الإقرار باختلاف الناس ووجوب التعايش معه والتوظيف الإيجابي له

أمر قرءاني وعنصر قيمي

الإقرار باختلاف الناس ووجوب التعايش معه والتوظيف الإيجابي له

إن من مقاصد الدين العظمى أن يتعلم المسلم القيم والسنن التي يجب أن يتعامل مع الآخرين بمقتضاها، والمسلم مأمور بأن يتعايش مع الأمور الواقعة التي ذكرها الله عزَّ وجلَّ في كتابه وأن يوظفها توظيفا إيجابيا مثمرا، ومنها أن الناس مختلفون وسيظلون كذلك وأن كل ما جرى قد كان بمشيئته أي بمقتضى سننه وأنه لذلك فالحكم الفصل في كل الاختلافات الدينية مؤجل إلى يوم القيامة، 

قال عزَّ وجلَّ:

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}البقرة113، {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ }البقرة253، {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }آل عمران55، {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }المائدة48، {قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}الأنعام164، {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}يونس19، {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }يونس93، {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ }هود110، {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ{118} إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ{119} }هود، {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }النحل92، {إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}النحل124، {اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}الحج69، {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}السجدة25، {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}الزمر3، {قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}الزمر46، {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ}فصلت45، {وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}الجاثية17.

ويلاحظ تكرار تأكيد الله عزَّ وجلَّ في آيات كتابه كلما ذكر الاختلاف على أنه هو الذي سيقضي ويحكم في هذا الاختلاف وأن الحكم الفصل سيكون في يوم القيامة، ذلك لأن اختلاف الناس من مقتضيات طبيعة الإنسان ومن لوازم تحقيق المقاصد الوجودية والدينية، والمسلم مأمور بالعمل بمقتضي منظومة القيم الإسلامية، فهو مأمور بأن يمارس أسمى الفضائل مع الناس كافة، ومن ذلك أن يقسط إلى أهل الكتاب وأن يبرهم وأن يقيم علاقات حميمية معهم فيأكل من طعامهم ويتزوج منهم، هذا مع علمه التام بحقيقة ما هم عليه من ضلال مبين، ولذلك فهو غير مسموح له بأن يجاملهم على حساب دينه ولا أن يجلس معهم وهم يخوضون في آيات الله، ولا أن يواليهم إذا ما ناصبوا المسلمين عداءً على أسس عقائدية وظاهروا عليهم أعداءهم أو أظهروا العداوة العقائدية لهم أو فتنوهم في دينهم.

إنه يجب تذكر دائما أن الناس كلهم ينتمون إلى نفس النوع، وأن الله تعالى قد جَعَلهمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِيتَعَارَفُوا وليس ليتقاتلوا، وأن الأكرمية عنده بالتقوى، وليس بالانتماء إلى قبيلة أو شعبٍ مختار،

 قال تعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير} [الحجرات:13]

وبذلك يأثم من جعلوا الاختلافات بين الناس في السلالة أو اللغة أو الدين أو المذهب أو أي شيء آخر وسيلة للتناحر والصراع، فيجب التبرؤ من العنصرية والقبلية والشوڤينية، كما يجب التبرؤ من الدين الأعرابي الأموي الإجرامي القائم على الإثم والبغي والعدوان، ووجوب استئصال الآخرين أو انتهاك كافة حقوقهم.

إنه يجب العلم بأن الله تعالى هو رب العالمين وخالق كل شيء، وأنه هو الملك الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ، وأنه بذلك فإن حالة السلم هي الحالة التي يجب أن تسود، وأن القتال هو الاختيار الكريه الذي لا يجوز اللجوء إليه إلا عند الضرورة القصوى، كما يجب إنهاؤه عندما تلوح أية بادرة جنوح للسلام من العدو مع إلزام هذا المعتدي بدفع تكاليف عدوانه.

وفي دين الحق ردّ العدوان يكون بمثله، وليس بأكثر منه، الرد بأكثر منه هو عدوان، والمعتدي بغيض ومكروه عند ربّ العالمين.

ورد العدوان يكون على من قام بالعدوان، وليس على أقاربه مثلا، ولا على الأبرياء الذين لا تربطهم أي صلة به.

ومن قتل نفسًا بغير نفس هو مجرم أثيم، فهو لم يمنح الحياة لأحد ليسلبها منه، فهو معتد على سلطات إلهية، ولا يمكن التقرب إلى الله بالاعتداء على سلطاته.

والأفضل من رد العدوان بمثله العفو عند المقدرة، وذلك عملا بمقتضيات المثنى الإلهي "العفوّ القدير".

أما من لا يستطيع رد العدوان بمثله وليس لديه القدرة على المعتدي فعليه بالصبر وطلب النصرة من الله تعالى.

*******

عدد المنشورات الفرعية : 63