب مكياڤيللية لتحقيق مقاصدهم، فهم يتصرفون وكأنه ليس عليهم في المسلمين الآخرين سبيل، وهذا لا يتسق مع أي قيم دينية.

فهؤلاء الضالون يعطون لأنفسهم سلطات إلهية، كما يعطون لها سلطة إصدار أحكام دينية على الناس وتنفيذها.

قال رياض: ليس الأمر كما ظننتم!

قال محسن: قل لنا بصراحة، هل أنت حقًّا تؤمن بأي شعار من شعاراتكم التي تخدعون بها المغفلين؟ وهل يمكن أن يكون لها أي معنى حقيقي؟

لماذا ترفعون الشعارات الموهمة المشكلة؟ إن شعار (الإسلام هو الحل) هو أشد ضلالا وأسوأ عاقبة من شعار (الديمقراطية هي الحل) مثلا، فمعتنق الديمقراطية لن يكون أبدًا وحشًا مجرمًا مفسدًا في الأرض مثلما هو حال من يعتنق الإجرام الحركي كعقيدة! كما أن أكثر المسلمين –كما تعلم أنت جيدا- لا يعرفون شيئا يعتد به عن دينهم، وهم لا يتعصبون له إلا كتراث للآباء والأجداد، ولو حاولوا العودة إلى ما يتصورون أنه الإسلام لما عادوا إلا إلى مذاهبهم الضارة المفلسة المختزلة التي مزقتهم وخربت بلادهم وأعادتهم إلي ما قبل العصور الحجرية من قبل أن يأتي الاستعمار الأوروبي، وانظر إلى الصومال وإلى أفغانستان الطالبان، وانظر إلى ما حدث للدويلات الإسلامية من قبل عندما غزاها الغرب وفعل بها الأفاعيل.

وماذا تقصدون بالتحديد بشعار الإسلام هو الحل، هل تقصدون إنه يوجد مثلا لمشكلة التعليم حل يهودي ويوجد حل علماني ويوجد حل إسلامي فما علينا إلا أن نأخذ بالحل الإسلامي ونطبقه فورًا فيتم حل مشكلة التعليم لتوها؟

قال رياض: أتسخر؟ إن المقصود أننا سنطبق أحكام الإسلام على قطاع التعليم بما ذلك اختيار المناهج وإعداد المدرسين وتقويم الطلبة.

قال محسن: هل المطلوب هو تطبيق أحكام الإسلام الذي هو مذهبكم الخاصّ أم حل مشكلة التعليم؟ وإذا كان يوجد حل ياباني أو صيني مثلا لمشكلة التعليم، فلماذا لا نأخذ به، أم أنك تعتقد بالضرورة أن تطبيق أحكام الإسلام كما ترونه أنتم سيؤدي بالضرورة إلى حل مشكلة التعليم؟

قال رياض: إنه بتطبيق أحكام الإسلام ستنصلح فعلاً أحوال التعليم، ولا يوجد في أحكام الإسلام ما يمنع من أن ننتفع بأية تجربة أخرى لإصلاح التعليم، ألا تعلم أن التعليم الإسلامي كان سابقًا على التعليم الغربي وأنهم أخذوا الكثير من نظمنا التعليمية؟ إن مشكلة التعليم عندنا إنما ترجع إلى ازدواجيته بعد انهيار الخلافة.

قال محسن: أنتم تقولون دائمًا إن المشاكل كلها قد حدثت بعد انهيار الخلافة المسماة بالإسلامية، وتقصدون بذلك انتهاء الخلافة العثمانية سنة 1924، فهل كان التعليم قبل هذا التاريخ متقدما ثم انهار فجأة بمجرد انهيار الخلافة؟ لماذا تحققت النهضة العلمية والصناعية في الغرب إذًا في زمن وجيز ولم تتحقق في عالم الخلافة الذي استمر حوالي ثلاثة عشر قرنا؟ إنه في الفترة التي كانت أوروبا فيها تحقق نهضتها الكبرى كان الشرق الأوسط الذي كان أغنى بقاع الأرض ومهد الحضرة يهوي إلى الدرك الأسفل من التخلف والانحطاط حتى في علوم الدين واللغة، فأين كان التعليم المتقدم؟

خذ عندك هذا المثال: إن البلهارسيا كانت تشكل مرضا متوطنا في مصر، ولقد كبَّد هذا المرض مصر -على مدى التاريخ- خسائر فادحة في شبابها وقوتها العاملة الفتية، ولقد حُكمت مصر طوال ثلاثة عشر قرنا بنظم محسوبة على الإسلام، فما هو الحل الإسلامي الذي قدمته تلك النظم لهذا المرض؟ إن الذي اتبع الطريقة الإسلامية الحقيقية هو العالم الأوروبي تيودور بلهارس، فهو الذي درس الموضوع دراسة علمية حقيقية وعرَّض نفسه لمخاطر جمة وبذل من وقته وجهده الكثير حتى اكتشف أصل الداء سنة 1851، ولو اتبع المسلمون دين الحق لظهر من بينهم من هو خير من بلهارس وغيره، وقبل أن يظهر بلهارس بكثير، قل لي بصراحة! هل كان يمكن في ظل السيطرة المطلقة لنظم الدين الأعرابي الأموي أن يظهر من هو مثل بلهارس؟

إن الحل الإسلامي الحقيقي لأية مشكلة هو الحل العقلاني العلمي الذي يمكن أن يقدمه من تشبعوا بالروح العلمية والمنهج العلمي وكانوا على خلق رفيع وليس من يتجر بالشعار الديني، ومن المعلوم أن شر الناس هم المتكسبون بدينهم، ومن المعلوم أن الإسلام يندد أشد التنديد بالجهلة ومن يرفضون استعمال عقولهم، إن الحل الإسلامي هو الحل العلمي المتسق مع منظومات القيم والسنن والمقاصد الإسلامية المستخلصة وفق أسس دقيقة وعلمية من القرءان الكريم.

واعلم أنه كان لزاما على المسلمين أن يستخلصوا المنهج العلمي من القرءان وأن يتبعوه، هذا المنهج هو أساس البحث العلمي الحديث وهو الذي يلزمهم بالسير في الأرض للنظر والبحث وتجميع المعلومات والبيانات، وهو يحثهم على استعمال ملكاتهم إلى المدى الأقصى للنظر في كل شيء وقضى على الوسائل الخرافية التي كانت متبعة من قبل وهو الذي ألزم الناس بالحقانية والموضوعية ونهاهم عن الأخذ بالأمور غير الموضوعية مثل الظنون والأوهام واتباع الآباء.

أما فيما يتعلق بحل المشاكل الطارئة أو المستحدثة فإنه يمكن أن تتعدد آراء أولي الأمر، وهم المؤهلون وفقا لمقتضيات الإسلام ومقتضيات العصر والمصر للبتّ في الأمر، ويجب عليهم إعمال الشورى والعمل وفق دين الحق المستخلص من القرءان واتباع المناهج العلمية السليمة، وكلها مناهج موضوعية متسقة مع هذا الدين ولا دخل فيها للأهواء المذهبية أو الطائفية.

واعلم أن الله تعالى يسيِّر كل شيء ويدبِّر الأمر ويفصل الآيات وفق قوانينه وسننه، وهو ليس بملزم بمساعدة من يرفع شعارا دينيا، بل ربما كان هذا أدعى إلى شدة مساءلته وإيقاع العقاب اللازم به، ذلك لأن أكثر أمور الدنيا هي أمور اجتهادية، وكل مدعٍ ممتحن ومبتلى، ولا يستطيع إنسان أن يجزم بأن ما يقدمه من حل لمشكلة دنيوية هو الحل المرتضى عند الله تعالى.

وعلى سبيل المثال يتبنى الكثيرون أسس وحلول النظام الرأسمالي للأمور والمشاكل الاقتصادية ظنا أنها تتفق مع الإسلام وهذا خطأ جسيم، وهم يرفضون الاشتراكية ظنا بأنها تتعارض مع الإسلام تعارضا مطلقا مع أنها تتفق معه في كثير من الأمور.

ولو قرأت التاريخ لعرفت حقيقة الخلافة ولعرفت مدى جنايتها على الإسلام والمسلمين، وأنتم بشعاراتكم التي تثير وتهيج العامة ترسخون ما تسببت فيه الخلافة.

قال سمير: دعك من شعاراتهم، فهي عبارات جوفاء يخادعون بها الناس، ولكن انظر إلى أصولهم التي قررها إمامهم، هل هي صحيحة؟ وهل هم حقًّا يلتزمون بها؟

قال رياض: اذكر لنا واحدًا منها.

قال سمير: من أصولكم، "ولا نكفر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض برأي أو بمعصية، إلا إن أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرءان، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر".

هذا بينما أنتم في الحقيقة تكفرون الحكام بحجة أنهم لا يحكمون بالشريعة، مع أنهم يقرون بالشهادتين، ولا يقرون بكلمة الكفر، ولا ينكرون معلوما من الدين بالضرورة، ولا يكذبون صريح القرءان، بل ويزايدون عليكم في إظهار التمسك بالدين وبناء ما لا حصر له وما لا حاجة إليه من المساجد، أليس كذلك؟ ومنكم من يتوسع ويعمم الحكم ليشمل كل من لم يكن مواليا لكم.

فأنتم بذلك تخالفون قواعد المذهب السني، دون إعلان ذلك، وهذا هو النفاق، والسلفية بإقرارهم بأنهم يقدسون المتسلط ولا يشرعنون أي خروج عليه أصدق مع أنفسهم منكم، وإن كانوا أشد شركا وضلالا وتخلفا.

أضاف سمير: وتقولون "نجتمع فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه"، فما معنى هذا؟ بداية لا يجوز الاتفاق على باطل، ولا عذر في الباطل، كيف يمكن أن تعذر السلفية المشبهة المجسمة في عقيدتهم؟ أم كيف يمكن أن تعذر من أحدثوا في الدين وقدسوا البشر ووثنوا السلف؟ إن هذه القاعدة لا تعني إلا أنكم لا تقيمون وزنًا لأمور الدين الكبرى، وإنما تريدون توسيع قاعدة مؤيديكم، أنتم تقولون باختصار أن الانتماء إليكم يجبّ كل شيء، حتى وإن كان من أصول الدين وأسسه.

وأنتم بالطبع لا تقصدون إلا أتباع المذاهب المحسوبة على الإسلام، ولكن ما الذي يمنع تعميم هذه القاعدة، لا يوجد في بنيتها ما يمنع ذلك!

قال خليل: ومن قال لك إننا نحن السلفية نقبل بهذه القاعدة على علاتها؟ هي لا تلزمنا بشيء.

قال أمجد: العبارة مشكلة، ولا يمكن أن تنطبق على كل عناصر الدين، وهي لا يمكن أن تصح إلا في إطار منظومة متكاملة، وأصولكم لا تمثل منظومة متسقة متكاملة، وإنما هي تعريف بكم، أو دستور لكم.

والحق أن منظومات دين الحقّ، وخاصة منظومة القيم الإسلامية تغني عنها، وهي التي يمكن أن تحقق التعايش السلمي البناء المثمر بين الناس كافة، ولكن ذلك لن يكون أبدًا على حساب العقائد الرئيسة، فلا عذر للنصارى في تثليثهم، ولا للسلفية في تشبيههم وتجسيمهم، ولكن يمكن التعايش السلمي مع الجميع بمقتضى دين الحقّ، وقد يمكن الأخذ بهذه القاعدة بين طوائف المسلمين كوسيلة براجماتية للتعايش السلمي، وليس كأصل شرعي.

قال رياض: ولكنك تقول دائمًا إنه على رأس الأركان الملزمة لجماعة المسلمين وحدة الدين ووحدة الأمة، أليست هذه القاعدة من لوازم ذلك؟ أو على الأقل خطوة في سبيل ذلك؟

قال أمجد: لا يجوز تضييع أو تجاهل الحقائق في سبيل الأوهام، الناس سيظلون مختلفين، فهل يجوز لتوحيدهم القول مثلا: بما أن "الاختلافات في الإيمانيات هي السبب، إذًا فيجب توحيد كل الأمور العقائدية"، إن أجهل الناس بهذه الإيمانيات سيرفضون هذه القاعدة خضوعًا لأقوال مشايخه، لذلك سيرفض الانضمام إليكم السلفية والشيعة مثلا، هذا فضلًا عن كل الداعين إلى الإصلاح، ومن يتبعونهم.

وكما قلت لك: قد يمكن الأخذ بهذه القاعدة بين طوائف المسلمين كوسيلة براجماتية للتعايش السلمي، وليس كأصل شرعي، والدليل أنه يمكن تعميمها، فأنت يمكنك التعايش مع صديقك السلفي أو اليهودي أو الملحد طبقًا لهذه القاعدة.

قال سمير: ومن أصولكم: "الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء".

ما هذا؟ هل يمكن أن يكون هذا تعريفًا علميا حقيقيا للإسلام؟ أم إنه مجرد حشد من الكلام الخطابي؟ كيف يكون الإسلام دولة ووطن أو حكومة وأمة ومادة وثروة، هذا خلف!

قال محسن: هذا الكلام لا يستحق تفنيدًا أصلا، إنك وضعت كل ما تهواه في التعريف دون الاستناد إلى مصادر الإسلام نفسه.

قال أمجد: الإسلام هو دين، بل هو الدين، بكل ما يعنيه ذلك من معنى، وهو يتضمن أمورا وأوامر ملزمة لكل كيان إنساني يؤمن به ويريد أن يعمل به، ومن الكيانات الإنسانية: الفرد، الأسرة، الأمة، كل ما استجد من كيانات مثل المؤسسات التعليمية، مراكز العلاج والرعاية الصحية، الوزارات، الأندية الرياضية، ... الخ، هناك منظومات من الأوامر الدينية ملزمة للفرد والأسرة والأمة، ويمكن استخلاص أوامر خاصة بكل ما يستجد من كيانات.

ومن الخطأ والتهريج بالطبع القول بأنه دولة أو حكومة أو وطن، أما قولكم هذا، أو أصلكم هذا، فهو عقيدة مختلقة، وأنتم تطالبون الناس بالإيمان بها، وهذا ليس لكم أصلا!

قال توفيق: هل من توضيح للجزء الثاني؟

قال أمجد: المسلم يقول "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، ويكررها بلسانه بحضور قلب لترسخ في قلبه حتى يُبرمج عليها، واليهودي يقول: "الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ" لذلك أيضًا، وأنتم تريدون من المسلم أن يؤمن بأن الإسلام دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهذا يعني أن يبرمج المسلم على هذا القول كما يبرمج على كلمة التوحيد! وليس من حقّ أحد أن يلزم الناس بعقيدة لم ترد صراحة في القرءان الكريم، وقد رأيتم الآثار الكارثية لهذه العقيدة، ولن يبرئ ساحتكم أن تقولوا إن نواياكم كانت حسنة! المحسوب على الإسلام الذي يربونه على الإيمان بأن "الإسلام حكومة ودولة" سيكون إرهابيا تكفيريًّا خطِرًا بالضرورة.

قال سمير: وتقولون "والقرءان الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعرف أحكام الإسلام، ويفهم القرءان طبقا لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف، ويرجع في فهم السنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات".

ما هذا التناقض والتحكم؟ ما هي هذه (السنة المطهرة)؟ وهل توجد سنة غير مطهرة مثلا؟ أنتم هنا بالطبع تستبطنون التسليم بتعريف أحد المذاهب للسنة، وتعلنون الإيمان بأصلين من أصوله، فماذا عن أصوله الأخرى مثل الإجماع والقياس وسدّ الذرائع .... الخ؟ إذا كنتم لا تأخذون بها كان يجب النصّ على ذلك، وأنتم بذلك ملزمون بإعادة صياغة (الدين) لاستبعاد كل عناصره المستندة إلى هذه الأصول، وبالطبع لم ولن تفعلوا، فشغلكم الشاغل الحقيقي هو السلطة والاستحواذ على السلطة، ومن المريب أن تتحدثوا عن الكشف مثلا لتنفوا أن يكون من مصادر التشريع، وتتجنبوا الحديث عما قال جلّ أهل السنة أنه من مصادر التشريع.

وقولكم "ويرجع في فهم السنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات" يتضمن الزعم بأن السنة هي ما تسمونه بالحديث، أما ما تسمونه بـ(رجال الحديث الثقات) فهم ليسوا حججًا في الدين، وإنما في صحة السند طبقًا لمذهبهم، فقط لا غير، والتاريخ يثبت أنهم أجهل الناس بالدين وبالسنة الحقيقية، وقد صححوا كوارث وتلموديات ونصرانيات وتخاريف وأقوال مغرضة دستها الفرق المختلفة في الدين.

قال سمير: وتقولون "ورأي الإمام ونائبه فيما لا نص فيه، وفيما يحتمل وجوها عدة وفي المصالح المرسلة معمول به ما لم يصطدم بقاعدة شرعية، وقد يتغير بحسب الظروف والعرف والعادات"، وهذا القول يرجع إلى تسليمكم بأن الدين ناقص مثلما هي عقيدة أهل السنة الذين اتخذوا القرءان مهجورا، وأخذوا دينهم من مرويات (رجال الحديث الثقات)، أنتم لا تعلمون أن العمل الصالح ركن من أركان الدين الكبرى والمفتوحة.

قال محسن: وما هو (الإمام ونائبه) بالضبط؟ وهل يمكن أن يصطدم رأي إمام حقيقي بقاعدة شرعية، والقرءان إنما ألزم الناس بطاعة أولي الأمر منهم، وألزم أولي الأمر أن يكون الأمر شورى بينهم، ولكنكم تجاهلتم كل ذلك!

وتقولون: "والأصل في العبادات التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وفي العاديات الالتفات إلى الأسرار والحكم والمقاصد"، ما معنى هذا؟ هل يمكنك أن تحول هذا اللغو إلى كلام مفهوم، وأن تضرب لنا الأمثلة؟

التزم رياض بالصمت!

قال أمجد: كل عمل من أعمال القلوب أو من أعمال الجوارح يمكن أن يكون عبادة لله إذا صدقت نية المسلم، وما من عمل إلا وثمة حكمة أو مقصد منه، قد يكون منصوصًا عليه، وقد يمكن استخلاصه أو استنباطه.

قال سمير: وتقولون "وكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم، وكل ما جاء عن السلف رضوان الله عليهم موافقا للكتاب والسنة قبلناه، وإلا فكتاب الله وسنة رسوله أولى بالاتباع، ولكنا لا نعرض للأشخاص ـ فيما اختلف فيه ـ بطعن أو تجريح، ونكلهم إلى نياتهم وقد أفضوا إلى ما قدموا".

قال محسن: هذا كلام حماسي خطابي توهمون به الناس وأنفسكم أنكم تتبعون الرسول، وأنتم تدسون هاهنا فهمكم الخاص للعصمة، دون تقديم تعريف مبرهن عليه! وأنتم تعلمون أنه ليس لديكم شيء من كلام الرسول الحقيقي، وإنما لديكم مرويات ظنية، أنتم لستم على بينة منها، وترجعون دائمًا بشأنها إلى أربابكم من (رجال الحديث الثقات)!

كل هذا وسنتكم المزعومة تزعم بدورها أنه كان لكلام عمر بن الخطاب كلما تكلم التقدم والعلوّ على كلام المعصوم!! فهل رأيتم مصدرا يقوض نفسه بنفسه؟

وقولكم "وكل ما جاء عن السلف رضوان الله عليهم موافقا للكتاب والسنة قبلناه، وإلا فكتاب الله وسنة رسوله أولى بالاتباع، ولكنا لا نعرض للأشخاص ـ فيما اختلف فيه ـ بطعن أو تجريح، ونكلهم إلى نياتهم وقد أفضوا إلى ما قدموا" هو صحيح نظريًا مع رفض ما لديكم من مفهوم عن السنة.

قال أمجد: ولكن ما هو الميزان، ومن الذي سيكون لديه الحقّ في استعماله؟

قال رياض: ماذا تقصد؟

قال أمجد: لا يمكن أن يكون السلف الذين تترضون عنهم قد تعمدوا أن يخالفوا القرءان و(السنة) في أمور الدين، فهذا يخرجهم من الإسلام طبقًا لأصولكم، أليس كذلك؟ لابد أنه كان لديهم حجة ما، ولو من المرويات الظنية التي تسمونها بالسنة، فكلامكم متناقض، وفي كل الأحوال لابد من وجود موازين للحكم على أي قول تزعمون أنه ديني، هذه الموازين هي من لوازم منهج حقاني، وهذا يستلزم أيضًا وجود من يستطيعون استعمال هذه الموازين بالقسط، وبالتالي يتلاشى احتمال الخطأ، وذلك لسلامة المنهج وكماله وحقانيته، وليس بسبب أمرٍ ذاتي غير موضوعي.

قال سمير: أما قولكم "ولكل مسلم لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الفرعية أن يتبع إماما من أئمة الدين، ويحسن به مع هذا الاتباع أن يجتهد ما استطاع في تعرف أدلته، وأن يتقبل كل إرشاد مصحوب بالدليل متى صح عنده صلاح من أرشده وكفايته، وأن يستكمل نقصه العلمي إن كان من أهل العلم حتى يبلغ درجة النظر" فهو صحيح بصفة عامة إذا كنتم تقصدون بالأحكام الفرعية الأمور الثانوية، أما الاتباع الحقيقي فيجب أن يكون للأئمة الذين أثبتوا تفوقًا جوهريا حقيقيا واستخلصوا للناس علوم وأمور الدين الحقيقية.

وكذلك صحيح قولكم "والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببا للتفرق في الدين، ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء ولكل مجتهد أجره، ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة، من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب".

أما قولكم "وكل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه شرعا، ومن ذلك كثرة التفريعات للأحكام التي لم تقع، والخوض في معاني الآيات القرآنية الكريمة التي لم يصل إليها العلم بعد، والكلام في المفاضلة بين الأصحاب رضوان الله عليهم وما شجر بينهم من خلاف، ولكل منهم فضل صحبته وجزاء نيته وفي التأويل مندوحة"، فقد اختلط فيه الحابل بالنابل!!

فتحديد المسائل التي لا ينبني عليها عمل يستلزم الميزان، ويستلزم من يجيد استعمال الميزان، وكذلك معرفة الموازين الحقيقية للأمور، ولا يجوز منع الناس من تدبر آيات القرءان والنظر فيها، وخاصة تلك التي لم يصل إليها العلم، وإلا فكيف سيصل إليها العلم؟ وأنتم تدلسون على الناس باستعمال ألفاظ منفرة، مثل "الخوض".

أما كلامكم عمن تسمونه بالأصحاب فيتضمن التوثين الجبان الهلوع المعلوم، والهدف منه ليس إلا حماية كرامة المخطئين والمنافقين وأهل البغي وعبيد الدنيا من أهل القرن الأول، وهم الأرباب الحقيقيون لمذهبكم كما هو معلوم.

وتقولون: "ومعرفة الله تبارك وتعالى وتوحيده وتنزيهه أسمى عقائد الإسلام، وآيات الصفات وأحاديثها الصحيحة وما يليق بذلك من التشابه، نؤمن بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل، ولا نتعرض لما جاء فيها من خلاف بين العلماء، ويسعنا ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) (آل عمران:7)"

فهذا القول يبين حقيقة وزن الإيمانيات عندكم، فكلامكم يشير إلى أنها أمر ثانوي لا يجوز الانشغال به! وليس لكم أن تتحدثوا عمَّا وسع الرسول، أنتم ملزمون بالنظر في آيات القرءان والتفكر فيها وتدبرها، مع وجوب أن تعرفوا المعاني الحقيقية للمحكمات والمتشابهات.

أما قولكم "وكل بدعة في دين الله لا أصل لها ـ استحسنها الناس بأهوائهم سواء بالزيادة فيه أو بالنقص منه ـ ضلالة تجب محاربتها والقضاء عليها بأفضل الوسائل التي لا تؤدي إلى ما هو شر منها" فيا ليتكم تطبقونه على أنفسكم، فأنتم بجماعتكم ضلالة، فيجب عليكم أن تحاربوا أنفسكم وأن تقضوا عليها بأفضل الوسائل التي لا تؤدي إلى ما هو شر منها، ولكم في سيانيد البوتاسيوم مندوحة، وإلا فسم الفئران هو الأولى، ويسعكم في ذلك ما يجب أن يسع كل فرقة فرقت الدين واستباحت دماء المسلمين.

ذلك لأنكم منذ أن ظهرتم شققتم جماعة المسلمين، وتورطتم في التآمر عليهم، والتحالف مع أعدائهم ضدهم، وحرقتم واغتلتم ودمرتم وحكمتم بالكفر على بعضهم أو جلهم، واستبحتم بذلك دماءهم وأموالهم.

أما قولكم "والعرف الخاطئ لا يغير حقائق الألفاظ الشرعية، بل يجب التأكد من حدود المعاني المقصود بها، والوقوف عندها، كما يجب الاحتراز من الخداع اللفظي في كل نواحي الدنيا والدين، فالعبرة بالمسميات لا بالأسماء" فيحتاج إلى تفصيل.

فالأولى الأخذ بالمصطلحات القرءانية، فالألفاظ الشرعية أو بالأحرى الدينية هي المصطلحات القرءانية، والمصطلحات الدينية من أمور الدين الكبرى التي مصدرها الأوحد هو القرءان الكريم، فلا يجوز تحريف معنى أي مصطلح قرءاني، أو تحميله بما ليس منه، ولكن يمكن استحداث مصطلحات فنية لتسهيل التعامل مع الأمور، على أن تكون متسقة تمامًا مع العناصر القرءانية وأوزانها.

والإسلام يأخذ بالعرف الذي لا يتعارض مع أصلٍ من أصوله، أو قيمة من قيمه.

قال محسن: ولكن أليس من الأفضل أن ننظر إلى مسيرتهم الحقيقية بعيدًا عن هذه الأصول؟ إن أي مذهب يمكنه أن يضع لنفسه أفضل الأصول، ولكن العبرة إنما هي في أعمالهم الثابتة، لماذا يحظى الإخوان برضى الغرب بصفة عامة؟ لماذا يحاولون الاستحواذ على أكبر قدر من أموال البسطاء الساذجين والمتدينين المغفلين؟ لماذا تورطوا في قتل شخصيات عامة في مصر وغيرها، لماذا يتآمرون مع شياطين الغرب ضد بلادهم؟ هل الشيطان الغربي يؤيدهم ويساعدهم حتى يتمكنوا ويكونوا أقدر على التصدي له وإذلاله وقهره؟! لماذا لم نرَ فيهم أبرارا أو قديسين؟ ما هو الدين حقًّا عندهم؟

قال سمير: ليست المشكلة بالفعل في هذه الأصول فحسب، وإنما في تطرفهم في صياغة وفقه العلاقة بين السياسة وبين الدين، فقد انحازوا للسلطة والدولة على حساب جوهر الدين، حتى أصبح شغلهم الشاغل الاستيلاء على السلطة، ورغم أن الدين السني الذي من المفترض أنهم يتبعونه يجعل مسألة الإمامة من الفرعيات، فهم هاهنا يجعلون مسألة الإمامة من الأصول كالشيعة، وليس من الفروع، والمشكلة هي في عدم اتساقهم مع أنفسهم وعدم تحري الصدق مع الناس.

وحاصل كلامكم احتكار الدين لأنفسكم، وللمناصرين لكم، وأن المقصد من الدين أن تستولوا أنتم لأنفسكم على السلطة لتطبقوا الدين، ليس بمجرد هذا الاستيلاء، وإنما بعد التمكين، الذي لن يأتي أبدا.

قال رياض: أليس عمل تنظيم للدفاع عن الإسلام وإلزام الناس به هو تفعيل لركن الجهاد؟

قال أمجد: سبل التغيير المشروعة في المجتمع المسلم معلومة، وليس من بينها الخوض في دماء المسلمين أو ترويعهم، فكلها وسائل سلمية.

إنه لا يجوز لبعض الأفراد تشكيل تنظيم تآمري لزعزعة استقرار بلد يسوده السلام ولا يضطهد المسلمين مهما كانت طبيعة النظام المتسلط، فلا يجوز الخروج على القائمين على الأمر، ولا يجوز القياس على موقف الإمام الحسين، فلقد كان خروجه أمرا استثنائيا عبقريا بطوليا لإنقاذ الإسلام، فالإمام الحسين هو من العترة النبوية التي يجب اتباعها، ولولا هذا الخروج لتم للمأفون المجرم يزيد ومن تحلق حوله من شياطين الإنس والجن القضاء على الإسلام بعد أن استسلمت لهم الأمة استسلاما مهينا مشينا، لقد قضى بخروجه هذا على آمال الطليق معاوية في أن تحكم أسرته الأمة إلى يوم الدين.

ولكن لا يجوز جعل الخضوع المطلق للمتسلط الجائر الفاسق سارق الأموال وجالد الظهور عقيدة، إنه يجب دائمًا تذكر أن الإنسان غير مكلف إلا بما هو في وسعه وأن المتسلطين ليسوا إلا من الأعراض الخارجية لداء متمكن من جسد الأمة، فالخلاص من بعضها لن يؤدي إلى شفاء الجسد وربما أدى إلى تقوية المرض.

*******

1

1.png