نظرات في المذاهب

06

خبر الواحد

الجدول

يلزم التمييز بين الأقوال وبين الأفعال، فانتقال كيفيات أداء الصلاة مثلا ليس كانتقال قول قيل إنه صدر في واقعة ما، من السهل تحريف القول أو حتى وضعه، ثم تناقله، ولكن ليس من السهل مثلا جعل السجود ثلاث مرات في الركعة الواحدة، ثم اتفاق الجميع على ذلك.

وبافتراض حسن النوايا في جامعي المرويات، فيمكن القول إنه لم يكن أمامهم إلا أن يفضلوا الخبر الواصل من جماعة كبيرة على الخبر الذي يأتي به بضعة أفراد أو واحد.

ولكن ذلك لا يعطي أية مصداقية للعدد عند وجود مصدر ثابت ومرجع أوحد يمكن الاحتكام إليه.

فخبر الواحد ضعيف عند الحكم بالسند، أما من حيث المضمون فقد يكون أفضل من الخبر المتواتر.

أما من حيث قيمة الرأي في ذاته أو العلم الذي يأتي به الواحد فالأفضلية دائمًا للقلة، وذلك أمرٌ ثابت بالأدلة القرءانية والعلمية والتاريخية فضلًا عن الواقع الماثل.

ولكن هذه الأفضلية نسبية، بمعنى أن تميز أقلية في مجالٍ ما لا يعني بالضرورة تميزها في مجالٍ آخر.

وعلى سبيل المثال فأكابر علماء الفيزياء ليسوا هم أكابر الموسيقيين، والذين ليسوا بدورهم أكابر الأدباء أو الشعراء مثلا.

فأساليب الحكم على موثوقية ومصداقية نقل الأخبار قديمًا قبل ثورة الاتصالات ليست هي نفس أساليب تقييم ما توصل إليه أشخاص في مجالٍ معين.

يجب العلم بأن الأخبار المتعلقة بأمور دينية ليست كالأخبار المتعلقة بأمور التاريخ أو العلوم الطبيعية.

ويجب التمييز بين النقل المحض للخبر وبين مضمون الخبر وإمكانية التحقق منه، وللتحقق من الخبر يجب وجود مرجع أعلى منه في الموثوقية والمصداقية، أو وجود منهج صارم يناسب موضوع الخبر، فإذا كان الخبر يتعلق بحقيقة علمية بالمعنى الحديث فإنه يمكن اختبارها بتجربة علمية مناسبة مثلا، وللتجارب العلمية ضوابطها المعلومة.

وعلى سبيل المثال من يؤمن بأن بول البعير مفيد للصحة ويروج لذلك يمكن إجراء تجربة علمية صارمة عليه للتحقق من مدى صحة عقيدته في هذا البول.

لا يجوز الحكم على خبر بخبر يساويه في المصداقية درجة الموثوقية، فلا يجوز الاحتجاج بخبر الواحد على وجوب الأخذ أو عدم الأخذ بخبر الواحد في مسألة دينية.

الرسل يُرسلون إلى أقوامهم مزودين بما يلزم من الآيات لإثبات مصداقية رسالاتهم، وعلى رأسهم خاتم النبيين، والآيات التي لم يأتهم بها هي عين ما طلبوه من آيات؛ أي هي الأمور الخارقة للمألوف التي اقترحها مشركو قريش وأهل الكتاب، ولكنه أتاهم بالآيات التي لم يطلبوها، وهي آيات الكتاب المبين، بالإضافة إلى آيات أخرى مذكورة في القرءان وكتب السيرة.

وبذلك لا يجوز الاحتجاج بموضوع الرسل لإثبات حجية خبر الواحد.

كما لا يجوز الاحتجاج بمسألة رسل الرسل، فالرسول كان يرسل من يثق بهم حاملين رسائل مختومة منه إلى عظماء عصره أو إلى زعماء القبائل، وكان يمكن دائمًا التحقق من أداء رسل الرسول، وكان الرسول يتلقى الوحي من ربه ليخبره بذلك، وقد ثبت ذلك بالقرءان عندما أخبرهم بما حدث أحد الفاسقين، ولم يكن هذا الفاسق حاملا رسالة تتضمن أمورًا دينية، وإنما كان مكلفًا بمهمة تنفيذية.

وربما كان أكبر أمرٍ مضحك في تاريخ الأديان أن الأصوليين اللاسنة قد احتجوا بقصة الفاسق للاستدلال على وجوب الأخذ بخبر الواحد واعتباره أمرًا دينيا يقضي ويحكم على القرءان!! وذلك طبقًا لمفهوم المخالفة!!!

يقولون إن اتفاق كثرة من الناس على خبر يعني وثاقة هذا الخبر، ويلزم من ذلك الشك في خبر الواحد، واللازم باطل بأدلة عقلية وتاريخية وواقعية، فالملزوم باطل مثله.

ولا يعني ذلك موثوقية خبر الواحد، وإنما يعني أن هذه ليست بحجة لترجيح أحد النوعين على الآخر.

واتفاق جماعة على خبرٍ كاذبٍ، حتى في هذا العصر، ممكن عقلاً وليس محالا، وذلك أمرٌ ثابت بصفة خاصة بالنسبة للأديان، ذلك لأن شياطين الإنس والجن يعلمون مدى خطورتها وشدة تأثيرها.

وصفات الأكثرية تجعلهم أقرب إلى تقبل الأكاذيب ورفض الحقائق واتباع الآباء والظنون والأوهام، لذلك لا يمكن الاحتكام إلى الأكثرية العددية في مصداقية نقل الخبر أو في القيمة الحقيقية للخبر.

إن ثبوت الآثار المتعلقة بدين الحق هي أمرٌ خاص، وذلك لوجود مصدر ومرجع تام المصداقية، وهو مجمع للبينات والبديهيات بالنسبة للمسلم، وكل المحسوبين على الإسلام يسلمون بأنه المصدر الأول لكل الأمور الدينية، ولكن لا يوجد مذهب يعمل حقًّا بذلك.

لذلك يمكن صياغة هذا المبدأ: اعرف الحق تعرف ما يتسق معه ولوازمه

*****

سورة الحجرات 6

قال تعالى: 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين} [الحجرات:6]

الآية تلزم الَّذِينَ آمَنُوا بألا يسارعوا إلى قبول أي نبأ أتى به فاسق، وتلزمهم بأن يتبينوا وأن يتثبتوا، وهذا يعني بالضرورة أن لديهم من الوسائل ما يمكنهم من ذلك، وهذا لا يعني بالطبع المسارعة إلى قبول أي نبأ آخر حتى وإن كان القائل به ثقة عند الناس، فقد يكون منافقا أو خائنًا أو جاسوسا.

ومن الواضح من القول "أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ" طبيعة مثل هذه النبأ، فهو النبأ المتعلق بالعلاقات مع الآخرين، والذي قد يؤدي إلى إيقاد نيران حرب.

وهذا الأمر القرءاني تجمع عليه الآن كافة الشعوب المتحضرة، كما تجمع عليه كافة الكيانات الإنسانية على كافة المستويات، وإن لم يلتزموا به التزامًا تامًّا لأسباب عديدة.

والآية لا تتعلق بعملية جمع المرويات ومصداقية ذلك ومصداقية الحكم على هذه المرويات.

فالحكم على كل ذلك هو أمرٌ على أعلى درجة من الخطورة، ولا يجوز بشأنه أي تهاون أو تحكيم أمور غير موضوعية.

ومع كل ذلك فقد أجمع سدنة المذاهب على أن الآية تتعلق بمسألة المرويات وتصحيحها، وخاصة من يعتبرون أخبار الآحاد نصوصًا دينية ملزمة ووحيًا ثانيا يقضي ويحكم على كتاب الله.

وقد استدلت فئات مختلفة بالاستناد إلى هذه الآية على الأمور المتعارضة الآتية بالنسبة لخبر الواحد في أمور الدين:

1. من ينكرون حجية خبر الواحد إنكارا تامًا، ويقولون بأنه لا يوجب علما ولا عملا، مثل القرءانيين والكثير من المجتهدين الجدد.

2. من يقولون بحجّية خبر الواحد، وأنه من الوحي الثاني، وأنه مثل آيات القرءان في كل شيء غير أنه غير متعبد بتلاوته، وهم السلفية والأثرية.

3. من يقولون بأن خبر الواحد يوجب عملًا ولا يوجب علمًا ولا يقرر عقيدة، وهم نظريًا جمهور أهل السنة الأشاعرة والماتريدية، ولكنهم عمليًا مثلهم مثل السلفية.

والمشكلة هي أن من يعتبرون أخبار الآحاد نصوصًا دينية ملزمة ووحيًا ثانيا يقضي ويحكم على كتاب الله هم المتساهلون في تصحيح المرويات، وهم أيضًا من يبنون دينهم عليها ويأخذون أكثر مادته منها.

وهذه الآية من الآيات المظلومة، والتي يفسرها أتباع المذاهب وفق أهوائهم، فلا يمكن أبدًا الاستشهاد بنفس الآية لنفي واثبات قضية واحدة، فالاختلاف المذكور هو لتجاهلهم للمنهج القرءاني للتعامل مع آيات القرءان ومع الأمور الدينية، فالمنهج القرءاني يوجب استفتاء كل آيات القرءان فيما يتعلق بالموضوع التي تعالجه الآية، وكذلك في الموضوع الذي زعموا أنها تعالجه.

وأول ما يجب قوله هو أن الآية توجب التثبت من أي نبأ يأتي به أي شخص من الأشخاص، ولكنها أيضًا لا توجب المبادرة برفضه، فالأمر هو بالتحقق والتثبت، وليس بالرفض المطلق أو بالقبول المطلق.

أما القائلون بحجّية خبر الواحد فقد استندوا إلى مفهوم المخالفة للقبول بخبر الواحد بشرط أن يكون عدلا وثقة ومأمونا وفق الأسس التي وضعوها بأنفسهم، فهم يتصرفون وكأنه معلومٌ مسبقًا للناس كافة تصنيف كل الناس من حيث درجة الفسوق ودرجة المصداقية والوثاقة!، لذلك يجب الاطلاع على بطاقة هوية الآتي بالنبأ، فإذا وجدوا مكتوبًا فيها أنه فاسق يجب التثبت والتحقق من صحة النبأ، أما إذا وجدوا أن له هوية أخرى فإنه يجب فورا الأخذ بقوله واعتباره أمرًا دينيا!!!

والحق أن الفسوق هو أعلى درجات النفاق، فهو يعبر عن فساد القلب بطريقة لا يمكن إصلاحها، قال تعالى:

{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُون} [التوبة:67].

وهذا يعني أن الفاسق قد يكون غير معلوم لنفاقه، قال تعالى:

{وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم} [التوبة:101].

ومن يخفى أمرهم على الرسول سيخفى أمرهم بالضرورة على جهابذة المرويات وغيرهم.

ولا يمكن أن يكلف الرسول شخصًا معلوم فسقه للقيام بمهمة خطيرة، وتصرف هذا الشخص هو الذي كشف فسقه، وبالأحرى يجب زيادة التثبت إذا كان الآتي بالنبأ غير موثوق به.

أما الموضوع الذي زعموا أن الآية تعالجه فهو حجية خبر الواحد في الأمور الدينية، وتلك مسألة أخرى يجب الرجوع فيها إلى القرءان كله وإلى كل ما هو ماثل فيه من الأسس والقيم والمبادئ والسنن.

فلا يجوز هنا الاستناد إلى مفهوم المخالفة المختلف لفرض أي رأي في هذا الموضوع الخطير.

ولا يحقّ لهم القول وفقًا لسوء تعاملهم مع الكتاب أن يقولوا بأن ظواهر الكتاب ليست بحجّة، والآية شديدة الوضوح، فالاختلاف فيها لم ينشأ عن إبهام في النص ذاته، بل لأن كلّ سدنة كل مذهب يريدون أن يستنطقوا الآية بأحكامهم المسبقة.

قالوا: إن خبر الواحد يفيد الظّن، وقالوا إن الدليل على وجوب الأخذ بخبر الواحد هو دليل ظني يعطيه ظاهر بعض آيات القرءان، فهم يقولون بأن الكثير من آيات القرءان ظنية الدلالة، ولا يقول بذلك إلا من جهل التعامل مع آيات القرءان، والحق أنهم جعلوها ظنية ليوجبوا الأخذ بخبر الواحد رغم ظنيته، وكان الأثرية السلفية أكثر اتساقًا مع باطلهم عندما زعموا أن أخبار الآحاد يقينية وتفيد العلم والعمل.

إن كلّ خبر هو خطاب منقول، والعبرة في الخبر المنسوب إلى الرسول إنما هي بأمرين:

1. حالة الناقلين الحقيقية، وهي أمر ذاتي ظني غير موضوعي.

2. مضمون الخبر.

فلابد من اتساق الخبر المطلق مع عناصر دين الحق وأموره ومنظوماته، ولكن لابد أيضًا من وجود ناقلين للخبر، أي من وجود سند، وإلا فإن كثيرا من الأخبار قد تتسق مع دين الحق بدون أن تكون صدرت عن الرسول، وفي كل الأحوال فإن هذه الأخبار هي مصادر ثانوية للدين.

وإقرارهم بأن الخبر الذي رواه جماعة أقوى من الخبر الذي رواه واحد هو إقرار بما لم يكونوا يعلمونه، وهو أن أمر السند خاضع لنظرية الاحتمالات، هذه حقيقة قاطعة، وأسبابها قوية وعديدة.

وبالطبع لا يمكن أن يثبت دين بهذه الطريقة.

إنه إذا كان الأمر سيؤول في النهاية إلى عدم التفريق بين خبر الواحد وبين ما وصفوه بالتواتر، وإلى وجوب اعتبار الخبر في الحالتين نصًّا دينيا، فلم يكن هناك جدوى من التقسيم أصلا.

إنه لا مشكلة لمتبع دين الحقّ في التعامل مع المرويات، فلديه في كتاب الله تعالى نسق من المسلمات والبديهيات والبينات، كما لديه منه منظومات من عناصر الدين تتضمن قيمه وسننه، فهو يحتكم إلى كل ذلك لفحص أي خبر قيل إن له صلة ما بالدين.

إن ملكة الحكم والتقدير لدى المسلم تتزكى عندما يتمّ برمجتها لتعمل وفق أسس ومنطق ومنهج دين الحقّ.

*****

قالوا إن من شروط تواتر الخبر أن يرويه جماعة يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب أو على الخطأ في فهم الواقعة بحيث يفيد الخبر بنفسه علما، فمن أين أتوا بهذا القول، وما هي إمكانية إعماله إعمالا حقيقيا، والتواطؤ لا يكون بالضرورة على الكذب، وإنما يمكن أن يكون أيضًا على الخطأ.

ويمكن الآن مثلا وجود مليون شخص معروفون بالصدق في القول، ولكنهم مجمعون على أن هذه السنة هي سنة 2018 من ميلاد المسيح، وهذا خطأ بلا ريب.

وكذلك يمكن وجود مليون شخص معروفون بالصدق في القول، ولكنهم مجمعون على سوء فقه إحدى الوقائع أو المسائل!

كما يمكن وجود مليون شخص معروفون بالصدق في القول، ولكنهم مجمعون على أن معاوية (صحابي جليل) وركنًا من أركان الدين ومقياسًا للحق والباطل!

إن هذه الشروط غير الموضوعية هي مجرد طنين أجوف لا نفع فيه، أما محاولة إعمالها فهي كمحاولة الإمساك بالهواء، فهي غير قابلة للتطبيق أصلا، ولذلك اختلفوا فيما قالوا إنه متواتر، ولو كانت مقاييسهم علمية موضوعية ما اختلفوا، هل يمكن أن يختلف عالمان في أن جزيء الماء ناتج من اتحاد ذرتي هيدروجين بذرة أكسيجين؟

1

1.png