نظرات جديدة في المرويات

الحب الأفلاطوني العريق بين الغريمين؛ الفقهاء والمحدثين

الجدول

الحب الأفلاطوني العريق بين الغريمين؛ الفقهاء والمحدثين


جاء في كتاب "السنة المطهرة بين أصول الأئمة وشبهات صاحب فجر الإسلام وضحاه" للشيخ سيد أحمد رمضان المسيّر أستاذ التفسير والحديث في كلية أصول الدين:

"وعمل الفقهاء بالنسبة إلى (السنة) إنما هو استخراج الحكم منها واعتبارها دليلا من أدلة الأحكام الشرعية، فالصحة وما إليها غاية بحث المحدث، ولكنها عند الفقيه وسيلة إلى المقصود وطريق إليه، ثم هو بعد ذلك له نظر أوسع ومدرك عام شامل، فهو ينظر إلى المسألة من جميع وجوهها، ويفهمها على شتى مراميها بناءً على ما فهمه من روح الشريعة وعلى ما استنبطه من قواعدها، فكان من ذلك اختلاف النظرتين وتغاير الموقفين، فما يصححه المحدث قد لا يأخذ به الفقيه، وما يرتضيه الفقيه قد لا يعترف به المحدث، وكلٌّ راضٍ عن الآخر في عمله، شاكرٌ له جميل سعيه، فالحديث الصحيح عند علماء الحديث هو ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة، ولكن الفقهاء لا يعتبرون كثيرًا من العلل التي يعلل بها المحدثون، فتراهم يأخذون بالحديث وإن كان فيه بعض كلام للمحدثين بناءً على أصولهم التي أصلوها وقواعدهم التي ارتضوها"!!!!!!!!!!!!!!!!!

ثم ذكر بعض الاقتباسات منها قول ابن عبد البر في الاستذكار لما حكى عن الترمذي أن البخاري صحح حديث "البحر هو الطهور ماؤه"، وأهل الحديث لا يصححون مثل إسناده، لكن الحديث عندي صحيح لأن العلماء تلقوه بالقبول"!!!!

نقول: مروية البحر منسوبة إلى أبي هريرة، قال: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ) رواه الإمام مالك وأصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان.

هذه المروية صحيحة ليس لأن العلماء تلقوها بالقبول ولكن لأنها متسقة مع القرءان، فصيد البحر هو حلال طبقا لنصوص محكمة قطعية الدلالة، ولا توجد أية حاجة للنص في القرءان على أنه يجوز الوضوء بماء البحر، فالقرءان يخاطب أناسا يعقلون ويفقهون، والناس يغتسلون في مياه البحار منذ أن عرف الإنسان وجوب غسل جسمه، القرءان تبيان لكل شيء، ولم يحرم الاغتسال بماء البحر، فلا يوجد أي داعٍ أصلا للسؤال عن حكم الاغتسال أو الوضوء بمائه.

ثم أضاف صاحب الكتاب المذكور بعد اقتباسات أخرى: "والمقصود من ذلك كله أن الفقيه قد يأخذ بما يضعفه الحديثي من الحديث، لأنه يبحث عن المعنى من حيث هو بقطع النظر عن اعتباره من طريق خاص"!!!!!!

ثم ذكر قول الكوثري: "وذلك لا ينافي الصحة عند المحدثين وإلى علل لا يعدها المحدث قادحة".

نقول: وهذا إقرار بأن عمل المحدثين ليس بكافٍ، فأقصى ما يمكن أن يصلوا إليه هو تقديم نص محتمل الصحة، وليس لهم أن يقطعوا بصحته بالنظر إلى مجمل تاريخ الأمة وما واكبه من تاريخ تدوين المرويات.

ثم أضاف: "فالمرسل ليس بصحيح على طريقة المحدثين ومصطلحهم لانقطاعه وعدم اتصال إسناده إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، ومع هذا فقد أخذ به أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه، لأن معناه صحَّ عندهم وثبت لديهم بما عضده من القرائن واحتف به من الشواهد".

وقال نقلا عن الكوثري عن ابن رجب: "واحتج بالمرسل أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه وكذا الشافعي وأحمد وأصحابهما إذا اعتضد بمسند آخر أو بمرسل آخر بمعناه عن آخر فيدل على تعدد المخرج، أو وافقه قول بعض الصحابة، أو إذا قال به أكثر أهل العلم، فإذا وجد أحد هذه الأربعة دلَّ على صحة المرسل"!!!!!

وأضاف ما خلاصته أنه رغم أن المرسل ليس بصحيح عند المحدثين فمراد الفقهاء هو صحة المعنى الذي دلَّ عليه الحديث، فإذا عضد ذلك المرسل قرائن تدل على أن له أصلا قوي الظن بصحة ما دلَّ عليه، فاحتج به مع ما احتف به من القرائن، وهذا هو التحقيق في الاحتجاج بالمرسل عند الشافعي وأحمد وغيرهما، بل بالقول بصحة المرسل، وقد قال ابن حنبل في مرسلات ابن المسيب أنها صحاح.

نقول: ولكن كيف سيعرف الفقيه المزعوم صحة المعنى الذي دلَّ عليه الحديث؟ وإذا كان يعرف المعنى الصحيح مسبقا فما هي حاجته إليه أصلا؟ وكيف يعتبره بعد ذلك الأصل الثاني من أصول التشريع والظنون تحف به وتحيط به من بين يديه ومن خلفه؟

ومع ذلك فما خلصوا إليه هو الصحيح!! ولكن المشكلة هي في عدم اتساقهم مع أنفسهم والخلل الماثل في منطقهم، ويمكن بيان الأمر كما يلي:

1. المشكلة عامة، وليست خاصة بالمرسل فقط، فكل المرويات تحيط بها الظنون من بين يديها ومن خلفها بالنظر إليها ككيان مكون من سند ومتن، أي بالكيان الناتج عن عمل جامعي المرويات، ولكن مشكلة المرسل هي بالطبع أشد.

2. عمل جامعي المرويات لازم وضروري ولكنه غير كاف، وكتبهم لا يمكن اعتبارها من مصادر الدين بالحالة التي هي عليها.

3. لابد من وجود مرجع حقيقي يمكن الاحتكام إليه عند النظر التالي للمرويات.

4. هذا المرجع هو بالضرورة المصدر الأول للدين، وهو القرءان الكريم.

5. ولما كان للقرءان نظمه الفريد في إيراد العلوم الدينية فلابد من منهج لاستخلاص عناصر الدين منه

6. هذه العناصر هي التي يجب الاحتكام إليها، فلا يجوز اقتطاع عيارة من سياقها الخاص ومن سياقها العام والاحتكام إليها أو بالأحرى لتحميلها بآرائهم المسبقة، وهذا ما فعله الفقهاء والأصوليون والمتكلمون بدرجات متفاوتة.

7. ومن المعلوم أن جهابذة المرويات لم يكونوا يعلمون شيئا عن علم الاحتمالات، وتصنيفهم (الحديث) إلى متواتر ومتفق عليه وصحيح وحسن وغريب وضعيف .... الخ ليس إلا إعطاء درجات احتمال لصحة المتن، فالصحيح مثلا احتمال صحته 90%، والضعيف احتمال صحته أقل من 50% .... الخ

8. هذه الدرجات ليست درجات نهائية، والاختبار النهائي الحاسم هو مدى اتساق متن المروية مع عناصر الدين المستخلصة من القرءان الكريم.

9. لذلك قد يصح متن مروية ضعفها الجهابذة، وقد تبطل مروية أعطوها أعلى درجات الصحة.

وأضاف صاحب الكتاب: "كذلك الفقيه قد يرفض العمل بأحاديث صحيحة قوية حتى ولو كان ذلك في أصحّ الصحيح، وقد ردَّ أبو حنيفة كثيرًا من الأحاديث إذا عارضت عام الكتاب وخالفت ظاهره.

ونقل عن الليث ابن سعد قوله: "أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة كلها مخالفة لسنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ مما قال فيها مالك برأيه، ولقد كتبت إليه في ذلك!

وقال ابن عبد البرّ في كتابه جامع بيان العلم وفضائله: "ما أعلم أحدًا من أهل العلم إلا وله تأويل في آية أو مذهب في سنة ردَّ من أجل ذلك سنة أخرى بتأويل سائغ أو ادعاء نسخ"

وكل ذلك يعني أنه لا يجوز لأحد تصور أن المرويات والآثار وكلام المذاهب هي حقائق ثابتة كالحقائق الرياضية أو العلمية أو المنطقية، بل إن أمورها كلها تتصف بأقصى درجة من التسيب والذاتية والميوعة، وأخذها على محمل الجد يؤدي لا محالة إلى اختلاق أديان عديدة.

ومن يطالع كلام المحدثين والجهابذة والأصوليين والفقهاء لابد وأن يصرخ بأعلى صوته: "لا يمكن أن يكون رب العالمين قد ترك أمور دينه الخاتم مبعثرًا هكذا ليتم التعامل معه بمثل هذه الأساليب العبثية غير الموضوعية وغير الحقانية"!!

ولشدة حرص أئمة (السنة) من الخلفاء الراشدين وغير الراشدين على (السنة) فإنهم محوا كل أثرٍ لهذه (السنة) وبددوها تبديدا فلم يبق منها أثر موثق ولا عين، وظلت هكذا تراثا شفهيا عرضة لكل عوامل التعرية، وهذه لعمرك وسيلة للحفاظ على (السنة) لم تخطر ببال إنس ولا جان، حتى جاء الجامعون بعد أكثر من مائتي سنة ليطوفوا الأرض شرقا وغربا وطولا وعرضا لجمع التراث (الثقافي) الذي كان موجودا في عصرهم.

وقد اضطر الجهابذة لاختلاق الكثير من أسماء الأنواع ليتمكنوا من تصنيف هذا التراث، وزعم بعضهم أنهم جمع مئات الألوف من المرويات ولم يصححوا إلا حوالي 1% منها!!!! كما أنهم اضطروا لفحص ما تخفي صدور عشرات بل مئات الألوف من الرجال والنساء موزعين على ستة أجيال من البشر بدون أن يروا أكثرهم وبدون استعمال آلات كشف الكذب أو آلات السفر عبر الزمان، حقًّا إنهم السلف!!!

والحق أن كل كلامه هذا يصل بالأمور إلى أقصى درجة من الميوعة ويؤدي إلى اختلاق أديان جديدة!!

ولكنه مع ذلك يخفف من غلواء من جعلوا المرويات كآيات القرءان بل قدموها عليها.

ولقد برع الكاتب في تصوير هذه اليوتوبيا، أو بالأحرى الغابة، الأسطورية التي يتعايش فيها هاتان الطائفتان من الوحوش؛ المحدثون والفقهاء، كل طائفة منهما تعمل على شاكلتها دون أن تتباحث مع الأخرى، وكلٌّ منهما راضية تماما عن عملها، يقوم المحدثون بفحص ما لديهم من البضاعة فيقولون إن هذه المروية في أعلى درجة من الصحة فيضرب بها الفقهاء وجوههم أو عرض الجدار أيهما تيسر، ويقولون إن خبراتهم الخاصة توجب رفض هذه المروية.

ويقوم المحدثون برفض مروية لأنها منقطعة فيقول الفقهاء، ولكننا رغم أنوفكم سنأخذ بها لأن معناها صحيح وفق خبراتنا الذاتية المتراكمة، فتكون النتيجة أن يقوم المحدثون بتوجيه الشكر رسميا للفقهاء، فيقيم الفقهاء على شرفهم حفلات غنائية راقصة مجلجلة، فيرد لهم المحدثون التحية بأحسن منها، ويظل الجميع يتبادلون القبلات والتهاني والتحايا إلى يوم يبعثون، وكما قال الكاتب: "وكلٌّ راضٍ عن الآخر في عمله، شاكرٌ له جميل سعيه"!!!!!!

ولكن المشكلة هي أن المحدثين لم يصبروا طويلا، أو بالأحرى لم يصبروا أصلا على حضور هذه الحفلات الساهرة الماجنة رغم ما فيها من ملذات وإغراءات، وأحسوا أن في الأمر خدعة، فظهر من تململوا ثم رفضوا بقوة الاستمرار في تمثيل هذا المشهد الرومانتيكي الكوميدي، وأعلنوها مدوية: "إن خبر الآحاد هو حجة كاملة تامة في كل أمور الدين، وعلى المتضرر أن يخبط رأسه في أي جدار، ومنكر خبر الواحد هو منكر لما هو معلوم من الدين بالضرورة".

وهكذا أصبح في مقدور أي غرٍّ ساذج أن يفتح أي كتاب من كتب المرويات فيقرأ أية مروية فيخرج لتوه مطالبا بإعمالها، ويستحل دم من لا يراه يأخذ بها، أو يفجر نفسه في أي حشد من الأبرياء عقابا للبشرية جمعاء على عدم الأخذ بها.

ومع ذلك فالموقف المنسوب إلى الفقهاء يمكن أن يكون صحيحا إذا تمَّ إعمال المنهج الذي ذكرناه وإذا تم تعريف الفقيه تعريفا سليما، فالفقيه ليس هو المتخصص في شكليات العبادات والمعاملات وإنما هو من لديه إدراك شامل وإحاطة بالسنن الكونية والشرعية والتشريعية الماثلة في القرءان الكريم إما صراحة وإما لكونها من فحوى آياته وإما أنه يمكن استنباطها منه بطريقة قرءانية منطقية صارمة.

وفي هذه الحالة فمذهب جمهور العلماء متفق مع قولنا إذا كان المقصود بالقرائن نصوص ومعاني وفحاوى آيات القرءان الكريم؛ أي عناصر دين الحق المستخلص منه.

*******

1

عدد المنشورات : ٥٣٧

1.png