top of page

كتب أ.د. حسني المتعافي

من كتابنا رقم 177، من أسرار وأنوار الأسماء الحسنى، 2021، (1)

والاسم "الْغَفُور الرَّحِيم" من منظومة أسماء الرحمة والهدي، ومن اختصاصات هذا الاسم ومجالاته ومقتضياته:

1. التشريعات المتعلقة بشؤون الأسرة، والتحليل والتحريم والعقوبات.

2. التشريعات الأخلاقية متعلقة بالعلاقة بين العبد وربه وبينه وبين الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ.

3. مراقبة الالتزام بالتشريعات السابق ذكرها.

4. مراقبة الالتزام بشعائر العبادات.

5. يتولى أمر المؤمنين والمهاجرين والمجاهدين في سبيل الله ويحميهم من التأثر بذنوبهم والذي تقتضيه السنن الأخرى بالنسبة لغيرهم.

6. يتولى أمر متَّبعي الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمتمسكين بسنته، ويعاملهم معاملة المحبوبين، ومن كان محبوباً لا يعذب بذنوبه.

7. يرفع درجات المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على من سواهم.

8. يتولى هذا الاسم شأن من ظلم نفسه ثم تاب.

******* 

وكما سبق بيانه فإن هذا الاسم من الأسماء التي تقتضي السنن الشرعية، وهو أيضا من الأسماء التي تراقب التزام العباد بالشرائع، ويلاحظ أن تلك الأسماء تتضمن سمات جمالية، كالعفو والمغفرة والرحمة والعلم والحلم والحكمة، ذلك لأن الهدف من التشريعات ليس التضييق على الناس وتعسير الحياة عليهم، فلقد جاء هذا الدين ليرفع عن الناس إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فبأسماء الغفـور الرحيـم والعليم الحليم والعفو الغفور والغفور الحليم والعليـم الحكيم يراقب الله ما في قلوب الناس من حيث مواقفهم تجاه ما شرعه لهم رغبة في إصلاحهم ورحمة بهم، والأسماء المذكورة تقتضي ستر الإساءة بل محوها ومحو آثارهـا.

وأمر التحريم هو تشريع يستند إلى سنن إلهية من مقتضيات الأسماء الحسنى ويترتب عليه سنن كونية؛ فهو من اختصاصات الإله الأقدس، وليس لأحد أن يحرِّم شيئا إلا إذا علم بالضرورة أن الله تعالى قد فوَّض إليه شيئا من ذلك الأمر، ولكن هذا الأمر قد ختم أصلا بالرسول الأعظم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، وفي التحريم كان الرسول مبيِّنا ومفصِّلا، فلقد كان يبيِّن لهم ما هو محرَّم في آيات كتاب الله بآيات أخرى من كتاب الله، وليس لأحد من بعده أن يحرِّم على الناس شيئا دون أن يقدم بين يدي ذلك البرهان المبين، وكل ما يمكنه فعله هو إثبات أن ما يحرمه هو من لوازم وتفاصيل ما هو محرَّم أصلا، فقد يستجد نوعٌ من المسكرات مثلا فيدخل تحت اسم الخمر، فيجب بيان أنه مُحرَّم، أما من يحرم برأيه أو بهواه فإنه يكون قد طغى وتجاوز حده واعتدى على اختصاصات ربه، ونصَّب من نفسه ربًّا للناس، ومنْ قبل بذلك يكون قد اتخذه ربا وأشرك بربه، قال تعالى:

{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21)} الشورى.

ولقد اعتبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أن اليهود والنصارى قد اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله لأنهم كانوا يحللون لهم ويحرمون.

أما تسمية بعض دارسي الآثار والتراث الديني بأهل الحل والعقد فهي خطيئة كبرى وإثم مبين، فلم يبق للمستنبطين إلا اكتشاف وبيان أن أمرا جزئيا مستجدا يندرج تحت أصل كلي أو اصطلاح ديني فيسري حكمه الشرعي عليه.

والرسول لم يكن يحرِّم شيئا من تلقاء ذاته، فهو لم يكن ليفعل ما انتقده وأخذه على الأحبار والرهبان، وهو الذي اعتبر سماح الناس لهم بذلك من عبادتهم وإعطائهم هذه السلطة عبادة لهم من دون الله تعالى، وذلك عندما بيَّن لعدي بن حاتم معنى الآية: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} التوبة31.

ويجب العلم بأن الأمر يُحرَّم أو يؤمر باجتنابه أو ينهى عنه لأنه يسبب بالأصالة ضررا بكيان من مكونات الإنسان الجوهرية وكذلك بكيانه المادي، بيد أن الضرر الذي قد يلحق بالكيان المادي ليس بكافٍ ليكون علة للتحريم! ووجود نهي أو تحريم شرعي يؤدي إلى تعين سنة أو قانون كوني يرتب على المخالفة أضرارا تصيب الكيان الجوهري للإنسان بالإضافة إلى الأضرار الأصلية الأخرى، ولأولي الأمر أن يبينوا للناس حقيقة بعض ما يلتبس عليهم، فإذا انطوت معاملة معينة على ظلم بأحد الأطراف مثلاً فهي محرمة ومنهي عنها ومأمور باجتنابها لأن الظلم محرم تحريما باتا، ولا يعتبر بيان ذلك تحريما من لدن أولي الأمر، وإنما هو البيان.

ولقد كان من مقتضيات المثنى الأمري "غفور رحيم" الذي أوتيه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أنه أمر قومه أن يتركوه ما تركهم ولقد حذرهم تحذيرا شديدا من كثرة السؤال في أمور الحلال والحرام حتى لا يُحرَّمُ شيء عليهم بسبب تعنتهم في السؤال، وهذا يبين أن الأمر الشرعي يرتب آثارا إضافية علي العمل، ولقد حُرِّمت بعض الطيبات على بني إسرائيل بظلمهم عقوبة لهم، فالتعنت مع الرسل والإكثار من الأسئلة فيما يتعلق بالأمور التفصيلية ينطوي على ظنّ سيئ برب العالمين يوجب عقوبة تحريم بعض الطيبات، وكذلك الظلم وصدّ الناس عَن سَبِيلِ اللّهِ يسبب نفس النتيجة: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرا}النساء160.

*******

1

عدد المنشورات : ٦٦٨

bottom of page