مسألة "المنزلة بين المنزلتين

إن مشكلة المتكلمين في العقائد هي في اختلاسهم لأنفسهم بعض السلطات الإلهية، وفي إصرارهم على تصنيف الناس، بدون أي داعٍ أو مبرر.

ومن ذلك إصرارهم على إطلاق لقب (شرعي) على من تورط في اقتراف كبيرة، فمنهم من أصرّ على تكفيره، ومنهم من وضعه في منزلة بين المنزلتين، أما أهل السنة فسموه بالفاسق، وكأن وصف إنسان بالفاسق هو أمرٌ هيِّن!!

وكل هؤلاء لم يحاول أحد منهم، كما هو ظاهر، الرجوع إلى القرءان واستخلاص قوله في المسألة، وإنما قال بقوله، ثم حاول تأويل الآيات لتوافقه.

وبالطبع ليس المقصد دراسة سبب نشأة أقوالهم، أو دراسة علاقتها بالأمور السياسية، وإنما بيان قول دين الحقّ في المسائل ذات الصلة دون التقيد بمصطلحاتهم، ولا بأسلوب تعاملهم مع المسألة.

*****

قال المعتزلي واصل بن عطاء: "أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلق، ولا كافر مطلق، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر".

أما الخوارج فيقولون بكفر مقترفي الكبائر، والمرجئة يقولون: إنهم مؤمنون كاملو الإيمان، وأهل السنة يقولون: إنهم مؤمنون ناقصو الإيمان، قد نقص إيمانهم بقدر ما اقترفوا من الكبائر، أما واصل فيقول: إنهم فاسقون في منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان.

وكل هذه الأقوال خاطئة أو غير دقيقة.

يقول القاضي عبد الجبار: "صاحب الكبيرة له حكم بين الحكمين، فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن، بل يفرد له حكم ثالث، وهذا الحكم الذي ذكرناه هو سبب تلقيب المسألة بالمنزلة بين المنزلتين، فإن صاحب الكبيرة له منزلة تتجاذبها هاتان المنزلتان، فليست منزلته منزلة الكافر ولا منزلة المؤمن؛ بل له منزلة بينهما".

فمقصود المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين هو أن مقترف الكبيرة ليس مؤمنا ولا كافرا، لا في الاسم ولا في الحكم؛ بل في منزلة بين المنزلتين، فلا يسمى مؤمنا، ولا كافرا، وإنما يسمى فاسقا.

وحكمه كذلك بين الحكمين، فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن، وإنما له حكم بينهما، هذا في الدنيا، وأما في الآخرة؛ فإنه يخلد في النار، لكن يكون عذابه أخف من عذاب الكافر.

ويقول المعتزلة: ((وحكم الله في المنافق: أنه إن ستر نفاقه وكان ظاهره الإسلام، فهو مسلم له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، وإن ظهر كفره استتيب، فإن تاب وإلا قتل، وهذا الحكم زائل عن صاحب الكبيرة، وحكم الله في المؤمن الولاية والمحبة والوعد بالجنة، وحكم الله في صاحب الكبيرة أن لعنه وأعد له عذابا أليما، فوجب أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن لزوال أحكام المؤمن عنه في كتاب الله، ووجب أنه ليس بكافر، لزوال أحكام الكفار عنه، ووجب أنه ليس بمنافق لزوال أحكام المنافقين عنه في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجب أنه فاسق فاجر لتسمية الله له بذلك، لذا فهو فاسق مخلد في النار لتوعد الله له بذلك، ولكنه في عذاب أخف من عذاب الكافر))

وقالوا: ((إن الفاسق قد أخرجه فسقه من الإيمان، والإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله))، وهم يقصدون بالفاسق مقترف الكبيرة وليس الفاسق بالمعنى والاصطلاح الوارد في القرءان، فالمعنى الذي يقصدونه: "إن مقترف الكبيرة قد أخرجه ذلك من الإيمان، والإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله".

تفنيد كلامهم:

1. قولهم إن المنافق إن ظهر كفره استتيب، فإن تاب وإلا قتل، وهو أيضًا كلام أهل السنة، باطل من جذوره، ولا توجد آية في القرءان تأمر باستتابة المنافقين أو قتلهم، ولم يقتل الرسول أحدًا من أهل النفاق الذين اشتهر أمرهم وذاع العلم بنفاقهم، بل إن الرسول لم يُعاقب أحدًا من (الصحابة الأجلاء) الذين حاولوا اغتياله عند عقبة تبوك، ولم يُفصح عن أسمائهم إلا لحذيفة، هذا رغم أنهم كانوا أكبر منافقين في تاريخ الأديان، ولم يكن (كبير المنافقين) عبد الله بن أبي بن سلول بالنسبة إليهم شيئا مذكورا.

2. لا يجوز نفي الإيمان عن مقترف الكبيرة، ولقد اقترف بعض (الصحابة الأجلاء) كبيرة الفرار من القتال معرضين الرسول نفسه للخطر الشديد، والقرءان يسجل عليهم حدوث ذلك مرتين، ويعلن أن الله قد عفا عنهم في الحالة الأولى، ولم ينفِ عنهم الإيمان، بل أمر الرسول بأن يعفو عنهم وأن يستغفر لهم وأن يشاورهم في الأمر، ولم يسمهم القرءان بالفاسقين، واقتتال المؤمنين يمكن حدوثه، وكذلك ما يترتب عليه، ولا ينفي ذلك عن المتقاتلين صفة الإيمان رغم تورطهم في القتل، وربما في البغي.

3. قولهم إن مقترف الكبيرة ليس بكافر صحيح إذا كانوا يقصدون به الكفر المخرج من الملة، والحق أنه لا يخلو مذهب محسوب على الإسلام من كفر، وإن تفاوتت النسب، وإن تنوَّع الكفر.

4. قولهم "إن مقترف الكبيرة قد أخرجه ذلك من الإيمان، والإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله" باطل بطلانًا مطلقا، وليس عليه أي حجة أو دليل، وآيات القرءان وحقائق الواقع تدحضه دحضا، والإيمان يزيد وينقص وفقًا لآثار العمل، ومن الآيات التي تنص على زيادة الإيمان:

{وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُون}[التوبة:124]، {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}[الأحزاب:22]، {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: 173]، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2]،

فإيمان الإنسان شديد التغير، وهو يزيد وينقص بآثار أعماله وبما يختلط بهم من الناس وبما يسمعه من أقوال، ومن يقترف معصية أو كبيرة من كبائر الإثم ثم يبادر بالتوبة الصادقة والاستغفار سيخفف عن نفسه آثار المعصية، إن من أكثر الأمور ثبوتًا شدة تغير درجة الإيمان.

5. مقترف الكبيرة غير مخلد في النار إلا إذا كانت الكبيرة قتل مؤمنٍ متعمدا، بل يُعذَّب على قدر ذنبه لقوله تعالى:

{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء... } [النساء: 48]. ولقوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)} [الزلزلة]

6. الحساب على الأمور الإلهية هو شأن إلهي، فهو الأعلم بما لدى كل إنسانٍ من إيمان وتقوى، وهي مناط الأكرمية عنده، والإيمان والتقوى من صفات الكيان الإنساني الجوهري، الذي لا يدرك كافة أبعاده ويعلم كافة دوافعه إلا الله.

ومسألة المنزلة بين المنزلتين هي مثال على مدى ضحالة وسفسطة هؤلاء المعتزلة وشغلهم الناس بما لا يلزم، والمضحك أنهم جعلوا هذه المسألة من أصول دينهم!!! لماذا يقحم هؤلاء أنفسهم في شأنٍ إلهي أصلا؟ وهم لا يمكن أن يحيطوا بكل أبعاد مشكلة كهذه، ولا يمكن أن يكون لها قانون عام، فلا يمكن أن يستوي كل من اقترفوا الكبائر.

وما هي ضرورة البحث عن مصطلح يوصف به مقترفو الكبائر؟

إنه لا يوجد ما يلزم أحدًا بالبحث عن اسم شرعي لمقترف الكبيرة، ووصف امرئ بالفاسق ليس بالأمر الهين، أما مسألة الإيمان فلا شك أن قوة إيمان الإنسان تختلف على مدى عمره، وأنها تزيد وتنقص، ليس باقتراف الكبائر فقط بل بالاطلاع على بعض الشبهات ومخالطة أهل الكفر والغفلة، هذا أمرٌ ثابت بالقرءان وبالحقائق الواقعة، إن القرءان تحدث عن كفر الناس بعد إيمانهم، أليس الكفر هو ذهاب الإيمان بالكلية؟ ولكن بعضهم يصرّ على أن يتعامل مع القرءان بمنطق الصبي الغرّ، أو بمنطق أن القرءان كتابٌ للأطفال!!!

وأهل السنة يقولون بأن مقترف الكبيرة فاسق، ولو رجعوا إلى القرءان لعلموا أن الفسق أمرٌ شديد الخطورة، وأنه موجب للهلاك ومقترن بالصفات الشيطانية الكبرى: الكفر، الشرك، النفاق، الظلم، وها هي بعض الآيات التي تتحدث عن الفسق والفاسقين، ومنها سيتبين من هو الفاسق:

قال تعالى:

{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُون}[التوبة:67]، {وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُون}[البقرة:99]، {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُون}[آل عمران:110]، {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) }[المائدة]، {.... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون} [المائدة:47]، {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُون} [المائدة:49]، {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُون}[المائدة:59]، {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)} المائدة، {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين}[المائدة:108]، {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (100) تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)} الأعراف، {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9)} التوبة، {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِين}[التوبة:53]، {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين}[التوبة:80]، {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُون}[التوبة:84]، {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِين}[التوبة:96]، {وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِين} [الأنبياء:74]، {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون}[النور:4]، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون} [النور:55]، {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِين}[النمل:12]، {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُون} [السجدة:18]، {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِين}[الزخرف:54]، {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُون}[الأحقاف:35]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين} [الحجرات:6]، {وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِين}[الذاريات:46]، {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُون}[الحديد:16]، {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين}[الصف:5]، {سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين}[المنافقون:6]، {.... يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِين} [البقرة:26].

{كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُون}[يونس:33]، {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء:16]، {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً}[الكهف:50]، {إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُوا يَفْسُقُون}[العنكبوت:34]، {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُون}[السجدة:20]، {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُون}[الأحقاف:20].

الفسق لا يقل فداحة عن الظلم والكفر والنفاق، بل إنه مسبب للكفر ومولد له وقرين له، فالفسق هو المرض الخطير الذي يضرب كيان الإنسان الجوهري فيدفع المصاب به إلى الكفر بالله وآياته ورسالاته والتمرد على أوامر الله والحكم بما لم ينزل الله، فالفاسق يكفر بعد الإيمان ويضل بفسقه، ولا يستحق أن يهديه الله، والفسق من الأمور الموجبة للهلاك، ولقد جعله الله مضادا للإيمان، ومن القرءان يتبين ما يلي عن مواصفات وعواقب الفسق والممارسات الفسقية:

  1. الفسق مقترن بالنفاق ومسبب له.

  2. الفسق مقترن بالكفر بالآيات ومسبب له.

  3. الفسق هو الصفة التي دفعت أهل الكتاب للكفر بالرسالة المحمدية.

  4. الفسق مضاد للإيمان.

  5. الفسق من أسباب التمرد على الرسل.

  6. الفاسق لا يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله مثله مثل الظالم والكافر.

  7. الفاسق يرفض الإذعان لحكم الله.

  8. الفاسق يوالي الذين كفروا في تهجمهم على المؤمنين.

  9. الفاسق لا يشهد بالحق.

  10. الفاسق يكذب.

  11. الفاسق يقذف المحصنات بالباطل.

  12. الفاسق لا يستحق الهداية.

  13. الفاسق يستحق الإضلال.

  14. الفاسق لا عهد له.

  15. الفاسق لا يُقبل منه عمل.

  16. الاستغفار للفاسق لن ينفعه حتى ولو كان المستغفر نبيا.

  17. الفاسق يكفر بعد إيمانه.

  18. الفاسق يطيع الطغاة والمفسدين في الأرض ومدعي الألوهية.

  19. الفسق موجب للهلاك.

  20. الفاسق يتطاول على الرسل.

  21. الفاسق يحق عليه القول فلا يؤمن.

  22. الفاسق مأواه النار.

  23. الفاسق يُعذب في الدنيا بفسقه.

  24. القوم الفاسقون يعاقبون بالهلاك في هذه الدنيا.

ومصير الإنسان متوقف على الحالة التي يؤول إليها كيانه الجوهري

أما أهل السنة فهم متفقون كلهم على أن مقترف الكبيرة لا يكفر كفرا ينقل عن الملة بالكلية خلافًا لما قال به الخوارج؛ إذ لو كفر كفرا ينقل عن الملة؛ لكان مرتدا يقتل على كل حال، وهذه هي آية تسامح الوسطيين.

ويقول أهل السنة إن مقترف الكبائر لا يستحق الخلود مع الكافرين في النار خلافًا لما قال به المعتزلة، وليست كل الكبائر على نفس المستوى، ولقد نصَّت آية قرءانية على خلود قاتل المؤمن مُّتَعَمِّدًا في النار:

{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}[النساء:93].

ويقول أهل السنة إن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل، بل يقام عليه الحد، فدل على أنه ليس بمرتد.

وقولهم صحيح لولا ما يتضمنه من وجوب قتل المرتد!

أما الصغائر فقد ذكر أبو الحسن الأشعري أنهم لم يتفقوا أيضا على قول واحد بشأنها بل دار بينهم الخلاف في ذلك على أقوال ثلاثة:

1- أن الله سبحانه يغفر الصغائر إذا اجتنبت الكبائر تفضلا.

2- يغفر الصغائر إذا اجتنبت الكبائر باستحقاق.

3- أن الله لا يغفر الصغائر إلا بالتوبة.

أقوال المعتزلة لا تخلو من تحكم على الله سبحانه ومحاولة إلزامه بمقتضيات مقولاتهم وعقولهم، ومن مبادئ المعتزلة المشهورة عنهم قولهم بوجوب الصلاح والأصلح، وفي ذلك ما فيه من جسارة وعدم تأدب مع الله سبحانه وتعالى.

*******

المعتزلة يرون أن مقترف الكبيرة، لا مؤمن ولا كافر، بل له اسم بين الاسمين وحكم بين الحكمين، فلا يكون اسمه اسم الكافر، ولا اسمه اسم المؤمن، وإنما يسمى فاسقًا وكذلك فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن، بل يفرد له حكم ثالث وهذا الحكم هو ما يسمى بالمنزلة بين المنزلتين.

والمراد من هذا بيان الحكم الدنيوي لمقترف الكبيرة، ففيه أن مقترفها يسلب منه اسم الإيمان بالكلية، لأنه بارتكابها يزول ما معه من إيمان، فلم يعد مؤمنا غير أنهم في هذا الحكم الدنيوي لم يبلغوا به درجة الكافر فلم يجوزوا تسميته كافرا، كما لم يجوزوا تسميته مؤمنا، بل جعلوا له منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان وهي الفسق.

وكل هذا ليس إلا بحثا في التسمية والمعاملة الدنيوية إذ أنهم ذهبوا هذا المذهب ليؤدي لهم غرضين في آن واحد.

الغرض الأول: هو القول بأن مقترف الكبيرة يعامل في الدنيا كما يعامل بقية المسلمين فتجوز مناكحته، وموارثته، ودفنه في مقابر المسلمين، وغير ذلك من الأحكام الجارية عليه في الدنيا.

الغرض الثاني: هو القول بالتأبيد في النار فإنهم لم يوصلوه في الوصف الدنيوي إلى درجة الكفر، حتى تجري عليه تلك الأحكام الدنيوية، وعز عليهم أن يعطوه اسم الإيمان، لأنه في نظرهم لا بد وأن يدخل النار ليُجَازى بما عمل من السيئات، وداخل النار عندهم لا يخرج منها، والمؤمن لا يمكن أن يدخل النار في نظرهم.

قال المعتزلي القاضي عبد الجبار: "صاحب الكبيرة لا يسمى مؤمنا، هو ما قد ثبت من أنه يستحق بارتكاب الكبيرة الذم واللعن والاستخفاف والإهانة، وثبت أن اسم المؤمن صار بالشرع اسما لمن يستحق المدح والتعظيم والموالاة، فإذ قد ثبت هذان الأصلان، فلا إشكال في أن صاحب الكبيرة لا يجوز أن يسمى مؤمنا".

استدلال القاضي باطل، ولا علاقة له بالمسألة أصلا، واسم المؤمن يستحقه من آمن بأركان الإيمان، ومدح المؤمن والثناء عليه هو لبيان فضيلة الإيمان ولحث الناس على التحلي به، ولا يعني أنه معصوم من الوقوع في الكبائر، والقرءان يذكر بعض الكبائر التي اقترفها (الصحابة)، ومنها كبيرة الفرار من ميدان القتال مرتين، ولم يلعنهم بسببها، وإسراف الناس على أنفسهم لا يخرجهم من الإيمان أبدًا، واقتراف الإنسان كبيرة لا يجعله مستحقا بالضرورة للذم واللعن والاستخفاف والإهانة، وذمّ بعض الأفعال ومقترفيها ليس بالضرورة لإهانتهم ولعنهم، وإنما لعلاجهم وللتنفير من اقتراف الكبائر وحثهم على التوبة النصوح منها، ولذلك لا يجوز لأحد من الناس إهانة مقترف الكبيرة، بل بالأحرى يجب حثه على التوبة وإصلاح خطئه.

*****

قال المعتزلة: أما الدليل على أن مقترف الكبيرة لا يسمى كافرا فهو أنه جعل الكافر في الشرع اسما لمن يستحق العقاب العظيم، ويختص بأحكام مخصوصة نحو المنع من المناكحة والموارثة، والدفن في مقابر المسلمين، إذا ثبت هذا ومعلوم أن صاحب الكبيرة ممن لا يستحق العقاب العظيم ولا تجري عليه هذه الأحكام، فلم يجز أن يسمى كافرا.

دأب المعتزلة على إثبات كل مقولة من مقولاتهم باستعمال السفسطة وإلزام الناس بما لا يلزم وإثارة قضايا من لا شيء، القضية هي هل يجوز وصف مقترف الكبيرة بالكفر؟ الاتجاه السليم هو تعريف الكبائر، وتعريف الكفر، ثم دراسة هل يوجد أية علاقة تلازم ضرورية فيما بين الأمرين.

ومن يفعل ذلك سيتضح له أن تعريف الكافر ليس بالسهولة المظنونة، وأن للكفر درجاته العديدة، وأن هناك من يكفر ولا يتخذ من كفره دينا يحارب الآخرين من أجله، وهناك من يتخذ من كفره دينا يحمله على اضطهاد المؤمنين والتنكيل بهم، وهو يجاهر بكفره على رؤوس الأشهاد، كما أن هناك من يخفي كفره، وهناك من يكفر كفرا جزئيا بشيء من الدين، ولا يكاد يخلو من يتبع مذهبا أو دينًا من المذاهب والأديان التي حلت محل الإسلام من مثل هذا الكفر.

أما مقترفو الكبيرة فهم يتنوعون، هم أيضًا، من حيث الكبيرة التي يقترفونها، ومن حيث دوافعهم إلى ذلك، فهناك من يقترفونها مغلوبين على أمرهم لضعف عزيمتهم أو لإدمانهم إياها، وهناك من يتتبعونها في مظانها ويسارعون إليها عمدا.

فإصرار المعتزلة على توصيف مقترف الكبيرة وعلى الحكم عليه بالخلود في النار ما لم يتب وعلى أن يُلقَّب بالفاسق هو تعنت صبياني عنادي مضحك.

*****

عند المعتزلة: الإنسان مهما عمل من الخيرات فكلها تذهب هباءً منثورا عندما يقترف كبيرة، ذلك لأن هذه المعصية تحبط جميع تلك الأعمال الخيرة، فلا يبقى لها وزن، ولا يعود لها اعتبار، فمقترف الكبيرة إذا لم يقلع عنها بتوبة جازمة نصوح لا عودة بعدها فلا بد وأن يدخل النار خالدا مخلدا فيها، وداخل النار عندهم لا يخرج منها أبد الآبدين.

والحق هو أن السبيل إلى الجنة هو العمل بمقتضى الأوامر الإلهية الواردة في الآيات القرءانية، والسبيل إلى النار هو في المخالفة عنها، والإنسان غير معصوم، فيمكن أن يطيع ويمكن أن يعصي، والقانون هو: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون، فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه.

والعبرة هو بالحالة التي سيؤول إليها كيان الإنسان الجوهري عند نهاية حياته الدنيا.

ومقترف الكبيرة لم يكفر بالضرورة بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولذلك فهو لا يمكن أن يُخلد في النار مثل الذين كفروا وعملوا على إحباط الرسالات الإلهية، ولن يُخلَّد مؤمن في النار أبدا.

ومما استدل به المعتزلة على خلود مقترف الكبيرة في النار قوله تعالى:

{إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُون} [الزخرف:74]،

ووجه الاستدلال: أن المجرم اسم يتناول الكافر والفاسق جميعا فيجب أن يكونا مرادين بالآية، معنيين بالنار، لأنه تعالى لو أراد أحدهما دون الآخر لبينه، فلما لم يبينه دل على أنه أرادهما جميعا.

وهم كالعادة لم يحاولوا أن يعلموا ماذا تعني المصطلحات: "مجرم، أجرموا" في القرءان، بل إنهم لم يقرؤوا السياق كله، قال تعالى:

{إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76) وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81)ؤ الزخرف

فهذه صفات المجرمين المخلدين في النار، فهم الذين كرهوا الحق الذي جاءهم وظلموا وأَبْرَمُوا أَمْرًا وحسبوا أن الله تعالى لا يسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ.

فهم كالعادة يقتطعون العبارة من الآية ومن سياقها ليفرضوا عليها رأيهم، و"المجرم" في سياق الآيات هو المضاد تماما للمسلم الذي هو من اهل الجنة، فمن البديهي أن يكون المجرم المقصود من أهل النار، فمن أراد أن يعرف من هو المجرم فليعلم أولا من هو المسلم، ولقد أعلن الله تعالى أنه لا يجعل المجرمين كالمسلمين.

كما أن كلامهم مبني على التسليم بأن مقترف الكبيرة فاسق لا محالة، والحق هو أن مقترف الكبيرة لا يكتسب الفسق كصفة دائمة إلا بعد فساد قلبه بكثرة اقترافها والإصرار عليها بدون ندمٍ على فعله أو خوفٍ من ربه.

قال المعتزلة: "إن الفاسق (مقترف الكبيرة) لا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن يعفى عنه، أو لا يعفى عنه، فإن لم يعف عنه فقد بقي في النار خالدا، وهو الذي نقوله. وإن عفي عنه فلا يخلو، إما أن يدخل الجنة أو لا، فإن لم يدخل الجنة لم يصح، لأنه لا دار بين الجنة والنار، فإذا لم يكن في النار وجب أن يكون في الجنة لا محالة، وإذا دخل الجنة فلا يخلو إما أن يدخلها مثابا أو متفضلا عليه ولا يجوز أن يدخل الجنة متفضلا عليه، لأن الأمة اتفقت على أن المكلف إذا دخل الجنة فلا بد أن يكون حاله متميزا عن حال الولدان المخلدين وعن حال الأطفال والمجانين، ولا يجوز أن يدخل الجنة مثابا، لأنه غير مستحق، وإثابة من لا يستحق الثواب قبيح، والله تعالى لا يفعل القبيح".

نقول: المعتزلة يريدون القول بأنه لا يجوز على الله تعالى أن يعفو عن مقترف الكبيرة (يسمونه بالفاسق) ولا أن يدخله الجنة، ذلك لأن دخوله الجنة (عندهم) لا يكون إلا عن ثواب، لا عن تفضل من الله سبحانه، فالجنة عوض لازم للإنسان عن أعمال الخير إذا لم يشبها كبائر، والفاسق لا ثواب له، وإثابة من لا يستحق الثواب قبيح على الله تعالى، والحسن والقبح كما هو معروف أحد أصول المعتزلة التي يسيرون عليها في معتقداتهم، وإذا ثبت هذا فلا بد من دخول الفاسق النار خالدا فيها، فلا توجد دار أخرى، ولا يجوز على الله تعالى أن يعفو عنه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وهكذا هم يحاولون دائما إلزام الله بتحكماتهم  وآرائهم ومنطقهم!!! وبالطبع لا مشكلة في أن يعاقب المؤمن بقدر ما اقترف من الإثم ثم يدخل الجنة بشفاعة رب العالمين.

*****

حكم مقترف الكبيرة هو مسألة من المسائل المفتعلة التي أُقحمت على هذا الدين، ولم يكن من الجائز إدراجها كمسألة عقائدية، فلا يوجد أية ضرورة للبحث عن اسم شرعي أو مصطلح لمن اقترف إحدى الكبائر، ولا الانشغال بتحديد مصيره، ومع ذلك كانت هذه المسألة من أسباب نشأة فرقة المعتزلة!

*****

ذهبت الماتريدية إلى أن مقترف الكبيرة - غير المستحل لها- لا يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر بل هو مؤمن كامل الإيمان لعدم زوال التصديق، وهو مع إيمانه فاسق مستحق للوعيد لعدم طاعته لله تعالى، واقترافه للمعاصي والآثام، وهو إذا مات من غير توبة فهو تحت المشيئة إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وإن عذب يخرج من النار لا محالة.

قال قائلهم: "وأما أهل الحق فإنهم يقولون: إن من اقترف كبيرة غير مستحل لها ولا مستخف بمن نهى عنها بل لغلبة شهوة أو حمية يرجو الله أن يغفر له ويخاف أن يعذبه عليها فهذا اسمه المؤمن وبقي على ما كان عليه من الإيمان ولم يزل عنه إيمانه ولم ينتقص ولا يخرج من الإيمان إلا من الباب الذي دخله وحكمه أنه لو مات من غير توبة فلله تعالى فيه المشيئة إن شاء عفا عنه بفضله وكرمه أو ببركة ما معه من الإيمان والحسنات أو بشفاعة بعض الأخيار وإن شاء عذبه بقدر ذنبه ثم عاقبة أمره الجنة لا محالة ولا يخلد في النار.

أما الاسم فلأن الإيمان هو التصديق والكفر هو التكذيب وهذا الذي ارتكب هذه الكبيرة كان التصديق معه باقيا وما دام التصديق موجودا كان التكذيب منعدما لمضادة بينهما فالقول بكفره والتكذيب منعدم أو بزوال الإيمان والتصديق قائم أو بثبوت النفاق والتصديق في القلب متقرر قول ظاهر الفساد.

ثم إطلاق اسم الفاسق لما أنه خرج عن حد الائتمار، والفسق في اللغة هو الخروج ثم الخروج عن الائتمار، ولا يضاد التصديق فيبقى التصديق وإذا بقي كان المصدق مؤمنا ضرورة.

وقول الأشعرية والماتريدية والسلفية بأن مقترف الكبيرة -غير مستحل لها ولا مستخف بمن نهى عنها- ليس بكافر حق وصواب، أما زعمهم بأنه فاسق فهو من باب التنابز بالألقاب، والفسق لا يقل خطورة عن الشرك أو النفاق أو الكفر، فمقترف الكبيرة ليس فاسقًا بالضرورة، ولا يجوز إعطاؤه وصفًا دائما بسب ما اقترفه، مثال: بافتراض أن أحدهم اقترف الزنى، مثل هذا لا يجوز أن يُلقب بالفاسق، ولا أن يُلقب بالزاني، إلا من باب اشتقاق اسم الفاعل من الفعل، وأثر اقتراف الفاحشة يزول بالاستغفار والتوبة وتقبل العقوبة وردّ الحقوق إلى أهلها.

 وأما زعمهم بأن اقتراف الكبيرة لا أثر له على الإيمان وأن مقترف الكبيرة مؤمن كامل الإيمان فلا شك ولا ريب أنه باطل وغير صحيح، فكل عمل سيئ يقبل عليه الإنسان عمدًا يضعف إيمانه بما يترتب عليه من آثار، ولابد له من المبادرة بالتوبة والاستغفار.

وقولهم هو أن مقترف الكبيرة إذا مات من غير توبة يكون تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه ثم عاقبة أمره إلى الجنة وأنه لا يخلد في النار.

والحق هو أن العبرة هي بالحالة التي آل إليها الكيان الجوهري، فالكيان الجوهري ينجذب إلى الكون اللائق به، فربَّ مقترف لكبيرة كان مغلوبًا على أمره لضعف عزيمته مثلا، فلم تؤثر في قوة إيمانه، ولم تؤد إلى تدهور شديد في حالة كيانه الجوهري، فلابد وأن ينجذب بسبب ذلك إلى الجنة.

قال الشيخ الطحاوي: ((وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين وهم في مشيئته وحكمه إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله كما ذكر عز وجل في كتابه ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وإن شاء عذبهم في النار بعدله ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته ثم يبعثهم إلى جنته، وذلك بأن الله تعالى مولى أهل معرفته ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته الذين خابوا من هدايته ولم ينالوا من ولايته)).

وهذه العقيدة صحيحة، فلا خلود في النار لمن مات على الإيمان طبقا لمفهوم دين الحق، وأكثر المجتهدين الجدد والقرءانيين يقولون بأنه لا خروج من النار لمن دخلها، وهذا قول باطل.

*******

من أصول المعتزلة: "المنزلة بين المنزلتين" وهذا الأصل يوضح حكم  أصحاب الكبائر في الدنيا عند المعتزلة، إذ يعتقد المعتزلة أن مقترف الكبائر في الدنيا لا يسمى مؤمنا بوجه من الوجوه، ولا يسمى كافرا، بل هو في منزلة بين هاتين المنزلتين، فإن تاب رجع إلى إيمانه، وإن مات مصرا على ما هو عليه كان من المخلدين في عذاب جهنم، وهم يسمون من في هذه المنزلة بالفاسق، وهم بالطبع لا يعرفون المعنى الدقيق للفاسق، أو لديهم عنه مفهوم خاطئ.

وبالطبع فكلامهم محض هراء، فقد يقترف المؤمن إحدى الكبائر لأي سبب من الأسباب، ولن يخرج الإيمان منه ليعود بعد التوبة، ولكن إيمانه هو الذي سيدفعه إلى التوبة! ولولا إيمانه لما تاب أبدا، ولما وجد في نفسه أي حافز ليتوب، وبالطبع لم يكن يجوز شغل الناس بمثل هذه القضايا التي لا طائل من ورائها، وما دفعهم إلى مثلها إلا النزاعات السياسية.

والحقيقة هو أن مصير الإنسان يعتمد على أمور عديدة، والعبرة هي بالصورة التي سيئول إليها كيانه الجوهري الذي يتأثر بكل أفعاله وأقواله وعقائده ومقاصده طبقًا للقوانين والسنن الإلهية وليس طبقاً لما يظهر للناس، فقد يولد الإنسان مسلما، وقد لا يقترف أية كبيرة، ومع ذلك قد يموت كافرا، وقد يقترف إحدى الكبائر أو قد يدمنها، ومع ذلك قد يموت مؤمنا! ولذلك لا جدوى من محاولة أي إنسان تحديد مصير إنسان آخر، ومقترف الكبيرة هو فقط مقترف لهذه الكبيرة، فإذا كان لها عقاب شرعي وثبت بالفعل للقضاة أنه اقترفها يجب إيقاع العقاب اللازم عليه ولا يجوز لأحد أو لطائفة أن تنشغل بالتوصيف الدقيق له!! أما على المستوى الجوهري فكيانه الباطني يتشكل وفق آثار محصلة أعماله طوال حياته الدنيا.

*******


عدد المنشورات الفرعية : 65

عدد المنشورات : 458