خَاتَمَ النَّبِيِّينَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه وسَلَّمَ

أسرى بدر

الجدول

أسرى بدر


قال تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69)} الأنفال67

الآيات تتحدث بكل وضوح عن عملية أخذ الأسرى قبل الإثخان في الأرض، وهي تقرِّع وتؤنِّب أولئك الذين أرادوا عَرَضَ الدُّنْيَا بالانشغال بأسر كفار قريش -طمعًا في أخذ الفداء منهم- بدلا من التركيز على القتال، وهي توضح أن ذلك لا يجوز في وجود نبي يحمل رسالة، وهذا ما لم يدركه من وضعوا المروية الباطلة التي تجعل لعمر بن الخطاب التقدم على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ وعلى أبي بكر وتجعله هو الوحيد الذي عرف الحكم الشرعي السليم (من وجهة نظر واضعي المروية طبعاً) وهو قتل الأسرى!!!!!!!!!!!!!!

والتأنيب كان موجها إليهم لأنهم خالفوا ما لديهم بالفعل من أحكام وردت في سورة القتال: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} محمد4

ومن تمادي واضع المروية في السخرية من المسلمين والنيل من قدر الرسول الكريم قوله على لسان عمر بن الخطاب: "فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول الله وأبو بكر يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك!!!!!!!!!!!!!!؟؟ فإن وجدت بكاء بكيت!!!!!!!! وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما!!!!!!!!!! فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: أبكي على أصحابك من أخذهم الفداء.

وبعد التهديد والوعيد الوارد في الآيات تغمدهم ربهم برحمته وسمح لهم بأن ينتفعوا بما نالوه من الغنائم، وهذا التفضل الإلهي لا يعني أبداً أنهم لم يخطئوا بمخالفة أوامره، وإنما يعني أنهم أخطئوا فغفر لهم لأنه هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

والذي لم يدركه واضع المروية هو أن وجود النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ بين الناس هو أمان لهم من العذاب الذي حاق بالأمم السابقة لتمردهم وعصيانهم، قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} الأنفال33.

فأي مسلم يقرأ الآيات الخاصة بأسرى بدر دون تقيد بآراء مسبقة يرى أنها تقريع لأولئك الذين حرصوا أثناء موقعة بدر على أسر المشركين بدلا من الإثخان في قتلهم، ولقد أوضح العليم بذات الصدور أنهم كانوا يريدون بذلك عرض الدنيا، وكان من الأجدر بهم أن يريدوا ما أراد الله لهم من ثواب الآخرة، وأوضح أيضا أنهم بسبب ذلك كان من الممكن أن يعذَّبوا عذابا شديدا لولا أنه سبحانه كان قد سبق منه الكتاب بالمغفرة لمن شهد الموقعة ثم زادهم الله فضلا على فضل بأن أحل لهم أن ينتفعوا بالغنائم التي أخذوها من الأسرى، فالآيات تنوه بعظم الفضل الإلهي وتحذر المؤمنين من أن ينشغلوا أثناء القتال في سبيل الله بالغنائم الدنيوية.

إن الخطاب في الآيات للنبي ليس لخطأ اقترفه ولكن اقترفه الجنود الذين يعملون تحت إمرته، فالخطاب دائما يوجه إلى القائد في مثل هذه الظروف فيقال انتصر القائد فلان أو ما كان للقائد فلان أن يفعل كذا رغم صدور الفعل من جنوده مخالفة عن أمره، كما أنه قد يوجه الخطاب إلى المجموع رغم أن بعضهم فقط هم الذين أخطئوا كما هو الحال فيما وجه إلى بنى إسرائيل من ذم وتقريع رغم وجود الأنبياء والصالحين فيهم، فالآيات إنما تقرع المسلمين بسبب ما صدر من بعض القرشيين بعد أن لاحت بشائر النصر فى موقعة بدر إذ صار جل همهم أخذ الأسرى طلبا لعرض الدنيا وذلك بدلاً من الإثخان يى قتل المشركين، بل إن بعضهم دافع عن أسراه ضد باقي المسلمين كما حدث من عبد الرحمن بن عوف كما ورد في سيرة ابن هشام إذ أخذ يذبّ عن أمية بن خلف رأس الكفر وابنه بل وشتم بلالا عندما ما تعرف على أمية وأخذ يحرض الأنصار عليه ثم قال متحسرًا على الغنيمة: (يرحم الله بلالا ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري).

وحكم الأسرى كان معلوما من قبل كما أوضحنا، فقد نزل في سورة القتال قبل موقعة بدر، والله تعالى لا يؤاخذ الناس بما لم يكتبه عليهم ويبينه لهم.

قال تعالى: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا......} [محمد:4]

فالآية واضحة وضوح الشمس: حكم الأسير هو المن أو الفداء، ولا يوجد حكم ثالث!

ولكن الناس أعرضوا عن القرءان واتخذوه مهجورا، ولم تجمع المذاهب إلا على هذا.

ولا يجوز ترك الإثخان في قتال الكفار طمعا في أسرهم طلبا لعرض لدنيا، وهذا ما وقع فيه بعض القرشيين في موقعة بدر، فنزلت الآيات التي تحذرهم تحذيرا شديدا.

أما الأسير فلا يجوز أبدا قتله بل إن من أكبر أعمال الخير الإحسان إليه وإطعامه كما ذكر القرءان، إلا إذا كان قد اقترف جريمة كبرى توجب عقابه!

وكذلك لا يجوز استرقاقه إلا من باب ردّ العدوان بمثله.

وطالما يُوجد حكم قرءاني فيجب إعماله، ولا يمكن استفتاء الناس فيه!

*******

ولكن ما هو التفسير التقليدي للآيات؟ لقد زعم المفسرون أن الآيات نزلت لتلوم النبي بسبب القرار الذى اتخذه بشأن أسرى بدر وكان النبي قد استشار (أصحابه) بشأنهم (كما زعم واضعو المروية) فأشار أبو بكر بقبول الفداء منهم بينما أشار عمر بقتلهم فنـزلت الآيات كما زعموا محبذة رأى عمر بن الخطاب فقعد النبي وأبو بكر يبكيان !!!!!!؟؟، فقال عمر بن الخطاب ( يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكى أنت وصاحبك!!! فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت لبكائكما !!، فقال رسول الله: أبكى على أصحابك في أخذهم الفداء)، وهكذا انقلب المعلم تلميذا والتلميذ معلما على أيدي الرواة، إن القرءان ينص بكل وضوح على أن الله تعالى بعث النبي محمدا في الأميين ليتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون بعد أن كانوا فى ضلال مبين، فلقد أرسله ربه إليهم رحمة بهم وليعلمهم لا ليتعلم منهم، فليت المسلمين يعرفون لرسولهم الكريم قدره ويتأدبون معه، ومن العجيب أن يزعموا أن الرسول قال: "لو نزل بنا عذاب لما نجا إلا عمر!!!"، هذا مع العلم أن الرسول كان أمانًا لأمته من العذاب، قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}الأنفال33، ولا يجوز هاهنا أية محاولة للحديث عن تواريخ النزول، فالرسول كان أمانا لقومه من العذاب بواسطة آية كونية كالتي كانت تهلك الكافرين من القرون الأولى كعاد وثمود.

ولكن ما الحكمة في حث المسلمين على الإثخان في قتل المشركين في تلك المعركة؟ إنه يجب العلم بأن المسلمين لم يقتلوا من المشركين فيها إلا حوالي سبعين رجلا، وهذا لا يتناسب أبدا مع ما كان من الممكن أن يتحقق، ولو التـزم المؤمنون بأوامر الله ورسوله لتضاعف عدد القتلى من المشركين وربما لأبيد جيشهم كلُّه، ولو حدث ذلك لما جرؤ المشركون من بعدها أبدا على مهاجمة المؤمنين ولما كانت أحد وما بعدها ولما تجرأ اليهود على المسلمين ولما جرؤت قبيلة عربية على التعرض للمسلمين، ولقد أعلن الله تعالى مقصده من تدبير أمر معركة بدر، قال تعالى:

{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)} الأنفال

فقد كان يريد أن يقطع دابر الكافرين، وكان هذا يقتضي إبادة شبه تامة لجيش الكفر تجعل الطريق مفتوحًا إلى مكة وعندها كان سيتم حسم الأمر تماما وقطع دابر الكافرين، ومن المعلوم أن الإرادة التي محلها الكائنات المخيرة تعني المقصد الذي سيتحقق بمقدار عمل هذه الكائنات وفق السنن الدينية وإلا فإن الله تعالى قادر على حسم الأمر بقول "كن"، وهو الغني عن العالمين.

كما أنه لو التـزم المؤمنون بالحرص على الإثخان أكثر من الحرص على الغنائم لما هُزموا في أحد التي استغل فيها كفار قريش ذلك الحرص للإيقاع بالمسلمين وزحزحتهم عن مواقعهم الحصينة، ومن العجب أن هذا الداء الجاهلي لم يتخلص منه المسلمون أبدا وكان سبب هزيمتهم من بعد في موقعة بواتييه بفرنسا.

فليس للآيات أية علاقة بالتفسير الذى وضعوه والذى يتضمن تطاولا على الرب الرحيم بتصوير أنه كان حريصا على قتل الأسرى وكذلك يتضمن إقلالا من شأن الرسول لحساب عمر بن الخطاب مع أن الرسول لم يفعل إلا ما يليق به من حيث هو رحمة للعالمين، وهو –بافتراض صحة مرويتهم- إنما التـزم بالشوري التي أمره الله بها، أما الحق فهو أنه التزم بحكم الله فيهم، ذلك لأنه كان مخيراً من قبل بين المن عليهم وبين قبول الفداء منهم، ولولا مراعاته لحال أصحابه لفضَّل المن عليهم كما فعل من بعد كثيرا، أما الآيات الخاصة بأسري بدر فلم تتعرض أبدا لموضوع فداء الأسرى بل تقول إنه ما كان للمسلمين أن يأخذوا أسرى أثناء المعركة وإنما أن يثخنوا في قتل المشركين أما وقد فعلوا فعليهم ألا يعودوا لمثلها وإلا لمسهم العذاب الأليم وعليهم أن يكون حرصهم على الإثخان في قتل المشركين أكثر من حرصهم على أخذ الغنائم، وفى ذلك تغليب للجانب الاستراتيجي على الجانب التكتيكي، ولقد كان الجزاء الوفاق أن يؤمروا بألا يقربوا الغنائم، ولكن الله سبحانه لعظيم رحمته وفضله أحلها لهم.

*******

إنه من البديهي أن يكون الكارهون للقتال هم من أكابر القرشيين، فهم بالطبع لم يكونوا يريدون قتل أقاربهم أو أفراداً من قبيلتهم، وقد كانت القبيلة عندهم من قبل هي الوطن والدين، وتذكر الكتب الأصلية منهم أبا بكر وعمر وسعد ابن أبي وقاص، فهم أرادوا العير، وهم كرهوا القتال ولم يشاركوا فيه مشاركة جادة، ولكن الله تعالى أراد أمراً آخر: وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ{7} لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ{8} الأنفال.

وهؤلاء بالطبع لم يكونوا ليفتوا بقتل الأسرى أبدا! وهم الذين رفضوا الإثخان في القتل! فتلقوا تحذيرا شديدا:

قال تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69)} الأنفال

وذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ هو للدلالة على أن هذا الحكم خاص بالحالة التي يكون فيها النبي هو قائد الجيش، فهي تأكيد على خصوصية الأمر، وليست عتابا للنبي نفسه؛ فليس هو الذي أراد الحياة الدنيا وإنما بعض من كانوا معه من القرشيين بالذات، أما الأنصار فقد كانوا أشد الناس تشوقا إلى إبادة الكفار! وهم الذين حملوا عبء المعركة ومعهم قلة من أهل بيت الرسول.

ولكن محدثي أسطورة (الصحابة) جعلوا العتاب والتحذير موجهين إلى شخص الرسول مجاملة لهم على حسابه!

*******

إن الآية تقول: {ما كانَ لنبيٍّ أنْ يكونَ لهُ أسْرَى} ولا تقول ما كان لنبي أن يسمح بفداء الأسرى كما أنها توجه الخطاب للمؤمنين قائلة تريدون عرض الدنيا ومن المعلوم قطعًا أن الرسول المصطفى الذي شهد له ربه بالخلق العظيم لم يرد أبدا عرض الدنيا عند ما سمح بفداء الأسرى بل كان بذلك يبتغى وجه ربه الأعلى، أما من أراد عرض الدنيا بأخذ الأسرى فهم بعض القرشيين كما سبق القول (وليس كلهم بالطبع)، أما من وافق الوحي في هذه المعركة والتزم بالأوامر وأثخن في القتل فهم الإمام على وحمزة والزبير وأبو عبيدة بن الجراح (رضي الله عنهم أجمعين) و كثير من الأنصار وعلى رأسهم سعد بن معاذ فهو القائل للرسول: ( كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك فكان الإثخان في القتل بأهل الشرك أحب إلى من استبقاء الرجال).

ولما كانت الآيات بهذا الوضوح المذهل فلماذا ضل المسلمون عن تفسيرها؟ إن ذلك للأسباب الآتية:

1- الإصرار على الإعراض عن القرءان وعدم التفاعل المباشر معه.

2- الإصرار على قراءة القرءان على ضوء روايات واهية متعلقة بأسباب النزول مما أوجد سوقا رائجة للمتكسبين والوضاعين.

3- كونهم ما قدروا الله حق قدره وما عرفوا سعة رحمته وفضله.

4- جهلهم بقدر النبي وسعى بعض المنافقين إلى الإقلال من شأنه لحساب من هم دونه.

5- سذاجة بعض المسلمين وانخداعهم بكل من تظاهر بالإسلام.

6- حرص بعض المغرضين من الحزب القرشي والأمويين على إظهار عمر على أنه المصحح الدائم لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَوالمقوم لأخطائه والمرشح البديل للنبوة بدلا من أن يكون هو التلميذ الذي يتلقى العلم متواضعا من معلمه العظيم، وما ذلك إلا لأن عمر بن الخطاب هو الذي عين معاوية واليا على الشام وكان ذلك بداية التمكين للأمويين في الأرض، بل إنهم حاولوا أن يستمدوا الشرعية من هذا التعيين، ويجب القول بأن عمر بن الخطاب ليس مسئولا عما أحدثه الأمويون من بعده ولا عما نسبه الرواة إليه.

7- حرص الأمويين على النيل من الأنصار الذين بجهادهم وإخلاصهم هُزِم أئمة الشرك من قريش، ولم يهدأ للأمويين بال إلا بعد أن أرسل يزيد من معاوية من بعد جيشا كثيفا اقتحم المدينة وفعل الأفاعيل بأهلها المؤمنين.

إنه يجب القول بأن من يتبنى التفسير التقليدي للآيات السابقة يرتكب خطيئة مزدوجة بادعائه أن الله سبحانه كان يريد قتل أسري بدر ولكنه غلب على أمره وأن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فضل قبول الفداء منهم ابتغاء عرض الدنيا، ولمثل هؤلاء يجب القول بأنهم {ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز}.

أما أنت يا سيدي يا رسول الله فإنا نعتذر إليك عما نسبه إليك من لم يعرف لك حقك ومن جهل عظيم قدرك ولم يتأس بك من حيث أنك رحمة الله للعالمين وإمام المجاهدين والداعين إلى الصراط المستقيم.

*******

قال تعالى:

{فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} محمد4

هذا هو الأمر الذي عصاه الناس في غزوة بدر، ولذلك عوتبوا كما سيعاتبون على الفرار في أحد وحنين من بعد.

إن الله سبحانه لا يعاتب الناس على ما لم يأمرهم به أمرا بينا، لقد كان من المفترض أن يثخنوا في القتل أولا ثم يبدؤوا في الأسر، ولكنهم ما إن انهزم القرشيون أمامهم إلا وبدئوا في الأسر طمعا في الفدية (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ) أما حكم من وقع في الأسر فمعلوم: (فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء)، والرسول لن يستفتي أحدا فيما هو معلوم من الدين.

وبالمناسبة، كرروا نفس الخطأ في أحد فعوقبوا بالهزيمة المريرة هذه المرة.

*******

ما ورد في موضوع أسرى بدر:

قال ابن إسحاق - وهو يحكى أخبار غزوة بدر -: " فلما وضع القوم أيديهم يأسرون ورسول الله - صلى الله عليه وآله سلم - فى العريش، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوشحاً السيف، في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله، يخافون عليه الكرة. ورأى رسول الله - فيما ذكر لي - في وجه سعد الكراهية لما يصنع الناس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم "؟ فقال: أجل والله يا رسول الله: كانت هذه أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإِثخان في القتل أحب إلى من استبقاء الرجال".

هذا المروية ذات أصلٍ صحيح، وهي توضح حقيقة الأمر، كان الإِثخان في قتل المشركين أفضل من أسرهم طمعا في عرض الدنيا؛ أي في الفدية.

ما أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب: " أنه لما كان يوم بدر نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، فقتل المسلمون من المشركين يومئذ سبعين وأسروا سبعين.

قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لأبى بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار فعسى أن يهديهم الله إلى الإِسلام.

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت لا والله يا رسول الله، ما أرى الذى رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم، فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان - نسيب لعمر - فأضرب عنقه، - حتى يعلم الله أن ليس فى قلوبنا هوادة للمشركين: فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده. فهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت.

فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول الله وأبو بكر يبكيان، فقلت: يا رسول الله. أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك!!!!!!!!!!!!! فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما.

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أبكي على أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه - صلى الله عليه وسلم - وأنزل الله - عز وجل -: { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ}

من يروج لهذه المروية يجب أن يُعاقب لتطاوله على الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، والهدف من وضع هذه المروية هو تكريس الصورة النمطية اللاسنية في نفوس أتباع المذهب، والغلو في شأن من لم يكن لهم أي دور يُذكر في المعركة!!!

وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: "لما كان يوم بدر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ما تقولون في هؤلاء الأسارى "؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله! قومك وأهلك استبقهم واستتبهم لعل الله أن يتوب عليهم.

وقال عمر: يا رسول الله! كذبوك وأخرجوك فقدمهم فاضرب أعناقهم.

وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، أنت بواد كثير الحطب فأضرم الوادي عليهم ناراً ثم ألقهم فيه.

قال: فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يرد شيئا. ثم قال فدخل فقال ناس: يأخذ بقول أبى بكر. وقال ناس: يأخذ بقول عمر. وقال ناس: يأخذ بقول ابن رواحة.

ثم خرج عليهم رسول الله فقال: " إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللين؛ ويشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم إذ قال {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وكمثل عيسى إذ قال: { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}

وإن مثلك يا عمر كمثل نوح إذ قال: { رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً } ، وكمثل موسى إذ قال: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}

ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: " أنتم عالة فلا ينفلتن أحد إلا بفداء أو ضربة عنق".

قال ابن مسعود: فقلت يا رسول، إلا سهيل بن بيضاء، فإنه يذكر الإِسلام، فسكت رسول الله ثم قال: " إلا سهيل بن بيضاء ". وأنزل الله - عز وجل - { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ}"

هذه هي الرواية النمطية لهذا الحدث، وهي بالطبع لم تحدث إلا في خيال الرواة، ومن وضعها يخلط بين الأمور ولا يفقه عبارات القرءان أصلا، ولم يحدث أن خُيِّر أحد الأسرى بين الفداء وبين القتل.

وهذه المروية وأمثالها هي أمضى سلاح بيد أعداء الإسلام والرسول الآن.

*******

قال ابن جرير: قال ابن زيد: لم يكن من المؤمنين أحد ممن نصر إلا أحب الغنائم إلا عمر بن الخطاب، جعل لا يلقى أسيرا إلا ضرب عنقه وقال: يا رسول الله مالنا وللغنائم؟ نحن قوم نجاهد في دين الله حتى يعبد الله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لو عذبنا في هذا الأمر يا عمر ما نجا غيرك"

وهذه مروية تزعم أن عمر بن الخطاب كان يضرب أعناق الأسرى من تلقاء نفسه!!!!!! ولكن ما هي أسماء الأسرى الذين ضرب عمر أعناقهم؟؟!!

وهكذا يجعلون الرسول الذي كان أمانا لقومه من العذاب حتى وإن كانوا كفارا مشركين، يجعلونه عرضة للعذاب!!!! ألم يقرؤوا قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}الأنفال33، {وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ }الأنعام124.

*******

قال ابن اسحاق: لما نزلت { لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ } الآية. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لو نزل عذاب من السماء لم ينج منه إلا سعد بن معاذ لقوله: يا نبي الله، كان الإِثخان في القتل أحب إلى من استبقاء الرجال".

هذا هو القول الصحيح المتسق مع آيات القرءان ومجريات الأحداث، ولكن جرى الغطرشة عليه لأن الأنصار كانوا قد أبيدوا أو تشتتوا في الأمصار، ولم يعد لأبطالهم التاريخيين من يوفيهم حقهم، فالذي كان مطلوبا هو الإثخان في القتل أثناء المعركة وليس التوقف عنه انشغالاً بأخذ الأسرى.

*******

الآيات واضحة ومتسقة، الأمر كان هو الإثخان في القتل أثناء المعركة لسرعة حسم الأمر، كان الله تعالى يريد أن يقطع دابر الكافرين في بدر كما ذكر في القرءان، ولو حدث ذلك لتم حسم الأمر في معركة واحدة ولكان بإمكان المسلمين الزحف على مكة ولما كانت التضحيات الهائلة التي حدثت من بعد!!

قال تعالى: { وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ{7} لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ{8}}الأنفال7

فقطع دابر الكافرين لم يكن بقتل سبعين منهم فقط مع القدرة على القضاء عليهم كلهم!! ولكنه الانشغال بأسر الأثرياء منهم والتنافس في ذلك!!!

والصحيح فيما يتعلق بالمروية هو ما رواه ابن إسحاق، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم بعد أن نزلت آيات الأنفال - " لو نزل عذاب من السماء لم ينج منه إلا سعد بن معاذ لقوله: يا نبي الله، كان الإِثخان في القتل أحب إلى من استبقاء الرجال ". كان هذا القول من سعد للرسول أثناء المعركة، وقد كان يتولى حراسته ويراقب سير المعركة حتى لا يخلص الناس إلى الرسول.

*******

لم يُقتل الأسرى في بدر لوجود الحكم الوارد في سورة القتال: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} محمد4

القتل يكون أثناء القتال فقط! أما من بعده فهو جريمة قتل عادية.

والأمر في سورة القتال هو أمر مطلق سارٍ على الناس إلى يوم القيامة، أما إرادة قطع دابر الكافرين فكانت متعلقة بمعركة بدر فقط! ولو استمع المؤمنون للأوامر القرءانية وأثخنوا في بدر لتمَّ حسم الأمر كله في موقعة واحدة ولما قاسوا الأمرين في أحد والخندق.

*******

حكم الأسير ليس القتل، وإنما المنّ أو الفداء، والإحسان إليه هو من أعمال الخير والبر، ولكن من فسروا الآية بأهوائهم جعلوا الله تعالى يفضل قتل الأسرى مثل عمر بن الخطاب، وهو سبحانه منزه عن هذا، وجعلوا الرسول مخطئا بأخذ الفداء من أغنيائهم مقابل إطلاق سراحهم.

فالآية تندد بمسلك من توقفوا عن القتال وكان غاية همهم أسر أثرياء قريش لعلمهم بأن حكمهم سيكون الفداء، وبذلك وقع عبء المعركة على عاتق أهل بيت الرسول وشباب الأنصار، مع أنه لو شارك الكل في القتال الجاد لتم حسم القضية في معركة واحدة، ولما حدثت خسائر بشرية باهظة من بعد.

*******

1

1.png