أمور دين الحق

الفقه

الجدول

القرءان يحث الإنسان بقوة على أن يفقه آيات الكتابين المقروء والمشهود، فالأمر بالفقه هو أمر قرءاني كبير، وكذلك حمل على من لا يعملونها وتوعدهم وندد بهم، قال تعالى:

{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}الأعراف179  *  {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً}النساء78  *  {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ}الأنعام65  *  {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} الأنعام98  *  {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ}الأنفال65  *  {.... قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} التوبة81  *  {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ }التوبة87  *  {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون}التوبة127  *  {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً }الإسراء44  *  {لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ}الحشر13  *  {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} المنافقون3  *  {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ} المنافقون7.

ومصطلح الفقه يطلق على عدة أمور، وهو بالأصالة ملكة ذهنية من ملكات القلب تقتضي نشاطا معينا اسمه التفقه يترتب عليه فقه هذا الأمر؛ أي الإلمام الذهني به والإحاطة القلبية بصورة كيانه الأمري، فالفقه هو أساسا ملكة قلبية ذهنية يتم بها الإدراك المباشر لمدلولات الأقوال والكلام ومقاصد القائلين وكذلك لمعاني ومدلولات المعطيات الظاهرة وما يربط بينها من علاقات مما يؤدى إلى الحكم الصائب.

والناس قد اعتادوا بسبب الاستعمال الخاطئ لكلمة "فقه" أن يستعملوا كلمة "فهم" بنفس معناه الحقيقي.

*****

كلمة "فقه" تُطلق على ما يلي:

  1. ملكة قلبية ذهنية لازمة لتعقل الأشياء ويجب تزكيتها كعنصر من عناصر أركان دينية مثل ركن التزكي وركن إعمال الملكات، ولتحقيق مقصد ديني.

  2. عنصر مقدس من عناصر منظومة القيم الإسلامية يجب العمل بمقتضاها والتطهر مما يناقضها.

  3. عنصر لازم للقيام بأركان الدين الأخرى، فهو من الأركان اللوازمية.

  4. نواتج استعمال تلك الملكة، هذه النواتج تشمل إدراك القوانين والسنن الطبيعية والتاريخية والإنسانية، وكذلك معاني الأقوال.

*******

إن الفقه هو ملكه من ملكات القلب الذهنية مجالها الكيانات الأمرية أي القوانين والسنن والكلمات والبرامج والمعاني وكذلك الآيات الكونية والكتابية، وهو يستلزم عمل ملكات أخرى كالقدرة على التدبر وحسن الإدراك وتقليب النظر في الأمور على كافة أوجهها، وذلك التقليب هو التفكر، وجماع هذه الأنشطة هو التفقه المؤدي إلى الفقه.

والفقه ككلمة هو مصدر واسم معنى واسم فعل، وهو –كما هو الحال في اللسان العربي- يُطلق أيضًا على مفعول الفعل وناتج الفعل، لذلك فحاصل إعمال ملكة الفقه هو أيضا الفقه، فالفقه يطلق أيضًا على نتائج إعمال تلك الملكة المسماة بالفقه.

وإعمال ملكة الفقه يترتب عليه إدراك العلاقات والروابط بين الأمور وكذلك القوانين والنواميس والسنن وارتباط النتائج بالأسباب على كافة المستويات والمعاني الخفية وكذلك المقاصد من الأوامر.

فالفقه مجاله الكيانات الأمرية من المقاصد والحكم والقوانين والسنن والآيات الكونية من حيث ما تشير إليه ومن حيث ما تدل عليه وتقصد إليه، ففقه الكيانات الظاهرة يعنى إدراك القوانين الأمرية التي تسيرها والتي تعبر تلك الكيانات عنها وتشير إليها، ففقه تلك القوانين لازم للعلم بها، والفقه والعلم بها لازمان لعَقْلها.

وكلمة الفقه كرمز تشير إلى فتح يبدأ من الخارج ويصل إلى الذروة حتى يصل إلى صورة الشيء في عالم الغيب، وقد يصل إلى أصل الشيء في عالم الأمر، وهذا الشيء قد يكون سنة أو قانونا أو حكمة أو حقيقة أو ماهية أو المعنى من أي مبنى أو أي كيان أمري آخر، فمن فَقِه القول مثلاً فقد أدرك الكيانات الأمرية التي هي أصله ومآله.

أما الفهم فهو فتح يبدأ من الخارج مقترنا بإدراك الصورة الغيبية المذكورة ويتضمن الاهتداء إلى ما هو أتم وأمثل من عناصر وصور المجال، فهو يتضمن تطبيق الأمور التي تم فقهها على ما يدخل في نطاق عملها وتحققها، فالفقه يتضمن إدراك المعني أو المغزى للأقوال والآيات أما الفهم فمجاله القضايا والمسائل ويهدف إلى ادراك الحكم السليم أو الحل الصائب لها، فالفهم مترتب على الفقه، والمشكلة هي أن الناس حرَّفوا مدلول "الفقه" الذي ورد في القرءان أمر به وحثٌّ عليه أكثر من بعض الأركان المشهورة، فخلط الناس بينه وبين "الفهم" الذي لم ترد مشتقة له إلا مرة واحدة.

والفقه ملكة قلبية لدي الإنسان وهو أيضا صفة تعني تفوق الملكات الذهنية لديه وقدرته على إعمالها والإفادة منها، فالفقيه هو من يجيد استعمال ملكاته لتحقيق مقاصده.

فالفقه هو ملكة ذهنية كالفهم، ولكنه يسبق الفهم من حيث أنه من لوازمه وأنه شرط من شروطه ومتطلب سابق Prerequisite له، وهو مفصَّل بملكات أخري كالفطنة وحسن الادراك والاستيعاب والقدرة على التدبر، ولفقه أمرٍ ما يلزم التفقه فيه، وهذا يتضمن استحضار كل ما يتعلق أو يرتبط به من معلومات وأمور وتقليب كل ذلك على كافة أوجهه، وكلمة "الفقه" تُطلق أيضا على حاصل استعمال ملكة الفقه، لذلك فهي تعني إدراك العلاقات والارتباطات والقوانين والسنن وارتباط النتائج بالأسباب على كافة المستويات، لذلك فمجال الفقه هو الآيات الكتابية والكونية وجوهر الدين وسننه ومقاصده.

*****

إن الفقه هو في الوقت ذاته:

  1. ملكة قلبية ذهنية يجب العمل على تزكيتها والتطهر مما يدسيها.

  2. ما ينتج عن إعمال تلك الملكة من إدراك أفضل للآيات القرءانية وللقوانين والسنن الإلهية والكونية.

  3. عنصر من عناصر منظومة القيم الإسلامية.

  4. ركن من أركان الدين اللوازمية.

  5. أمر قرءاني كبير

  6. نشاط جماعي للأمة المؤمنة.

وإعمال ملكة الفقه في مجالاتها الطبيعية هو التفقه في هذا المجال، وذلك من لوازم وتفاصيل ركن ديني كبير.

*****

إن من مجالات الفقه الأقوال، والقول يطلق على جماع الألفاظ من حيث ما تحمله من المعاني، واللفظ أصلاً هو الفعل الإنساني الذي يترتب عليه إحداث آثار في وسط مادي تؤثر على الجهاز السمعي للإنسان فيترجمها الكيان الجوهري إلى صورتها المألوفة، وما ينتج عن فعل اللفظ هو الملفوظ، والملفوظ هو مجموعة من الألفاظ يطلق على جماعها اللفظ أيضا ويطلق نفس الاصطلاح أيضا على مفرداتها، وهذا من باب إطلاق اسم المعنى أو المصدر على المفعول أي على مجال الفعل، وهذا من تقاليد اللسان العربي، ومن مزاياه وعيوبه في نفس الوقت!! والمقصد من فعل اللفظ هو نقل الكيانات الأمرية كالمعاني من إنسان إلى آخر، فيجب إعمال ملكة الفقه لفقه القول وعقله؛ أي للوصول إلى الكيان الأمري الذي يحمله أو يشير إليه.

*****

إن مجال الفقه هو الكيانات الأمرية (المعنوية، غير المادية، اللطيفة) من أقوال وآيات وقوانين وسنن وكلمات، وإن فقه أمرٍ ما هو ثمرة إعمال الملكات الذهنية فيه وفي كل ما يتعلق به وفي ارتباطاته الممكنة بالأمور الأخرى، والإعمال الذي يُقصد به فقه الأمر هو التفقه فيه، وهو يتضمن التفكير والتدبر والتعقل ومداومة النظر في الأمر وتقليبه من كافة جوانبه الممكنة، فالفقه يتضمن إدراك مغزي وفحوى القانون أو معني وفحوى العبارة اللغوية أو الكلمات او معني القول، فمن أدرك مقصد القائل أو معنى قوله فقد فقه القول، وأمراض القلب تمنع الفقه السليم للأمور، أما الفهم فمجاله القضايا والمسائل، فهو الوصول إلى الحكم أو الراي الأمثل أو الحل الصحيح لها، ولقد حدث لبس بين معني الفقه وبين معني الفهم بسبب حرص رجال الكهنوت وسدنة المذاهب الشديد على إهمال وتحريف المصطلحات القرءانية، ولقد برع الشيطان في استخدامهم لحمل الناس على هجران القرءان.

فالفقه هو ملكة من ملكات القلب الإنساني كالعقل، وهو من لوازم وشروط عقل الأمر، وله ميادينه ومجالاته وهي السنن والآيات الكتابية والكونية والمقاصد والحكم الدينية، وهو من الأمور اللازمة لتمام استخلاف الإنسان في الأرض ولإعداد الإنسان للعيش في العالم الأرقي، أي إنه من لوازم تحقيق مقاصد الدين العظمي، وهو من شروط تحقيق النصر والغلبة.

فإحراز النصر له أربعة أركان؛ الإيمان والفقه والصبر وذكر الله، ولكن بالمعاني الحقيقية لهذه الأمور، والأمة التي اجتمع عندها هذه الأركان هي الأمة الغالبة على أمرها المنتصرة على كل أعدائها، وعلى المستوى الفردي لابد من انتصار من اجتمع فيه الإيمان والفقه والصبر وذكر الله، على المستوى الجوهري.

*****

إن الفقه هو بالأصالة ملكة قلبية ذهنية مجالها الكيانات الأمرية أي الآيات الكتابية والكونية والقوانين والسنن والبرامج التي تتضمنها فِطَرُ الكائنات، وإعماله يؤدي إلى الإحاطة بما سبق ذكره وإدراكه وعقْله، أي إلى الإحاطة بأنماط العلاقات الممكنة بين الظواهر واستيعاب القوانين والسنن، ولذا فإن مجال الفقه هو ما تتضمنه العلوم الطبيعية والإنسانية بالإضافة إلى آيات الكتاب العزيز وما تتضمنه من المقاصد والأحكام والسنن، فالفقه لازم لإدراك التجليات الإلهية وتفاصيل الكمال الإلهي.

فمن يعكف على تدبر قانون كوني بهدف فقهه واستيعابه وعقله والإفادة منه هو متعبد لله تعالى إذا ما أيقن أن ذلك القانون من مقتضيات التجليات الإلهية أي من مقتضيات الأسماء الحسنى الإلهية، لذلك فمن استوعب قانونا كونيا مع التزامه بالشرط المذكور يزداد علما بربه ويزداد كمالا ويزداد بذلك قربا من ربه، فالمعامل وقاعات البحث هي بيوت أذن الله أن ترفع  ويذكر فيها اسمه وتعرف آياته ويسبح الناس فيها بحمده، علموا ذلك أو جهلوا، والعاكف فيها لإجراء بحث ينفع الناس أو لاستنباط قانون يزداد به الناس معرفة بربهم  وبمدى اتساع علمه وحكمته وتدبيره لا يقل في الفضل عن العاكف في مسجد، وأكرمهما هو أتقاهما وأعظمهما نفعا للناس، ونتائج عمل الباحث سيظل يجني ثمارها طالما بقي من ينتفع بها.

ولقد كان من أكبر عوامل انهيار تلك الأمة زعم بعض رجال الكهنوت وسدنة المذاهب لهم أن العلوم الطبيعية هي أمور ثانوية أو مضللة أو لا يتعلق بها غرض شرعي أو أن الجهل بها لا يضر والعلم بها لا ينفع، فانصرف الناس عنها وصار المهتمون بالعلوم الطبيعية غرباء في أوطانهم يرتاب الناس في أمرهم ويضيقون الخناق عليهم ويتطاول عليهم السفلة من المتكسبين بدينهم، واليوم يتباهى سدنة المذاهب الجهلوتية بإنجازات هؤلاء العلماء الذين كان أسلافهم يقذفونهم بشتى الاتهامات، ومن المعلوم أن أكثر العلماء الذين يُعتد بهم لم يكونوا من أتباع المذهب السني، وبالطبع لا يوجد منهم أحد من أتباع المذهب الأثري السلفي.

*******

لقد جعل الله تعالى الفقه هو المقصد وكذلك هو شرط الانتفاع  من تصريف الآيات وتفصيلها، كما حذر من إهمال تلك الملكة فهو يؤدي إلى سوء تقدير الأمور والجهل بعواقبها والطبع على القلوب، وهذا الطبع هو الحيلولة بين الإنسان وبين الانتفاع بأثمن ما هو له بحيث ينزل بذلك إلى ما هو دون مرتبة الأنعام، كما يؤدى إلى اختلال الموازين لديه فيخاف الأضعف ويستخف بالأقوى ويرضى بالمهين القليل ويزهد في الثمين الكثير فيصبح جهله مطبقا وظلامه دامسا ويتردى في مهاوى الفسق والنفاق ويبوء بالهزيمة والخذلان في كافة المجالات مهما عظمت إمكاناته المادية، وتوضح الآيات الآتية كل ذلك:

{وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ(98)} (الأنعام)، {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ(179)} ( الأعراف)، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ(65) (الأنفال)، {لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنْ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ(13)} (الحشر)، {هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَـوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ(7)} (المنافقون)، {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ(87)} (التوبة)، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ(3)} (المنافقون).

والآيات تبيِّن أن الفقه هو ملكة من ملكات القلب، وأنه بالفقه تنتصر القلَّة المؤمنة على الكثرة الكافرة التي لا تفقه، كما بينت ذلك الآية رقم 65 من سورة الأنفال:

{ياَ أَيّهَا النّبِيّ حَرّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّئَةٌ يَغْلِبُوَاْ أَلْفاً مّنَ الّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاّ يَفْقَهُونَ}.

 والفقه بمقتضى الآيات السابقة يعني الإدراك الشامل للقوانين والسنن الإلهية والكونية وما تقتضيه من علوم إنسانية ومادية وطبيعية، فلا ينشغل الفقيه بأمر تفصيلي عن أمر كلي فهو على مستوى الأمور الحياتية فنَّ إدراك الأمور الاستراتيجية، لذلك جُعل هذا الفقه مناط الغلبة والانتصار والتفوق، فالجيش المؤمن يستطيع بذلك الفقه أن يهزم عشرة أضعافه من الذين كفروا لأنهم لا يفقهون الفقه الحقيقي، وهم لا يعلمون إلا القليل الظاهر من أمور الحياة الدنيا، ولكنهم لا يفقهونها، ذلك لأنهم لا يعلمون ولا يدركون شيئاً عن علاقتها بالقوانين والسنن الإلهية، ولذلك ينهزمون بسهولة أمام القلة المؤمنة، لأن تفوقهم العددي أو التكتيكي لا يصمد أمام من لديه الاستراتيجية الحقيقية ويجيد استخدامها.

ولقد بينت آية الأعراف رقم 179 سبب دخول كثير من الجن والإنس النار، وهو أنهم كانوا لا يفقهون، ولما كان الفقه هو من الأنشطة والأعمال الكبرى للقلب الإنساني وهو أسمى كيانات الإنسان، بل هو كيانه المركزي، فهم بالتالي لا يمكن أن ينتفعوا بما لهم من ملكات وحواس، قال تعالى:

{ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنّمَ كَثِيراً مّنَ الْجِنّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }،

وتبيِّن الآية بكل جلاء أن أداة الفقه هي القلب الإنساني؛ أي القلب بمفهومه القرءاني.

أما القوم الذين وجدهم ذو القرنين من دون السدين، فقد كانوا قومًا لا حضارة لهم ولا رقي عندهم، فهم يفتقرون إلى المعرفة التقنية رغم توفر الموارد والعناصر عندهم، ولذلك وصفوا بأنهم لا يكادون يفقهون قولًا، فدلت آيات سورة الكهف أن الفقه هنا يعني إدراك المعارف التقنية.

أما المنافقون فقد وُصِموا بأنهم لا يفقهون في آيات عديدة مثل:

{ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مّنْ أَحَدٍ ثُمّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاّ يَفْقَهُون } ( التوبة: 127 )، { سَيَقُولُ الْمُخَلّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَىَ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُواْ كَلاَمَ اللّهِ قُل لّن تَتّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَاُنواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاّ قَلِيلاً } (الفتح : 15 )، { ذَلِكَ بِأَنّهُمْ آمَنُواّ ثُمّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىَ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } (المنافقون: 3)، {هُمُ الّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىَ مَنْ عِندَ رَسُـولِ اللّهِ حَتّىَ يَنفَضّـواْ وَلِلّهِ خَزَآئِنُ السّمَـوَاتِ وَالأرْضِ وَلَـَكِنّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ} (المنافقون : 7)،

فما هي مظاهر ذلك عندهم؟ لقد تخلَّوا عن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ بأعذار واهية، وانصرفوا عن آيات الله فصُرفوا عنها، وحيل بينهم وبين فقه آيات القرءان، فدل كل ذلك على أن من العلامات اللازمة للمنافق أنه لا يفقه، وهذا يبين أن الفقه هو الإدراك الشامل المنور بنور الإيمان لآيات الله تعالى القرءانية والكونية وكيفية الاستفادة منها.

ولقد حثت الآية رقم 122 من سورة التوبة المؤمنين من قرن (جيل) الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة لتقاتل معه ولتتفقّه في الدين على يديه بالتلقي الشفاهي عنه، وبالتزكِّي بهديه، وبالتأسّي به وبتعلّم القرءان منه، وبذلك يمكن أن ينذروا قومهم ويبشروهم، قال تعالى:

{ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لّيَتَفَقّهُواْ فِي الدّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوَاْ إِلَيْهِمْ لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ } ( التوبة : 122)

وبعد كل هذا فما هو التعريف الجامع الشامل للفقه المستمد من آيات القرءان؟

من كل ذلك يتضح أن الفقه هو الإدراك الكلي الشامل المنور بنور الإيمان للقوانين والسنن الإلهية والكونية وما تقتضيه من علوم طبيعية ومادية وإنسانية واجتماعية وتاريخية وتطبيقية، ويتضمن الفقه أيضاً كل سعي يؤدي إلى ذلك، فالفقه هو الإدراك الشامل والبصيرة النافذة من حيث القلب الإنساني أي من حيث لبّ الإنسان وجوهره الحقيقي.

لذلك فمتعلق الفقه هو الجوهري من الأمور، وهو أيضًا الهيكل العام الذي يربط الأمور ببعضها البعض والعلوم ببعضها البعض ، فبه يمكن معرفة كيف تستند السنن الكونية إلى السنن الإلهية، ولذا فالمؤمن الفقيه يدرك الجوهري من الأمور والارتباطات الكلية العظمى بين أنساق القوانين والسنن، ولذا فإنه أقوى من غيره، بـل إنه لا يمكن أن يهـزم، قـال تعالى:

{وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ} (الروم: 47)،

فالمؤمن الفقيه متقدم على من هم دونه من حيث المرتبة ، وهو يسبقهم ولا أمل لهم في اللحاق به لأن سرعته أيضًا أعلى ومداه أبعد، أما من هم دونه فهم غرقى فيما لا يتناهى من جزئيات وفرعيات مفتونون بما لديهم ولا يبغون عنه حولا.

ومتعلقات الفقه ومجالاته هي الآيات والقوانين والأمور الكلية والسنن والوقائع والأحداث والعبارات والألفاظ المتداولة والأقوال، أما الفهم فهو مترتب على إعمال الفقه وتطبيق نتائجه في الحياة اليومية والوقائع الجزئية وكذلك المعارف التفصيلية والجزئية والأحكام الجزئية.

فمجالات الفقه هي الآيات والقوانين والأمور الكلية والسنن والوقائع والأحداث، أما مجالات الفهم فهي الأحكام المتعلقة بالوقائع الجزئية وكذلك المعارف التفصيلية والجزئية وكيفية إعمال القوانين وتطبيقها كيفية حل المسائل، إن الفقه هو الإدراك الدقيق للقانون بينما الفهم هو الوصول إلى الحكم السليم بإعمال القانون على الواقعة الجزئية محل النظر أو الوصول إلى الحل السليم بخصوص مسألة أو مشكلة معروضة.

أما التفقه فهو يعنى إعمال ملكة الفقه في مجالاتها المذكورة فهو نشاط قلبي ذهني، وهو خاصية إنسانية محض؛ تفصيلها الاستدلال والاستقراء والاستنباط، أما الله سبحانه فله الإحاطة بكل الأمور من كافة حيثياتها إذ هو مبدعها ومقدرها وخالقها، ولذا فهو لا يحتاج إلى إعمال جهدٍ ما لإدراكها، وإعمال الملكات الإنسانية كالفقه في المجالات المذكورة هو ممارسة فعلية للعبادة في أسمى صورها إذا كان ذلك الإعمال على هدى من مقاصد الدين العظمى، والفقه من الأمور اللازمة لتمام استخلاف الإنسان في الأرض، فالتفقه هو وسيلة الإنسان لإدراك ما هو مستخلف فيه والتعرف عليه، والفقه لازم لإعداد الإنسان للحياة الأخرى الدائمة والمعيشة في العالم الأرقى، أي أنه لازم لتحقيق المقصد الديني الأعظم الخاص بالفرد.

*****

إن (الفقه) كما ورد في القرءان هو ملكة قلبية إنسانية مجالها هو الآيات الكتابية وكذلك الآيات والسنن الكونية والتي هي الآن مجال العلوم الطبيعية والإنسانية، وتطلق نفس الكلمة على النشاط القلبي المترتب على استعمال الملكة، وفقه الأمر أو القانون يسبق فهمه؛ أي هو من متطلباته، فلا يجوز استخدام هذا المصطلح للدلالة على الأحكام الشرعية العملية وأدلتها التفصيلية، ولقد أدي هذا إلى إهمال أركان ومقاصد دينية وتضخيم شأن أمور جزئية وثانوية وظاهرية على حساب الأمور الكلية الأصلية، والناس الآن يستعملون لفظ (فهم) للدلالة على (فقه) لطول اعتيادهم على المعاني المحرفة، وللتوضيح فإن الإحاطة بمسالة ما واستيعابها هي وكل ما يتعلق بها هو فقهها، أما الفهم فهو إدراك الحلّ الصحيح للمسألة.

*******

قال الله تعالى في الآية رقم 98 من سورة الأنعام:

{قَد فصَّلْنَا الآيَاتِ لِقوْمٍ يَفقَهُون}،

فما هي تلك الآيات التي فصَّلها وحثَّ الناس على فقهها ، إنها هي المذكورة في الآيات من 95 إلى 98 من نفس السورة والتي استكمل بيانها في الآية رقم 99، قال تعالى :

{إِنّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبّ وَالنّوَىَ يُخْرِجُ الْحَيّ مِنَ الْمَيّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيّتِ مِنَ الْحَيّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنّىَ تؤفكون * فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الْلّيْلَ سَكَناً وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَهُوَ الّذِي جَعَلَ لَكُمُ النّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصّلْنَا الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَهُوَ الّذِيَ أَنشَأَكُم مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصّلْنَا الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ * وَهُوَ الّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مّتَرَاكِباً وَمِنَ النّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنّاتٍ مّنْ أَعْنَابٍ وَالزّيْتُونَ والرّمّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوَاْ إِلِىَ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنّ فِي ذَلِكُمْ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الأنعام : 95 - 99)،

فتلك الآيات القرءانية توضِّح أن الأمور الآتية آيات كونية:  

فلق الحب والنوى.

إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي.

فلق الإصباح.

سكون الإنسان في الليل.

جريان الشمس والقمر بحسبان وكون ذلك من تقدير العزيز العليم.

مواقع النجوم وما يتعلق بها.

إنشاء كل البشر من نفس النوع وجعل ذلك النوع زوجين.

إنزال الماء من السماء، وإخراج كل أنواع النبات من نفس الماء.

فتلك الأمور هي آيات كونية تسري فيها وعليها سنن كونية وهي ما تتناوله علوم الفلك والأحياء والنبات ووظائف الأعضاء  والعلوم الكونية، وتوضِّح الآيات أنه لكي يدرك الإنسان أن الأمور المذكورة هي آيات فإنه يجب أن يؤمن وأن يفقه وأن يعلم وإلا فإنه لن يرفع لها رأساً لطول إلفه إياها، فالأمور المذكورة هي بعض مجالات الفقه والعلم، وكل ذلك لازم لزيادة الإيمان وتأكيده، ففقه تلك الأمور من أركان الدين المؤدية إلى تحقيق مقاصده العظمي، وبالتالي فهي ليست كما زعم بعض المشتغلين بالدين أموراً لا يتعلق بها غرض شرعي، فإنهم بذلك الزعم صرفوا الناس عنها فدفعت الأمة جمعاء الثمن غاليا.

كذلك قال تعالى في سورة الأنعام:

{ وَهُوَ الّذِي يَتَوَفّاكُم بِاللّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنّهَارِ ثُمّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىَ أَجَلٌ مّسَمّى ثُمّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمّ يُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتّىَ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ * ثُمّ رُدّوَاْ إِلَىَ اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ * قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظُلُمَاتِ الْبَرّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرّعاً وَخُفْيَةً لّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـَذِهِ لَنَكُونَنّ مِنَ الشّاكِرِينَ * قُلِ اللّهُ يُنَجّيكُمْ مّنْهَا وَمِن كُلّ كَرْبٍ ثُمّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ * قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىَ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرّفُ الاَيَاتِ لَعَلّهُمْ يَفْقَهُونَ} (الأنعام: 60 – 65)، 

 لقد اختتم الله تعالى تلك الآيات بقوله : 

{ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرّفُ الاَيَاتِ لَعَلّهُمْ يَفْقَهُونَ }

فما هي الآيات التي يصرفها هنا؟

إنه يبيِّن أنه القاهر فوق عباده وأنه يرسل عليهم حفظة وأنه يتوفّى الأنفس و يبعثها، ويبيِّن كيف ينجيهم من الكروب ، وكيف يصرِّف الأمور فيبتلي هذا بذاك ، ويبتلي نفس الطائفة بما يَحْدُثُ فيها من شقاق، أو يستخدم الكوارث الكونية لذلك إذا اقتضى الأمر، فالآيات هنا تحكمها سنن كونية هي بدورها آيات إلهية، وهي متعلقة أيضا بحركة التاريخ وعلم الكوارث، سواء تلك التي تأتيهم من فوقهم كسقوط الأجسام من الفضاء الخارجي أو الأمطار الشديدة أو العواصف المدوية العاتية أو تلك التي تأتيهم من تحتهم كالزلازل والبراكين والفيضانات، ولقد بينت الآيات أن فقه الآيات والسنن من مقاصد الدين.

ولقد بيَّنت آيات الأنعام أن الفقه والعلم هما صفتان لازمتان للمؤمن.

وبالفقه تنتصر القلَّة المؤمنة على الكثرة الكافرة التي لا تفقه، كما بينت ذلك الآية رقم 65 من سورة الأنفال:

{ياَ أَيّهَا النّبِيّ حَرّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّئَةٌ يَغْلِبُوَاْ أَلْفاً مّنَ الّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاّ يَفْقَهُونَ}،

ومن البديهي أنهم لم ينتصروا عليهم لأنهم يعلمون أحكام الحيض والنفاس والنكاح والوضوء.... الخ في حين لا يعلمها الآخرون

والفقه بمقتضى آيات القرءان يترتب عليه الإدراك الشامل للقوانين والسنن الإلهية والكونية وما تقتضيه من علوم إنسانية ومادية وطبيعية، فلا ينشغل الفقيه بأمر تفصيلي عن أمر كلي فهو على مستوى الأمور الحياتية فنُّ إدراك الأمور الاستراتيجية، ولذلك كان هذا الفقه مناط الغلبة والانتصار والتفوق، فالجيش المؤمن يستطيع بذلك الفقه أن يهزم عشرة أضعافه من الكفار لأنهم لا يفقهون شيئا، وهم لا يعلمون إلا القليل الظاهر من أمور الحياة الدنيا، ولكنهم لا يفقهونها، ذلك لأنهم لا يعلمون ولا يدركون شيئًا عن علاقتها بالقوانين والسنن الإلهية، ولذا ينهزمون بسهولة أمام القلة المؤمنة، فتفوقهم العددي أو التكتيكي لا يصمد أمام من لديه علم وفقه الاستراتيجية ويجيد استخدامها، ومن البديهي أن الفقه اللازم لتحقيق الانتصار هو أجلّ من العلم بظواهر العبادات، فظواهر العبادات هي مجال للعلم وليست مجالاً للفقه، أما مجال الفقه فيها فهو الحكمة منها ومقاصدها وأسرارها.

فالفقه اللازم للغلبة في ميدان القتال يعبر عن التفوق في الملكات الذهنية وسرعة وكفاءة الاستجابة والإدراك السريع الشامل لما يلزم من استراتيجيات قبل المعركة وتكتيكات أثناءها، فالتفوق في هذا الفقه هو الذي كان يمكن القادة العظماء على مدى التاريخ من الانتصار على قوات تفوقهم من حيث العدد والتسليح، ومن القادة المشهود لهم بالتفوق في هذا الفقه: تحتمس الثالث، فيليب المقدوني، الإسكندر الأكبر، يوليوس قيصر، بليزاريوس، خالد بن الوليد، الظاهر بيبرس، قلاوون الألفي، جنكيز خان، تيمور لنك، هانيبال، كوندى، نابليون، نلسُن، إبراهيم باشا، روميل،....، ورغم قوة الرومان العسكرية الهائلة فانتصاراتهم لم تكن لتفوُّق قادتهم بقدر ما هي بسبب نظامهم العسكري الصارم وانضباطهم وقوة فيالقهم وحسن تدريبها وضعف خصومهم.  

*****

والآن ما هو تعريف الفقه طبقا للمصطلح المعروف والمتداول؟

إن الفقه طبقًا للمصطلح الشائع هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، وكما هو واضح تمامًا لا علاقة للفقه بالمعنى المتداول الآن والمعلوم لدى الناس وبين الفقه بالمعنى القرءاني، وبداية يجب القول أن الأمور التي يعالجها الفقه بمفهومه الذي أحدثه الناس هي أمور جليلة ولها أهميتها ولا يجوز بأي حال التقليل من شأنها، فإنه يجب أن يعلم كل مسلم كيف يتوضأ وكيف يصلي وكيف يزكي وكيف يحج، ويجب أن يعلم أيضًا مشروعية ما يؤدِّيه من أعمال أثناء تلك العبادات، ولكن علم تلك الأمور ليس هو الفقه بالمصطلح القرءاني، وعلى الناس أن يبحثوا له عن اسمٍ آخر إن كان لابد من ذلك، فالفقه يمكن أن يتعلق بالمقاصد والحِكَم والمصالح المتضمنة في تلك العبادات ولكنه لا يمكن أن يتعلق بأمورها الشكلية والتي يجب أن يتلقاها المسلم بالتقليد المحض إذ لا مجال للابتداع والإحداث فيها، فليس من حق أحد أن يقترح مثلاً جعل صلاة الصبح ثلاث ركعات بناء على أمور تلقاها بزعمه من أي مصدر، كما ليس من حق أحد أن يقترح أن يمتد الصيام إلى العشاء مثلاً .... الخ.

ويجب العلم أن الله تعالى جعل من معظم أمور العبادات الظاهرة أمورا هيِّنة سهلة وما جعل فيها من حرج على عباده، بل يستطيع الطفل الذي لم يبلغ الحلم أن يستوعبها وأن يؤديها، فلا يجوز لذلك أن ينشغلوا بمظاهرها عن مقاصدها.

أما أمور الفقه الاصطلاحي الأخرى كالمعاملات والأحوال الشخصية مثلًا فيمكن للبعض أن يستوعبها نيابة عن الكل، دون أن يعني ذلك أي وصاية على الناس أو علوًّا دينيا عليهم، ذلك لأن الله سبحانه لم يجعل الإلمام بذلك مناط التفاضل بين الناس، بل جعل ذلك للتقوى وسلامة القلب والعمل الصالح.

والآن وبعد أن تبين مخالفة المصطلح الشائع للفقه للمصطلح القرءاني هلَّا تفضَّل أحدهم بالإجابة على السؤال التالي:

من الذي ألغى المدلول القرءاني لكلمة فقه لحساب مدلول آخر من عنده؟ وما هي الأسباب التي أدت إلى ذلك؟ أليس هذا هو تحريف الكلم عن مواضعه الذي حذَّر القرءان منه؟ ألا يُعدّ ذلك نوعا من محاولة العلوِّ على الله تعالى والتقدم بين يديه؟

إن خطورة ما حدث هو أنه صرف الناس عن المدلول القرءاني لكلمة فقه فهجروه بذلك وإن استمعوا له وتلوه، إن تحريف مدلول كلمة فقه قد جعلت الناس ينصرفون بالفعل عن الآيات المصاحبة لتلك الكلمة فصرفوا عنها، وأصبح ترديد تلك الآيات أمامهم لا يعني شيئاً، وربما اهتز البعض طرباً من الجمال والجلال اللغوي، ولكنه لن يفعل أكثر من ذلك، وهكذا صُرِفت الأمة عن الاهتمام بالقوانين والسنن والآيات الكونية التي حثهم الله تعالى على النظر فيها.

ومن الأمور الخطيرة التي ترتَّبت على إلغاء مصطلح الفقه كما جاء في القرءان الكريم أن فُقد الميزان، وتضخَّم علم ظواهر العبادات والقضايا والأحكام على ما عداه فاختلَّ البنيان، كما تضخم الاحتفاء بالنقل على حساب العقل، وأصبح هذا الدين لا يُستمد من الآيات البينات بل من المنقولات، وأصبح لا همَّ للمتحمسين والمحترفين إلا إيجاد أحكام لكل ما سكت عنه القرءان عمدًا رحمة بالناس وتأكيدًا لعالمية الإسلام، ثم في غفلة من الزمن جعل بعضهم من أصول فقه الإسلام إلزام المسلمين باتباع شرع من قبلهم ما لم يُنسَخ بالقرءان، ثم زعموا أن آيات القرءان تنسخ آيات القرءان، ثم زعموا أن المرويات الظنية أيضاً تنسخ آيات القرءان، وكل ذلك من حيل الشيطان الذي عزّ عليه أن يحال بينه وبينه الإلقاء في القرءان لأن الذي تعهَّد بحفظه هو الرحمن، فلم يبق له إلا أن يصرف الناس عن هذا القرءان، ذلك لأن الشيطان عدو محض للإنسان كما أنذر بذلك من قبل الرحمن، وهكذا استُخدِم هذا الدين الذي جاء رحمة للعالمين وكان من مقاصده العظمى أن يضع عن الناس إصرهم والأغلال التي كانت عليهم وأن يرفع الحرج عنهم ؛ استُخدم لإعادة فرض إصر وأغلال الشرائع السابقة بالإضافة إلى تكبيل الناس بإصرٍ وأغلالٍ جديدة ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما فرضتها التقاليد القبلية والطبائع القومية، فلما وجد الناس أنفسهم أسري شبكة هائلة من الأمور والأحكام المفتعلة، بحثوا عن المخرج فافتُعِلَ علم آخر هو علم الحيل الفقهية ! وفيه يتم التحايل على الفقه بالفقه! فانظر إلى أي مدى امتهنت تلك الكلمة وإلى أي مدى تردَّى المسلمون.

 ولقد قام البعض بصرف الناس عن العلوم المفيدة بالإشارة إليها دائما بازدراء بالزعم بأن الجهل بها لا يضر والعلم بها لا ينفع وأنها لا يتعلق بها غرضٌ شرعي، وأنها من أمور تلك الدنيا أو ذلك العالم الفاني، كما حدث مثلا مع العضلة الصنوبرية التي هي قلب الجسم، وبرَّروا زعمهم هذا بأن تلك العضلة يمكن إدراكها بالبصر، فمن أعطاهم الحق في الزعم بأن أمور الجسم وآياته ومنها ذلك القلب العضلي لا يتعلق بها غرض شرعي؟ ألم يقل الله تعالى:

{وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ - وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} (الذاريات : 20-21) ،

ألا يحثُّ الله تعالى هنا الإنسان على النظر في آيات الله في نفسه؟ ألا يبيّن له أن تلك الآيات قابلة للإدراك التام؟ كيف كان يمكن للإنسان أن يدرك أن ما ألفه من أعضاء جسمه هو آيات إلهية؟ هل كان يمكن ذلك لولا الإنجازات الهائلة في علوم الأحياء ووظائف الأعضاء؟ كيف كان سيتحقق الوعد الإلهي الوارد في تلك الآية: 

{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ} (فصِّلت: 53)؟ 

هل كان سيتحقَّق إلا بالتفقّه في علوم الأحياء ووظائف الأعضاء وما يخدمهما من علوم؟ ألا يُعدُّ العملُ وفقاً للأوامر الإلهية لتحقيق الوعود الإلهية غرضًا شرعياً؟ إن العضلة الصنوبرية التي لم تثر اهتمام الأمة ولم يروا في الاشتغال بها وبأمثالها غرضا شرعيا هي بلا شك آية من آيات الله تعالى، وما كان للإنسان أن يدرك ذلك إلا عندما عرف كيف تعمل وعندما حاول محاكاة عملها بأجهزة اصطناعية.

إنه يجب القول بأن البحث في آيات الله الكونية ومنها جسم الإنسان هو مقصد من مقاصد الدين؛ فإن به تتجلى عظمة الله تعالى وعلمه وإبداعه وقدرته، وتظهر للخلائق كافة الظهور التفصيلي الذي هو العلة الغائية لخلق الأشياء، إن ذلك الجانب من الفقه أهمل لحساب الأحكام الشرعية وظواهر العبادات، وكان ذلك من نواتج تحريف معنى ذلك المصطلح.

إن الفقه الذي أُمر الناس به وحُثُّوا عليه وجعل وجوده هو العلامة الفارقة بين المؤمن وبين المنافق هو أمر آخر غير الفقه المتداول بين الناس، هو الذي بيَّنته الآيات القرءانية، وتلك الآيات موجودة في القرءان، يستطيع كل مسلم الرجوع إليها بنفسه.

ويجب القول بأن غياب أي جانب من جوانب الفقه الممكن للإنسان يعني توًّا غياب علامة من علامات الإيمان لصالح علامة من علامات النفاق الذي يعني فساد القلب، وأن من أعرض عن آية أُمر بالتفقُّه فيها فقد صرف عنها واكتسب بذلك علامة نفاق، فإذا ما عمت البلوى فإنه يتم استبدال أمة أخرى بالأمة التي شاع فيها النفاق، فإن قيل إن ما حدث قد حدث فلم لا يترك الناس وما ألفوه من مصطلحات مع التنبيه على المعاني القرءانية للفقه؟ فالجواب: إن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وإنه لا يمكن إرضاء مخلوق بمعصية الخالق خاصة إذا كان الأمر لا يتعلق بأمر دنيوي بل بشأن خاص من شؤونه هو، إن الله تعالى قد جعل كتابه هذا مهيمنًا على كل ما هو دونه مما لدى الناس ومما ابتدعوه واصطلحوا عليه ، فيجب احترام مدلولات مصطلحاته وعلى الناس أن يلتزموا بها، فإن ذلك كفيل برفع الإصر عنهم والأغلال التي وضعت عليهم، إن الفقه بمدلوله القرءاني لا يجوز تغييره ولا إلغاؤه ولا المصادرة عليه وإلا أثمت الأمة كلها، ذلك لأن للفقه –الذي هو مناط التمييز بين المؤمن وبين المنافق– مجالاته ومتطلباته التي لابد من الوفاء بها، ولابد من أن تنفر منهم طوائف للعمل فيها، فإن إهمال تلك الميادين هو الذي أودى بالمسلمين .

فإن قيل هب أن الأمة قد اتفقت على ذلك التعريف للفقه فما الذي سيحدث؟ لقد قضي الأمر وتم اكتشاف ما كان من المفروض أن يكتشفه المسلمون على أيدي غيرهم، والجواب: إن الأمر لم يُقضَ بعد بل مازال منظورًا فيه، وسيظل كذلك، إنه برغم التقدم العلمي الهائل فإن ما لم يكتشف بعد يفوق بكثير ما اكتشف، فما زالت لدى المسلمين الفرصة للتقدم العلمي الذي هو القوة التي أُمِروا بإعدادها، وذلك إذا ما أقدموا على استيعاب العلوم والإبداع فيها كواجب ديني ومقصد شرعي، وكذلك إذا ما أقدموا على ما هو منوط بهم من أعمال كتعبُّد لله تعالى لا كوسيلة للتكسب يحاولون دائماً الغش والتطفيف فيها أو التعالي أو التطاول  على الناس بها.

*****

إن الفقه هو ملكه من ملكات القلب الذهنية مجالها الكيانات الأمرية، أي القوانين والسنن والكلمات والبرامج وكذلك الآيات الكونية والكتابية، وهو مفصَّل بملكات أخرى كالفطنة والقدرة على التدبر وحسن الإدراك وتقليب النظر في الأمور على كافة أوجهها، وذلك التقليب هو التفقه المؤدى إلى الفقه، والفقه يطلق أيضا على نتائج إعمال تلك الملكة، وبالتالي فهو يعنى إدراك العلاقات والروابط بين الأمور وكذلك القوانين والنواميس والسنن وارتباط النتائج بالأسباب على كافة المستويات والمعاني الخفية وكذلك المقاصد من الأوامر.

فالفقه مجاله الكيانات الأمرية من المقاصد والحكم والقوانين والسنن والآيات الكونية من حيث ما تشير إليه ومن حيث ما تدل عليه وتقصد إليه، ففقه الكيانات الظاهرة يعنى إدراك القوانين الأمرية التي تسيرها والتي تعبر تلك الكيانات عنها وتشير إليها، ففقه تلك القوانين لازم للعلم بها، والفقه والعلم بها لازمان لعَقْلها، وكما جرت العادة في اللغة العربية فإن مصطلح الفقه يُطلق أيضًا على مجال إعماله؛ فهو يطلق على جماع ما أدركه الإنسان من المقاصد والحكم والقوانين والسنن والآيات الكونية والكتابية.

إن الله سبحانه قد أعلن أنه ما خلق الإنسان إلا لعبادته وهذه العبادة تستلزم معرفة به، ولما كان كنه ذاته فوق كل إدراك وتصور وكذلك كنه أسمائه وصفاته فإنه لا يبقى للإنسان إلا معرفة مقتضيات أسمائه ومراده من خلقه وهذا يظهر في فقه مقاصد الدين العظمى ومقاصد الأوامر والأحكام الدينية الأصلية والفرعية وفي فقه الآيات والسنن الكونية والكتابية، والفقه مرحلة تسبق العقل، ولابد منها لكي يتم التعقل.

أما التفقه فهو السبيل إلى الفقه، فهو يعنى إعمال ملكة الفقه في مجالاتها المذكورة فهو نشاط قلبي ذهني، وهو خاصية إنسانية محض؛ تفصيلها الاستدلال والاستقراء والاستنباط، أما الله سبحانه فله الإحاطة المطلقة بكل الأمور من كافة حيثياتها إذ هو مبدعها ومقدرها وخالقها، ولذا فهو لا يحتاج إلى إعمال جهد ما لإدراكها، فالفقه لا يكون سمة للرحمن ولكن صفة للإنسان، وإعمال الملكات الإنسانية كالفقه في المجالات المذكورة هو ممارسة فعلية للعبادة في أسمى صورها إذا كان ذلك الإعمال على هدي من مقاصد الدين العظمى، والفقه من الأمور اللازمة لتمام استخلاف الإنسان في الأرض، فالتفقه هو وسيلة الإنسان لإدراك ما هو مستخلف فيه والتعرف عليه، والفقه لازم لإعداد الإنسان للحياة الأخرى الدائمة والمعيشة في العالم الأرقى، أي أنه لازم لتحقيق المقصد الديني الأعظم.

ولكن الانحراف بدأ باختزال الدين وصياغته صياغة مادية شكلية مع قصر مصطلح الفقه على العلم المتعلق بربط الأحكام العملية بأدلتها التفصيلية، وهذا الاصطلاح لا علاقة له بالمصطلح القرءاني وإلا فكيف يمكن قراءة الآيات التي ورد فيها هذا المصطلح أو تفسيرها على ضوء ما استحدثوه له من معني، قال تعالى:

{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ{122}} (التوبة)،

فالآية تدل على أن التفقه هو إعمال ملكات الإنسان، ولو كان اصطلاح (الفقهاء) صحيحا لاكتفى بقوله ليتفقهوا ولما كان ثمة حاجة لبيان مجال التفقه، والكتاب العزيز يلزم الإنسان بإعمال ملكاته في السنن والآيات والظواهر الطبيعية والتاريخية والنفسية.

إن إطلاق اسم "الفقه" على عملية استخراج الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية كان من المحدثات في الدين التي جنت على الدين وعلى المسلمين إذ ترتب عليها اختزال الدين وإهمال أركانه الجوهرية وإكسابه طبيعة شكلانية، إنه يجب العلم بأن معرفة عدد ركعات الصلاة وكيفية أداء كل ركعة وكيفية الوضوء هي محض معرفة لا تستلزم تفقها، وإنما مجال التفقه هو مقاصد وحكم وأسرار الصلاة مثلا، ولا يجوز استخدام ما ورد في أمر الأشكال الظاهرية وتنوعها ذريعة لتفريق المسلمين وجعلهم مذاهب وشيعا متناحرة.

وكذلك لا يجوز إطلاق كلمة "فقه" على عملية استخراج الأحكام باستعمال القياس أو الاستحسان أو غيره، فللفقه معناه الخاص ومجالاته المنصوص عليها في القرءان.

إن الانشغال بما يسمى بالفقه (أو في الحقيقة العلم بشكليات الأمور الشرعية) يشبه الاشتغال بالمدونات القانونية وشروحها، فذلك يكسب الإنسان ولو كان غير مسلم مهارة فنية تقنية، ولكنها لا تكسبه شيئا من التقوى أو السمو الروحاني، وإنه من الأفضل بدلا من شغل الناس بالأمور الشكلية للمعاملات مثلا وصورها التي كانت تتبع قديما البحث عن القيم والمبادئ والمثل الحاكمة عليها والعمل على الالتزام الأمثل بها، وتلك القيم تكوِّن بالضرورة مجموعة فرعية من منظومة القيم والمبادئ الإسلامية.

*****

إن التفقه في الدين لا يعنى الإلمام بما يسمونه بـ (الفقه)، فالفقه هو ملكة قلبية ذهنية إنسانية وإعمالها هو التفقه ومجالها هو القوانين والسنن وحقائق الأمور فمن أعملها بنجاح في أحد عناصر مجالها يقال إنه فقه هذا العنصر، فالتفقه في الدين يعنى إدراك سننه وأموره الجوهرية والإحاطة بها، ولقد كان التفقه في العصر الإسلامي الأول وبالنظر إلى طبيعة الأميين يستدعى التلقي المباشر عن الرسول، لذلك كان لابد أن ينفر من كل فرقة من العرب والأعراب طائفة منهم ليتفقهوا في الدين عن طريق الأخذ المباشر عن الرسول وعن طريق الممارسة العملية لما يتلقونه فيصلون معه ويقاتلون المشركين معه …. إلخ، ففي هذا العصر لم تكن توجد وسائل إعلام حديثة ولا كتب ولا وسائل اتصال ولامواصلات سريعة ولا شبكات معلومات واتصال، ولقد بينت الآية الغاية من تفقه الطائفة النافرة وهو أن ينذروا قومهم، والإنذار من مهام الرسول نفسه، فهم سيكونون رسله إلى أقوامهم، لذلك لا ينبغي اتخاذ هذه الآية وسيلة لافتعال طبقة كهنوتية تحول بين الناس وبين دينهم أو أن تجعل من نفسها وسيطا بين العبد وبين ربه أو تحتكر لنفسها حق التأويل والتفسير.

ولقد حرص الله سبحانه على أن يجنب البشرية الويلات التي عانتها قبل ظهور الإسلام من تلك الطبقة الكهنوتية فحمل حملة شديدة على الأحبار والرهبان وندد بمسلكهم وأعلن بكل جلاء ووضوح أنه اقرب إلى الناس من أنفسهم وأنه معهم أينما كانوا وبيَّـن للناس أمور الغيب في آيات يسَّـرها للذكر، وهذا لا يعنى أن الدين ليس عميقا أو أنه لا يتضمن إلا أمورا سطحية، بل يعنى أن معتنق الإسلام يستطيع أن يجد فيه ما يضمن له السعادة والنجاة مهما كانت قدراته وامكاناته، ذلك لأنه مصوغ بأسلوب متشابه بحيث يتضمن ما يلبى مطالب كل الناس مهما تفاوتت مراتبهم ويسمو بمداركهم وعلى رأس هؤلاء  الصفوة من أولي الألباب.

إن الفقه هو ملكة قلبية لدي الإنسان بها يدرك معنى القول أو مغزى القانون أو السنة بحيث يمكنه استيعابه وتطبيقه على كل ما يدخل في مجاله ونطاقه، وهو أيضا صفة تعني تفوق الملكات الذهنية لدي الإنسان وقدرته على إعمالها والإفادة منها، فالفقيه هو من يجيد استعمال ملكاته لتحقيق مقاصده، والصبر يعبر عن متانة الكيان أو البنيان الإنساني أي للفرد أو الأمة، وهو يعني قدرتها على الصمود ومواجهة الشدائد والمثابرة، ولقد ضمنت آيات القرءان النصر للكيان المتصف بالصفتين بالإضافة إلى قيامه بالركن الأعظم؛ ألا وهو ذكر الله، ومجال الفقه هو الآيات الكتابية والقوانين والسنن والظواهر الطبيعية أي الآيات الكونية والنفسية، أما مجال الفهم فهو يتعلق بكيفية  إعمال تلك القوانين وإنزالها على الأمور الجزئية، فالفقه هو الذي يمكن الفئة القليلة من المؤمنين الصابرين من التغلب على فئة تفوقها عددا من الذين كفروا، ومن البديهي أنهم لم ينتصروا لمعرفتهم كيفية استخراج الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية أو لأنهم يعرفون الفرق بين فرائض الوضوء وبين سننه.

*****

إن كلمة فقه كجملة حرفية تتضمن فتحا يبدأ من الخارج وينفذ إلى داخل الكيان ويتعمق إلى أن يصل إلى أعمق الأعماق فيؤثر بذلك على الكيان الجوهري، فالفقه هو ملكة قلبية ذهنية مجالها الآيات الكتابية والكونية وما يسري فيها ويحكم عليها من السنن الإلهية ومقتضياتها من السنن الكونية.

*****

إن الفقه طبقًا للاصطلاح القرءاني هو الإدراك الكلي الشامل المنور بنور الإيمان للقوانين والسنن الإلهية والكونية وما تقتضيه من علوم طبيعية ومادية وإنسانية واجتماعية وتاريخية وتطبيقية، فالفقه هو الإدراك الشامل والبصيرة النافذة من حيث القلب الإنساني أي من حيث لبّ الإنسان وجوهره الحقيقي، ولذا فمتعلق الفقه هو الجوهري من الأمور، فبالفقه يدرك الإنسان أن أي شيء يراه هو آية من آيات الله تعالي، والفقه هو أيضاً الهيكل العام الذي يربط الأمور ببعضها البعض والعلوم ببعضها البعض، فبه يمكن معرفة كيف تستند السنن الكونية إلى السنن الإلهية، ولذا فالمؤمن الفقيه يدرك الجوهري من الأمور والارتباطات الكلية العظمى بين أنساق القوانين والسنن، ولذا فإنه أقوى من غيره، ولذا فجماعة المؤمنين الفقهاء لا يمكن أن تهـزم، ويجب القول بأن التحقق بمقتضيات الأسماء الحسني هو الوسيلة العظمي لاكتساب الكمالات وإعداد القوة.

والتـفـقُّـه في الدين إنما يكون فيما يحصل به الإنذار والتبشير؛ أي  في أمور الدين الأساسية والحقيقية، وعلى رأسها إذعان الإنسان وانقياده التام لربه وتوجه القلب نحوه بالإجلال والخشوع والحب، ولا يمكن للفـقيه أن ينذر إلا إذا كان لديه القلب التـقى النـقي الخاشع الذاكر، وليس التفقه بالتـنطع والتـقعر وتحويل الدين إلى سلسلة لا تتناهى من الإصر والأغلال التي تكبل الناس وتعوق انطلاقهم وتصدهم وتصد غيرهم عن سبيل ربهم، ولقد قال تعالي:

{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(122)}(التوبة)،

فالتفـقه كما تشير إليه الآية يتطلب أن يقوم الإنسان لرب العالمين، وبأن ينفر جهاداً فى سبيله قاصداً وجهه مخلصاً له قلبه ودينه وبهدف نفع الناس، ولذا فإن التفـقُّه يكون بالممارسة العملية للدين وبإذكاء المشاعر الوجدانية وباكتساب المهارات والملكات العقلية، فالتفـقه لابد من أن يؤدى إلى سموِّ الذكاء الإنساني بشقيه الوجداني والعقلي، وبه يمكن أن يطالع الإنسان آيات ربه دون أن ينشغل بها عنه، بل تكون هي سبيله إلى زيادة معرفته به.

*****

إن مصطلح الفقه يطلق على عدة أمور، فهو ملكة ذهنية من ملكات القلب تقتضي نشاطا معينا اسمه التفقه يترتب عليه فقه هذا الأمر؛ أي الإلمام الذهني به والإحاطة القلبية بصورة كيانه الأمري، والفقه هو فتح يبدأ من الخارج ويصل إلى الذروة حتى يصل إلى صورة الشيء في عالم الغيب وقد يصل إلى أصله هنالك، وهذا الشيء قد يكون سنة أو حكمة أو حقيقة أو ماهية أو أي كيان أمري آخر، فمن فقه القول مثلاً فقد أدرك الكيانات الأمرية التي هي أصله ومآله، والفهم والفقه هو فتح يبدأ من الخارج مقترنا بإدراك الصورة الغيبية المذكورة ويتضمن الاهتداء إلى ما هو أتم وأمثل من عناصر وصور المجال، فهو يتضمن تطبيق الأمور التي تم فقهها على ما يدخل في نطاق عملها وتحققها، فالفقه يتضمن إدراك المعني أو المغزى للأقوال والآيات أما الفهم فمجاله القضايا والمسائل ويهدف إلى ادراك الحكم السليم أو الحل الصائب لها.

إن مجال الفقه هو الكيانات الأمرية من أقوال وآيات وقوانين وسنن وكلمات، وإن فقه أمر ما هو ثمرة إعمال الملكات الذهنية فيه، والإعمال الذي يقصد به فقه الأمر هو التفقه فيه، وهو يتضمن التفكير والتدبر والتعقل ومداومة النظر في الأمر وتقليبه من كافة جوانبه الممكنة، فالفقه يتضمن إدراك مغزي القانون أو معني العبارة اللغوية أو الكلمات او معني القول، فمن أدرك مقصد القائل أو معني قوله فقد فقه القول، وأمراض القلب تمنع الفقه السليم للأمور، أما الفهم فمجاله القضايا والمسائل، فهو الوصول إلى الحكم أو الراي الأمثل أو الحل الصحيح لها، ولقد حدث لبس بين معني الفقه وبين معني الفهم بسبب حرص رجال الكهنوت الشديد على إهمال وتحريف المصطلحات القرءانية، ولقد برع الشيطان في استخدامهم لحمل الناس على هجران القرءان.

إن الفقه هو ملكة من ملكات القلب الإنساني كالعقل، وله ميادينه ومجالاته وهي السنن والآيات الكتابية والكونية والمقاصد والحكم الدينية، وهو من الأمور اللازمة لتمام استخلاف الإنسان في الأرض ولإعداد الإنسان للعيش في العالم الأرقي، أي أنه من لوازم تحقيق مقاصد الدين العظمي، وهو من شروط تحقيق النصر والغلبة.

*****

إن مجال الفقه هو الآيات والسنن والظواهر الطبيعية وكل ما يمكن أن يصل إلى القلب الإنساني من أحاديث وصور وأنباء، وهو يهدف إلى إدراك ما هو وراء ما يصل إلى القلب من معطيات الحواس أي إلى إدراك حقائق وكيانات أمرية كالقوانين والسنن والمقاصد والحكم، والتفقه هو النشاط القلبي الذي يمكن أن يؤدي إلى ذلك، ولكي يمكن لهذا النشاط أن يؤتي ثمرته لابد من تفصيل الآيات وتجميع البيانات وتقليب النظر فيها والتفكير فيها، فالتفكر والتفقه وغيرهما من ضروب النشاط الذهني يؤدي إلى فقه الأمر وعقله وبالتالي يمكن الانتفاع به.

*****

إن الفقه هو ملكة قلبية ذهنية يتم بها الإدراك المباشر لمدلولات الأقوال والكلام ومقاصد القائلين وكذلك لمعاني ومدلولات المعطيات الظاهرة وما يربط بينها من علاقات مما يؤدى إلى الحكم الصائب.

*******

1

1.png