الجدول

أمور دين الحق

إيتـاء الزكاة

إيتـاء الزكاة

إيتـاء الزكاة يتضمن أن يعطي الإنسان المسلمُ الأمةَ جزءًا معلومًا من ثمار عمله ودخله أداءً لحقِّها عليه، كما يتضمن صيانة وتزكية الوصلات والعلاقات المذكورة في ركن إقامة الصلاة ومدَّها بما يحييها ويقويها، فهو التزكي بالتعامل مع الآخرين، مثلما كان ركن التزكي خاصًّا بالتزكي على المستوي النفسي الفردي.

وركن إيتاء الزكاة يختلف عن ركن الإنفاق في سبيل الله في أن الزكاة محددة، أما الإنفاق فهو ركن مفتوح، لا حدّ أعلى فيه للإنفاق، فهو مفوض إلى حالة كل فرد على حدة ودرجة إيمانه وتقواه.

والزكاة تُؤخذ بصفة أساسية من الغني وتُعطى للمحتاج أو الفقير والمسكين ...الخ، وتعريف كل طائفة منهم منوط بأولى الأمر الحقيقيين وهو يختلف بالضرورة باختلاف العصر والمصر وباضطراد التطور، وإذا لم يكن ثمة أمة إسلامية بالمعنى الحقيقي فليس لأولي الأمر إلا البيان، ويكون كل مسلم ملزما بإيتاء الزكاة من حيث أنها من أركان الدين، وأولو الأمر هؤلاء هم الصفوة من علماء الاقتصاد والاجتماع والإدارة والأمور المالية ذوو العلم بمقاصد دين الحق وقيمه وسننه، ولا علاقة للمؤسسات الكهنوتية بهذا الأمر.

وتقدير الزكاة الواجبة على كل نوع من أنواع الثروة مما يكسب الإنسان أو مما يخرج من الأرض وكل ما يتعلق بالأنصبة والأوقات والدورات هو أيضا منوط بأولى الأمر، وهم بالطبع لابد من أن يراعوا نوعية وقيمة الربح وطبيعة دورة رأس المال وحالة الناس، وعليهم أن يفيدوا من المعارف والعلوم الاقتصادية الحديثة والنظم الضريبية، فأشبه الأمور بإيتاء الزكاة هو نظام ضريبي حديث عادل.

ويجب دائمًا مراعاة المقاصد الدينية وتغليب القيم والأمور الجوهرية على الأمور الشكلية، ويجب أن يثق الناس بالسموّ الفائق لربهم وبكماله المطلق، ولا يجوز أبدًا أن يسيء الناس الظن بربهم، فلا يجوز أن يظنوه موظفا بيروقراطيا لا هم له إلا مراقبة الالتزام الحرفي بما ورد في كتب سدنة المذاهب، ولا في كتب المرويات والآثار.

ومصرف الزكاة الأعظم هو أن تكون في سبيل الله تعالى، فيجب أن يؤدي الإنسان الزكاة بنية التقرب إلى الله تعالى بالإحسان إلى عياله، وفى هذا العصر مثلا فإن أحق الناس بالزكاة هم محدودو الدخل ممن لا مورد لهم إلا رواتبهم أو الشباب الذين يريدون أن يبدؤوا حياتهم، فهؤلاء هم الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، وهم الذين لا يسألون الناس إلحافا وربما لا يسألونهم أبدا، فمن مصارف الزكاة الشرعية أن تُيَّسر لهم سبل العمل وتكوين الأُسر.

وإيتاء الزكاة هو وسيلة للإنسان لتطهير نفسه من الصفات الذميمة ذات الأثر الخطير على كيانه مثل الشح والبخل والأثرة وكذلك لإكسابه الصفات الحسنة مثل الجود والكرم والإيثار.

كما يتضمنُ ركن إيتاء الزكاة صيانةَ وتزكيةَ الوصلات والعلاقات المذكورة في ركن إقامة الصلاة ومدَّها بما يحييها ويصونها ويقويها، وهو من لوازم تحقيق المقصد الأعظم الرابع، أي بناء وإعداد الأمة الخيرة الفائقة.

وهو ركن يجب أن تعمل على تنفيذه الأمة المؤمنة أو من ينوب عنها أو يمثلها من أولي الأمر، وفى حالة عدم وجود الأمة فإن للمجتمع الإسلامي أن يبحث عن الآليات الممكنة للقيام به، وهو يختلف عن ركن الإنفاق في أنه أشبه بالنظام الضريبي، وعلى أولي الأمر إلزام الناس به، كما أن عليهم تحديد وتعريف كل ما يتعلق به مثل مقادير الزكاة وأنصبتها ومصارفها، وعليهم ألا يتركوها للأمور العشوائية، ويجب أن يؤدي هذا الركن ليحقق مقاصده طبقًا لطبيعة العصر، فإن قصَّر المجتمع في واجبه هذا فعلى كل فرد أن يجتهد بخصوصه أو أن يسأل من هو على ثقة من صلاحه وتقواه وعلمه.

*******

إن الزكاة هي حق واجب على المسلم في كل مال وفى كل ما يمكن أن يُقوَّم بمال وذلك للأمة أو للمجتمع أو لأي كيان إنساني على كل فرد فيه، فهي حق للكيان الإنساني الأكبر على مكوناته من الكيانات الصغرى، ذلك لأن وجود مثل هذا الكيان بكل ما فيه وبكل ما يوفره لمن فيه هو شرط لازم للحصول على هذا المال، فضمان القدر الأدنى من سلامة البنيان الاجتماعي يحتِّم أن يكون للمجتمع حق في مال كل فرد فيه يتناسب مع ما لديه من مال، وعلى أولي الأمر في كل عصر ومصر تحديد النصاب الواجب فيه إخراج الزكاة وعليهم الاستئناس بالنسب التي كانت مفروضة في عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، وأشبه النظم بكل ما يتعلق بهذا الركن الآن هو النظام الضريبي العادل الراقي.

وفى حالة وجود الأمة الخيرة المالكة لأمورها فإن إعمال وتنفيذ ركن الزكاة يمكن أن يكون بديلا شرعيا عنه، وهو بالتأكيد سيكون أعظم عدلًا وأشد فعالية.

وتحصيل الزكاة وأداء كل ما يتعلق بها هو فريضة جماعية تؤديها الأمة إعلانا منها لربها وللعالمين عن هويتها الإسلامية، وهي أيضا من مظاهر ولوازم انتماء الفرد إلى تلك الأمة ويعد الامتناع عن أدائها تمردا سافرا وخروجا عليها، وعليها أن تتخذ ما يلزم للحافظ على كيانها وبنيانها مثلما تفعل الدولة مع من تمرد وامتنع عن دفع الضرائب المفروضة عليه.

وعلى المستوى الفردي فإن إيتاء الزكاة هو من وسائل التزكي، ذلك لأن الحرص على أدائها بإخلاص يطهر الإنسان من البخل والشح، ويجعله يتحلى بالجود والكرم والتعاطف مع الآخرين، هذا بالإضافة إلى ما سيعود عليه من الخير بمساهمته في سد حاجات الفقراء والمساكين وغيرهم فينال ثواب فك رقابهم وإحيائهم، ويجنى معهم من ثمار أعمالهم دون أن ينقص ذلك شيئًا من أجورهم، إنه بذلك سيعبد ربه بكيانات لم يعصه بها مطلقا، ولن يعصيه بها أبدا.

فإيتاء الزكاة من وسائل تحقيق مقاصد الدين العظمى فهو أمر لازم لإعداد وبناء الإنسان الصالح المفلح المحسن والأمة المؤمنة الخيرة، ووحدة الأمة المؤمنة هي أمر ثابت ومقرر، ولقد جعله الله سبحانه وصفًا لازما لها مع علمه بما سيؤول إليه حال المسلمين من بعد وكيف سيتفرقون إلى شيع ومذاهب ودويلات كثيرة وذلك حتى تعلم كل تلك الدويلات أنها أعضاء جسد واحد فيساعد الغنى منها الفقير والقوى الضعيف والعالم الجاهل، كما أن تلك الدويلات مسؤولة أيضا عن المسلمين المغتربين أو الأقليات الإسلامية في مختلف الدول.

وعلى أولي الأمر أن يبحثوا عن أفضل السبل لجمع الزكاة وإيصالها إلى مستحقيها، فليس ثمة ما يحتم أن يأخذها هؤلاء نقدا وعدا، وإنما يمكن أن تنفق لتشغيلهم ولإيجاد موارد رزق أفضل لهم وبناء مصحات لعلاجهم ومدارس لتعليمهم ولتعليم أبنائهم.

والصدقات لا تكون فقط مما ورد في المرويات وإنما تكون من طيبات كل ما يكسب الإنسان ومما أخرج الله له من الأرض، وهذا أمر قابل للاتساع مع الزمان والمكان، ويجب دائما الالتزام بما نص عليه القرءان الذي يتضمن الرسالة العالمية الصالحة لكل زمان ومكان.

ومن البديهي أن تكون الصدقات بالنسبة لأعراب الجزيرة من محاصيلهم وأنعامهم، وليس مثلا من محاصيل لا توجد إلا في الغرب، ولكنه الإصرار على التمسك بالآثار الذي وضع الحرج والإصر على الناس.

وفي هذا العصر فكل دولة تزعم أنها دولة مسلمة تكون ملزمة بمقتضى ركني إيتاء الزكاة والإنفاق في سبيل الله أن تمد يد العون إلى الدول المسلمة الأخرى.

*******

إن إيتاء الزكاة يتضمن العمل على توطيد الصلات والعلاقات بين كافة الكيانات المكونة للأمة، فيجب أن يُضخّ في كل وصلة أو علاقة ما يلزم لاستمرارها وتقويتها، فإذا كانت إقامة الصلاة تعني عمل وصلات وروابط بين الفرد وبين غيره من مكونات الأمة فإن إيتاء الزكاة يعني ضخَّ ما يلزم لتقوية وصيانة وتنمية هذه الصلات والروابط.

*******

أولو الأمر المنوط بهم تحديد مصاديق كل المصطلحات الشرعية الخاصة بالزكاة هم المتخصصون المؤهلون من رجال الاقتصاد وعلماء الاجتماع المؤمنين الذين هم أدرى بحال الناس في عصرهم ومصرهم، وهم غير المتسلطين على الأمر.

فكل ما يتعلق بإيتاء الزكاة لابد له من هيئة متخصصة تقوم به، وأولئك لهم نصيبهم من هذه الزكاة، وهم المشار إليهم بالمصطلح "العاملون عليها".

*******

والزكاة لغة هي‏ البركة والطهارة والنماء والصلاح‏، وذلك أيضا يشير إلى أثرها على نفس المزكي وماله، فإيتاؤها يؤدي إلى تطهير المزكي من الشح والبخل، وتخفف من شدة تعلقه بما هو زائل، وتقوي من تعلقه بما هو عند الله، الذي هو خيرٌ وأبقى، وهي تزيد في المال الذي أخرجت منه‏‏ وتطهره وتصونه وتقيه الآفات‏، كما أنها تقي الأمة شر تراكم الأحقاد وإحساس الناس بالغربة والظلم. ‏

والزكاة التي يُعدُّ إيتاؤها ركنا ملزما هي‏‏ حصة مقدرة من كل ما يمكن أن يُقوَّم بمال فرضها الله تعالى للمستحقين الذين سماهم في كتابه الكريم‏، ويطلق لفظ الزكاة على نفس الحصة المخرجة من المال المزكي، والزكاة قد تسمى في اصطلاح القرءان صدقة أو صدقات كما قال تعالى‏: ‏

{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم} [التوبة:103]، {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيم} [التوبة:60]

ويصدق ذلك ما رووه عن الرسول من قوله لمعاذ حين أرسله إلى اليمن‏: ‏ (‏أعْلِمْهُم أن اللّه افترض عليهم في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وتردّ على فقرائهم‏‏‏)‏‏.‏

فالفئات المستحقة للزكاة هم الفقراء، وهم من لا يتوفر لهم حاجات الحياة الأساسية، ومن لحقت بهم كوارث مفاجئة، ففقدوا موارد رزقهم، أو تعرضوا للإفلاس مثلا، والمهاجرين لظروف قاسية في بلادهم، وحديثي العهد بالإسلام ممن يُخشى عليهم الفتنة، ومن أثقلت الديون كواهلهم ... الخ، وكذلك للهيئة المختصة بأمور الزكاة نصيب منها.

وتعريف الفقير يعتمد على ظروف العصر والمصر، فليس الفقير الآن هو الفقير في القرن الماضي، وليس الفقير في الصومال كالفقير في السويد.

*******

إن الزكاة هي حق على كل كيان مسلم، فأداؤها ليس بمنَّة من أحد، بل هو ركن ملزم لكل كيان إسلامي، لذلك فعلى كل فرد أن يؤديها إلى أولي أمره المفوضين من الأمة أو إلى الهيئة المنوط بها تحصيل الزكاة كما أن هؤلاء ملزمون بتحصيلها من كل فرد مسلم.

ومصارف الزكاة محددة وفقًا لآيات الكتاب، وعلى أولي الأمر في كل عصر ومصر تحديد من انطبقت عليه التعريفات والمصطلحات الشرعية الواردة، فالفقير هو من يقل دخله عن حد معين، ويتغير هذا الحد وفقًا لظروف كل عصر ومصر، والمسكين هو من تعرض لظروف طارئة ناء بها كاهله حتى سكن واستكان، والمؤلفة قلوبهم هم حديثو العهد بالإسلام ممن لا موارد لهم بسبب اضطهاد أهلهم وممن يخشى ارتدادهم لسببٍ ما وممن يُرجَى للإسلام والمسلمين منهم خير، وفي الرقاب من هو في ضائقة شديدة تفقده حرية التصرف في أمور نفسه وتجعل أمره بيد غيره، بما في ذلك العبودية أو الدين الثقيل.... الخ.

فالزكاة نظام لتفعيل مبدأ التكافل الاجتماعي ولمبدأ مسئولية الأمة عن كل فرد فيها، وهي لا تهدف إلى تذويب الفوارق بين الطبقات ولا إلى بخس الناس أشياءهم وإنما إلى تزكية نفوسهم وإلى تدعيم الكيان المؤمن وتقوية بنيانه، وضمان حياة كريمة للفقراء، وضمان الأمن والسلامة للأثرياء ولغيرهم وإلى تمكينهم من أداء حق الأمة التي كفلت لهم كل ما يلزم لتكوين وتنمية ثرواتهم، ومن مقاصدها تزكية نفس الإنسان وإعداد الأمة الخيرة الصالحة الفائقة.

والشرط الشرعي الرئيس لركني إيتاء الزكاة والإنفاق أن يكونا في (سبيل الله)، وهذا يتضمن كل ما يؤدي إلى تحقيق مقصد كلي أو جزئي من مقاصد الدين؛ أي كل ما كان من مقتضيات تحقيق قيمة من قيم المنظومة الرحمانية.

وتحصيل الزكاة هو عمل من الأعمال المنوطة بأولي الأمر في الأمة الإسلامية في حال وجودها، فهو عمل من أعمال (السيادة) بالمعني الحديث، وهو بذلك من الموارد الرئيسة للأمة وينبغي الاسترشاد في كل ما يتعلق بالزكاة بالنظم الضريبية الحديثة، أما الإنفاق فهو عبادة مفتوحة كذكر الله لا حد له وفيه فليتنافس المتنافسون، والإنفاق كركن هو ما كان في سبيل الله ومن لوازمه ألا يمسك الإنسان المال ولا يكنزه ومن ذلك أن يجعله دائماً في أماكنه الطبيعية أي في المؤسسات الاقتصادية بالمعني الحديث فلا يجوز كنزه، إلا للضرورة القصوى؛ أي في حالة اضطرار شرعي.

*******

إن الفرق بين مفهومي الزكاة والضريبة هو كالفرق بين مفهومي الأمة والدولة.

*******

إن الآيات الآتية تبين أهمية ومكانة هذا الركن:

{وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ }البقرة43 * {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ}البقرة83 * {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }البقرة110 * {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }البقرة177 * {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }البقرة277 * {لَّـكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَـئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً}النساء162 * {وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ }المائدة12 * {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ }المائدة55 * {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }التوبة5 * {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }التوبة11 * {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ}التوبة18 * {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }التوبة71 * {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً }مريم31 * {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً }مريم55 * {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ }الأنبياء73 * {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ }الحج41 * {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ }الحج78 * {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ }المؤمنون4 * {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ}النور37 * {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }النور56 * {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ }النمل3 * {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ }الروم39 * {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ }لقمان4 * {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً }الأحزاب33 * {الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}فصلت7 * فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }المزمل20 * {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ }البينة5.

*******

من مقاصد إيتاء الزكاة تزكية النفس الإنسانية، فهي تقي الإنسان شح نفسه وتطهره من البخل وتكسبه وترسخ فيه صفات الجود والكرم والرأفة والرحمة والعطف على ذوي الحاجات، وهي من الموارد المالية الشرعية للأمة الإسلامية وما يمكن أن ينبثق عنها من هيئات اعتبارية مثل الدولة مثلا.

أما على مستوى الأمة فهي توثِّق العلاقات بين أفرادها وتزيد من متانة بنيانها، وهي من مواردها الرئيسة، وكلما اشتد تماسك الأمة وتوحدت مقاصدها كلما تضاعفت الآثار الطيبة لأفعال الخير مثل إيتاء الزكاة مما يقوي من كيانها الأمري ويجعل ما يصدر عنها متضاعف البركات.

*******

إن الله سبحانه وتعالى قد أوجب الزكاة على المسلمين وأوجب إنفاقها في مصارفها المعلومة، فكل من انطبقت عليه تلك الشروط ممن استظل براية الإسلام فإنه يستحقها مهما كانت عقيدته أو مذهبه طالما يستظل بالأمة الإسلامية.

*******

إنه في حالة وجود الأمة الخيرة المؤمنة فإن الزكاة تصبح من مواردها الأساسية تنفق منها لمساعدة المحتاجين وفك الرقاب وضمان الحد الأدنى من المعيشة للناس أجمعين ولتدعيم السلام الاجتماعي، ويكون إيتاء الزكاة من مظاهر ولوازم إعلان الانتماء إلى الأمة ويكون الامتناع عن أدائها تمردا سافرا عليها، مثلما يكون الامتناع عن دفع الضرائب تمردا على سلطة الدولة في العصر الحديث، فالزكاة واجب ملزم على مستوى الأمة وواجب ملزم على مستوى الفرد.

إنه في حال وجود الأمة المؤمنة المالكة لأمورها يكون على أولي أمرها أن يشكلوا هيئة تتولى أمر الزكاة، أما في حالة غياب كيان للأمة فإن كل فرد يصبح مسؤولا عن نفسه وعمن يعول، وفي حال وجود الدولة العلمانية فيجب أن يكون ثمة مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني تمثل الجماعة المؤمنة وتنوب عنها وتتولي كل ما يتعلق بتلك الفريضة فتحدد التعريفات اللازمة والأنصبة والنسب الواجب تحصيلها والفترات الزمانية الواجب مرورها على امتلاك الأنصبة وآليات تحصيل الزكاة وإنفاقها وتحديد مصارفها إعمالًا للنصوص القرءانية وأخذًا بها.

أما سهم المؤلفة قلوبهم فهو ثابت لهم، ذلك لأنه ليس لأي إنسان مهما كانت مكانته أن يوقف العمل بنص قرءاني، وإنما يستمد كل إنسان قيمته من قوة تمسكه واعتصامه بكتاب الله العزيز، فينبغي أن ينفق من هذا السهم الآن على المسلمين حديثي العهد بالإسلام في كافة الدول وخاصة في الأقطار الفقيرة التي يخشى عليهم فيها من الفتنة، وكذلك على المسلمين الذين قد تضطرهم الفاقة إلى الخضوع لإغراءات المنصرين وعلى من تعرض لاضطهاد أو فتنة في دينه.

ولقد قدروا نصاب زكاة المال بخمسة وثمانين جراما من الذهب على أساس أن النصاب كان في عهد البعثة عشرين دينارا وأن الدينار الذي ضربه عبد الملك بن مروان كان 4.25 جراما!!!!!!!!

ولكن فاتهم أمر هام وهو مستوى المعيشة في تلك العصور مقارنة بالعصر الحالي، إن هذا النصاب كان يكفي في العصور الإسلامية الأولى ليعتبر مالكه غنيا، كذلك كانت مطالب الحياة متواضعة مقارنة بالعصر الراهن، ومن المعلوم أن كافة الظروف الاجتماعية والاقتصادية قد اختلفت تماما في هذا العصر مقارنة بكل ما سبقه من العصور.

والذي افتعل المشكلة هو تحويلهم الوقائع التي واكبت البعثة إلى نصوص وأوامر مطلقة، وكان عليهم أن يستنبطوا السنة من آيات الكتاب العزيز ومما وصل إليهم من الوقائع الموثقة، ولو فعلوا لأدركوا أن الزكاة هي حق في مال الأغنياء للفقراء، أما تحديد أي حد من الحدود الواردة في هذا التعريف فهو منوط بأولي الأمر يحددونه بالنظر إلى ظروف عصرهم، فهم منوط بهم تحديد ما يلي: تعريف الغنى، تعريف الفقير، تحديد ذلك الجزء من المال الفائض على حاجة الغنى ويتضمن ذلك تحديد مدة زمنية لازمة يجب انقضاؤها لاعتبار ذلك المال فائضا، وذلك في حين أن ما يؤدى عند حصاد ناتج الأرض من خضر وفاكهة هو من باب الإنفاق، ويجب أن تتولى هيئة مسؤولة ومنظمة تنظيما جيدا ومسلحة بعلوم الاقتصاد الحديث أمر تحصيل الزكاة وألا تترك للأمور العشوائية ولا لمن يسعى لاستغلال مشاعر الناس الدينية الصادقة.

فإن لم يكن ثمة أمة خيرة مؤمنة بالمعنى الاصطلاحي فإنه على المجتمع الإسلامي أن ينتخب هيئة مدنية من علماء الاقتصاد والموظفين لتحصيل الزكاة والقيام بكل ما يلزمها من جمع البيانات وتعريف الغنى والفقير والنصاب، وبالتالي لا محل لتساؤل مثل هل يجوز دفع الزكاة للأخت مثلا ؟ لأنه ليس من مسؤولية الفرد مثل هذا التحديد في وجود هيئة من أولي الأمر الحقيقيين المختصين بكل ما يتعلق بالزكاة، أما إذا لم توجد مثل تلك الهيئة فانه على المرء أن يجتهد استرشادًا بمقاصد الدين العظمى؛ فهو إن كان في حاجة ماسة للمال لرعاية من يعول فإن الإنفاق عليهم أولى من الإنفاق على من لا يعرف ولا تجب عليه زكاة أصلا، فإذا كان لدى المسلم مال يمكن أن يتجاوز النصاب بيد أن والديه كانا في حاجة ماسة إلى هذا المال فإن الإحسان إليهما أمرٌ قرءاني كبير، وهو مقدم على إيتاء الزكاة إذ هو مقترن بإفراد الله تعالى بالعبادة، بمعنى أنه من الخير له أن ينفق المال عليهما بنية الإحسان إليهما والبر بهما وليس بنية أداء ما عليه من الزكاة، فإن النية الأولى موجبة للثواب الأفضل لأنها قضاء لحق أوجب، وذلك الأمر سارٍ بالنسبة إلى كل أولي رحمه.

وبالمثل فإن الإنفاق على ذوي القربى ممن لا يكون الفرد ملزمًا بأن يعولهم هو قيام بأركان دينية وعمل بمقتضى أوامر قرءانية، وهي هنا عمل بمقتضيات الركن التاسع الذي يلزم المسلم بمعاملة كافة الكيانات الإنسانية وخاصة الوالدين وذوي القربى وفق الأوامر الشرعية، وباختصار: صلة الرحم هي من لوازم ركن ديني يتقدم على ركن إيتاء الزكاة.

*******

إن إيتاء الزكاة هو عمل خطير وجاد، وهو من وسائل بناء الأمة وتسيير أمورها وإدارة مواردها فلا ينبغي أن يترك للاجتهادات الفردية العشوائية بل لا بد لها من هيئة موحدة مسؤولة لديها الفقه اللازم والبصيرة النافذة والعلم الراسخ والقدرة على عمل الإحصاءات اللازمة والحصول على البيانات الدقيقة، هذا فضلا عن التأهيل في الأمور الاقتصادية والمالية والاجتماعية والإنسانية، وبالطبع هذه المواصفات تستبعد بالضرورة أعضاء المؤسسات الكهنوتية الجهلوتية الأثرية المتخلفة.

إن إيتاء الزكاة في هذا العصر نقودا إنما يمليه ما يلي:

1- أن المصدر والمرجع الأوحد في أمور الدين الكبرى وهو القرءان الكريم جعل الأمر بإيتاء الزكاة وما يتعلق بها مطلقًا مجملا، وذلك من مظاهر سمة إلهية هي الإحاطة التامة العلمية.

2- عالمية الدين وعدم تقيده بالأمور البيئية أو المحلية.

3- أنه دين مقاصد ولقد نص صراحة على المقصد من الزكاة فمراعاة المقصد أولى من مراعاة الشكل.

4- أنه دين سنن، والسنن إما أن يكون منصوصا عليها في الكتاب أو يمكن استنباطها منه ومما صحت نسبته إلى الرسولصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ مع الاسترشاد بمقاصد الدين العظمى ومنظومات قيمه وسننه.

5- أنه دين ليس فيه من حرج على الناس ولقد أعلن الله سبحانه فيه ذلك بكل صراحة ووضوح.

ولقد قال تعالى : {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرْ الْمُحْسِنِينَ(37)} (الحج)، فبيَّن أن الدافع إلى العمل الصالح والحافز عليه والأمر الجوهري الباطني مقدم عنده على المادة أو الأمور الشكلية، وقد يقول قائل إنه بلا شك كانت تزرع خضر وفاكهة في المدينة ولم يأمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَبإخراج الزكاة منها، فالجواب هو أن السنة هنا لا تعنى أنه لا تجب زكاة في أمثال هذه المحاصيل بل إنها تعنى أن تعيين المحاصيل التي تجب فيها الزكاة هو أمر منوط بولي الأمر، لذلك ربما رأى النبي لسببٍ ما أن يعفى بعض المحاصيل من الزكاة كما تخفف الآن بعض الحكومات الضرائب على منتج معين أو تعفيهم منها تماما تشجيعا لإنتاجه.

*******

إن المسلم مأمور أمرًا بينا بالإنفاق في سبيل الله تعالى وأن يؤتى الزكاة لأن في ماله وفي كل ما يمكن أن يحصد حق للسائل والمحروم، وفي ذلك إظهار وإقرار بأن المال لله تعالى حقاً ولبيان أن الإنسان مستخلف فيه ولأن الإنسان يتعلم بذلك ويتذوق لذة الإعطاء والإيجابية فتتزكى بذلك نفسه ويعود عليه ثواب من أحياه بمساعدته وخفف عنه أعباء الحياة.

وإيتاء الزكاة من وسائل بناء وإعداد الأمة الخيرة الفائقة ومن وسائل تقويتها وتدعيم بنائها، فالإنسان مطالب بأن يخرج نسبة معينة من كل رزق يأتيه وهو متنوع، والنظام الضريبي المتبصر هو الصورة الأمثل لكل ما يتعلق بأمور الزكاة، لذلك فإن هذا النظام إذا ما وضعه أو عدله أولو الأمر الحقيقيون يمكن أن يكون بمثابة التطبيق العملي والعصري لركن إيتاء الزكاة، أما في حالة عدم وجود الأمة المؤمنة الحقيقية (وهذا هو الحال الآن) فعلى كل مؤمن أن يتدبَّر أمره وفق مقاصد الدين العظمى ومنظومات قيمه وسننه.

*******

إن الزكاة هي حق على الفرد لأمته في كل مال مكتسب، فلولا وجود الفرد في أمة توفر له من الحقوق ما يسمح له باكتساب المال ما تمكن من اكتسابه، والمال المحصل يجب أن يوجه إلى المصارف الشرعية المعلومة، وتحديد كل ما يتعلق بخصوص الزكاة منوط بأولى الأمر فعليهم أن يحددوا على من يجب الأداء والنسبة المقررة فيما حصله من مال، وكذلك متى يجب أداؤها، وأداؤها واجب بمجرد تحصيل المال.

فبالنسبة إلى ما يزرع مثلا فالزكاة تؤدى عند الحصاد من كل ما تنبت الأرض إلا إذا ارتأى أولو الأمر إعفاء محصولٍ ما منها لأسباب مقنعة ومعلومة للجميع، مثل تشجيع ودعم هذا النوع من الزراعات مثلا أو لشدة حاجة الأمة إليه مع قلة أرباحه للزارعين، وهى تجب على التاجر عندما يربح في صفقةٍ ما مبلغًا معلوما على أولى الأمر تحديده.

وهى تجب أيضا على من يتسلم راتبا دوريا في الجزء الذي يتيقن زيادته عن حاجته من هذا الراتب، فالزكاة هي كالضريبة من كافة الحيثيات وإن اختلفت عنها في أن من يؤديها فإنما يؤديها كواجب ديني أي ابتغاء وجه الله تعالى ، وفي حالة وجود الأمة الخيرة التي تستند إلى شريعة الإسلام وتجعل مهامها هي تحقيق مقاصده العظمى فإن إيتاءه للزكاة يكون واجباً عليه أيضا كأمر لازم لتحقيق المقصد الأعظم الخاص بالأمة.

*******

قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} التوبة60.

إنه بمقتضى ذلك فالزكاة هي من الموارد الرئيسة للمال العام الذي يجود به أفراد الأمة لصالح الأمة ككل بل لصالح البشرية جمعاء بل لصالح كل الكائنات الأرضية، فالزكاة عند الأمة الخيرة المؤمنة هي ما يغني عن أو يحل محل الضريبة العامة عند الأمم أو الدول الأخرى، والذي يدل على ذلك هو وجود مصرف (العاملين عليها)؛ فهو للدلالة على أن أمر تحصيل الزكاة منوط بالأمة جمعاء ممثلة في هيئة إدارية حقيقية، فهو عمل من الأعمال السيادية التنفيذية المنوطة بما يعرف بالدولة الآن، والزكاة تؤدَّى إلى أولي أمر الأمة المؤمنة في حال وجودها وسيطرتها على مقدراتها.

ويجب العلم بأن القوة الأساسية الواجب على الأمة إعدادها الآن لإرهاب أعدائها هي القوة الاقتصادية، وتحصيل الزكاة بالمفهوم الحقيقي هو من وسائل إعداد تلك القوة، كما أن الحرص على حسن أداء وتنفيذ هذا الركن يترتب عليه تدعيم وتقوية بنيان الأمة بتقوية الأواصر بين كافة عناصرها، فإيتاء الزكاة وإنفاقها في سبيل الله من مهام وواجبات وسبل إعداد وتقوية الأمة الخيرة الفائقة فهو بذلك من وسائل ولوازم ومظاهر تحقيق المقصد الأعظم الخاص بالأمة، أما على المستوى الفردي فهو من مقتضيات الإيمان ولوازمه وهو من سبل تطهير النفس وتزكيتها بدفع رذيلة الشح عنها وإكسابها فضائل الكرم والجود والإيثار والإيجابية وتذوق لذة العطاء وتخفيف معاناة الناس، فهي بذلك من وسائل تحقيق المقصد الأعظم الخاص بالفرد.

والضريبة هي صورة مشوهة للزكاة، ويمكن إذا ما خلصت النيات وأعلن شعبٌ ما عزمه التام على الالتزام بتعاليم الإسلام أن تكون الزكاة بديلا عن الضرائب فيؤديها الإنسان طوعًا وحبًّا وليس خوفا ورهبا، وفى تلك الحالة فإن القيام بهذا الركن يشمل جانبا كبيرا مما هو منوط بالسلطة التنفيذية الاقتصادية في الدولة الحديثة، ويكون إنفاق حصيلة أموال الزكاة هو لتوفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة على الأقل لكل من انتمى إلى الأمة.

إن نظام تحصيل الزكاة يجب أن يكون منظما ومسئولا كنظام تحصيل الضرائب، وفي وجود الأمة المؤمنة يغني إيتاء الزكاة عن النظام الضريبي.

ويمكن في حالة وجود أغلبية إسلامية (لا يشكلون أمة بالمعنى الشرعي) مع أقليات أخرى أن يعمم نظام الزكاة الإسلامي ويكون بديلا عن النظام الضريبي وينتفع به الجميع.

*******

إن إيتاء الزكاة يطهر المرء من رذيلة الشح والإمساك والحرص السيئ والبخل ويكسبه فضائل الجود والكرم والإيجابية والإيثار والأريحية ويزيد من قواه فيجنى من ثمار أعمال كل من أحسن إليهم وانتفعوا بعطائه.

أما بالنسبة إلى الأمة فهو وسيلة للتضامن والتكافل بين أبنائها وهي تزيد من قوة اقتصاد الأمة وتماسك كيانها فتقوي دعائم السلام الاجتماعي، وعندما يجد الجد وتتعرض الأمة لأي خطر سيتسابق الجميع للدفاع عنها.

*******

إن الزكاة كما بيَّن الكتاب العزيز والرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَهي حق للفقراء في المال الفائض عن الحاجة، أما سدنة المذاهب فلقد عرَّفوا الغنيَّ بأنه من امتلك قدرا معينا من الدنانير (الذهب) أو الدراهم (الفضة) وفقاً لما كان عليه الأمر في العصر الإسلامي الأول وظنوا أن ذلك تحديدا إلهيا لا يتغير، وفي ذلك تحويل للنسبي المقيد إلى المطلق ولاجتهاد اقتضاه عصر ما إلى سنة إلهية لا تبديل لها ولا تحويل، فأتعبوا بذلك الناس وأنفسهم في معرفة وزن الدينار ووزن الدرهم وماذا يكافئ هذا الوزن الآن من النقود وطالبوا كل من امتلك هذا النصاب بدفع الزكاة، وهم إنما اعتمدوا الدينار الذي ضُرب في عهد أحد ملوك بني أمية، ولما فوجئوا بالتفاوت الهائل الذي حدث بين سعري الذهب والفضة اختاروا الأكبر ولم يختاروا الأصغر، وكل هذا ليس إلا اجتهادا منهم.

أما كيفية إعمال هذا الركن المتفقة مع الحق فهي أن يوكل إلى أولي الأمر صياغة التعريف الدقيق لكل من الغني والفقير بحيث يكون تعريفا منطقيا متفقا مع أحوال العصر والمصر ومطالب الشرع، ويجب أن يكون هذا التعريف معروفا للكافة.

والزكاة مفروضة على كل مظاهر المال والثروة وفقا لطبيعة تلك الثروة ، فلا حاجة إلى البحث الدقيق في الآثار الخاصة بالقرن الأول، ذلك لأنه يجب أن تؤتي زكاة كل لون من ألوان الثروة حين حصاده كما نص الكتاب، وما سنه الرسولصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو تفعيل لما نص عليه الكتاب، فبخصوص المحاصيل الزراعية فإن الزكاة تجب عند حصاد المحصول، وبالنسبة لتجار يعتمدون على رحلتين كل عام يشكلان دورة واحدة تكون الدورة الزمنية عاما شمسيا.

أما بالنسبة لما استحدث في هذا العصر من العمل بأجر شهري فإن إعمال نظام لتحصيل الزكاة يكافئ تفعيل نظام ضريبي عادل يقوم بوضعه أولو الأمر المختصون أي المتمرسون بعلم الاقتصاد الحديث والملمون بمقاصد وقيم وسنن الدين، وذلك هو أفضل سبل الوفاء بهذا الركن، وفي حالة وجود الأمة الخيرة المالكة لمقدراتها لا يجوز أن يحدث ازدواج بين الأمرين أي إنه يجب أن يغني تحصيل الزكاة عن فرض ضرائب على الدخل، أما في حالة افتقاد وجود تلك الأمة فإنه يجب إيجاد مؤسسة تضم أولي الأمر المختصين بكل ما يتعلق بأمور الزكاة من وضع وتعديل التعاريف اللازمة وتحديد النسب والمقادير والأنصبة وتحديد المصارف الشرعية والتي منها ما يلزم لتمويل تلك المؤسسة وضمان استقلاليتها.

أما في حالة عدم وجود أمة بالمعنى الشرعي أو في حالة وجود جماعة من المسلمين تتعايش مع طوائف شتى في بلد ما حتى ولو كانوا يشكلون أغلبية ولم يكن لهم سلطة تنفيذية فإن المسلمين يكونون ملزمين بإعداد وتكوين هيئة مدنية مرتضاة من أولي الأمر (الاقتصادي بالمفهوم الحديث يالإضافة إلى العلم اللازم بالأمور الدينية) تختص هذه الهيئة بالبت في كل ما يتعلق بأمور الزكاة بحيث تؤخذ منهم وترد عليهم؛ فتكون بمثابة إعادة توزيع للثروة وتحقيق التكافل فيما بينهم، ويكون لأعضاء تلك الهيئة نصيبهم المقرر والمعلوم من هذا المال، ويجب أن يشترك كل المجتمع الإسلامي بشتى طوائفه في عملية اختيار أعضاء هذه الهيئة وألا يفرضها أي مذهب أو جماعة عليهم.

أما في حالة عدم وجود مؤسسة لتحصيل الزكاة فإنه على كل إنسان أن يؤدي الزكاة حين يتم تحصيل المال أو ما يكافئه إذا كان يفيض بالفعل على حاجاته الأساسية وعليه أن يجتهد لنفسه وإلا فليسأل غيره.

*******

إن الزكاة كانت على الذهب والفضة من حيث إن العملات النقدية المتداولة كانت تصنع منهما وليس لعين كل معدن منهما؛ أي من حيث أنهما كانا من صور الثروة المادية، ولذلك تجب الزكاة على كل ما يملكه إنسان من معادن نفيسة وأحجار كريمة وغيرها مما يمكن أن يمثل ثروة أو يترجم إليها.

والمنوط بأولي الأمر الحقيقيين تحديد كل مصاديق المصطلحات الشرعية المتعلقة بإيتاء الزكاة، ومن ذلك مثلا تعريف الفقير، تعريف من تجب عليه الزكاة، تحديد حدّ أدنى في كل نوع من أنواع الثروة تجب الزكاة على من يتجاوزه، تحديد النسبة الواجب أداؤها كزكاة من الثروة، تحديد دورة تحصيل الزكاة لكل مصدر من مصادر الثروة ... الخ.

وقد يحدث أن يتفق بعض الناس أو بعض الدول على التوقف عن استعمال النقد والعمل بنظام المقايضة، وفي هذه الحالة يكون منوطًا بأولي الأمر أيضًا تحديد كل ما يلزم لإيتاء الزكاة.

ويجب دائمًا القيام بالقسط، والعمل بمقتضى سمات وقيم الدين، ومنها أنه دين راقٍ سام، يخاطب بشرًا يفقهون ويعلمون ويعقلون، ولا يُخاطب قطعانًا من الأنعام أو المتخلفين.

ومن سمات الدين أيضًا التي يجب مراعاتها هاهنا أنه ليس دين رسوم أو شكليات أو مراءاة أو نفاق، وإنما هو دين مقاصد وقيم عليا حقيقية.

*******

إن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قد حدد بعض أصناف المحاصيل التي تجب فيها الزكاة بالنظر إلى أحوال قومه وموارد رزقهم، فسنته ليست في قصر الزكاة على ما كان يزرع في جزيرة العرب في القرن السابع الميلادي وإلا لكان الإسلام دينًا عربيا محليا، ولكن سنته هي أن لأولي الأمر تحديد الأصناف التي تجب فيها الزكاة في كل عصر ومصر بما يتوافق ويتسق مع الإطار العام لدين الحق ومنظومات أركانه وقيمه وسننه، فلم يكن من المطلوب النص على كل أنواع ومظاهر الثروة التي يمكن أن تستجد، وعلى سبيل المثال لم يكن من المنطقي النص على أسماء محاصيل لم يكن للعرب خبرة بها، فهذا أمر لا جدوى منه ولا حاجة إليه، ولقد اكتفي الكتاب العزيز بالأمر بإيتاء الزكاة وبأنها حق للسائل والمحروم، لذلك فعلى أولي الأمر في كل عصر تشريع وسن كل ما يلزم ليحقق إيتاء الزكاة مقاصده وتصل إلى المحرومين حقوقهم، وقد يزعمون أن الأمر بإيتاء الزكاة هو كالأمر بإقامة الصلاة لابد للمرويات من أن تحدده وأن تقيده، والحق هو أن تفاصيل وكيفيات إقامة الصلاة كانت معروفة للعرب من بقايا وآثار ملة إبراهيم عليه السلام كما أنها وردت متناثرة في القرءان وفقًا لما هو معلوم من النهج والأسلوب القرءاني، أما الأمر بإيتاء الزكاة فلم يقيد إلا بخصوص المصارف، أما الأمر بالإنفاق في سبيل الله تعالى فقد بقي على إجماله وإطلاقه.

والحق هو أن موقف الدين الأعرابي الأموي من أمر الزكاة هو من أدل المواقف على اختزالهم الدين والقضاء على وجهه العالمي وجوهره ومقاصده وتحويله إلى مجموعة من القواعد البيروقراطية والشكلية والآلية وكتالوجا لتحديد التصرفات اليومية وكيفية استعمال الأعضاء البشرية.

*******

إن إيتاء الزكاة وهو ركن يجب أن تتعهده وتضمن القيام به الأمة المؤمنة أو من ينوب عنها أو يمثلها من أولى الأمر، وفى حالة عدم وجود الأمة فإن للمجتمع الإسلامي أن يبحث عن الآليات الممكنة للقيام بها، وهى تختلف عن الإنفاق في أنها أشبه بالنظام الضريبي، وعلى أولي الأمر، في حالة وجود الأمة، إلزام الناس بها كما أن عليهم تحديد وتعريف كل ما يتعلق بها مثل مقاديرها وأنصبتها ومصارفها، وعليهم ألا يتركوها للأمور العشوائية، فإن قصَّر المجتمع في واجبه هذا فعلى كل فرد أن يجتهد بخصوصها، أما الإنفاق فهو ركن كذكر الله تعالى منوط بكل فرد على حدة ومفوض أمره إلى اختيار هذا الفرد.

*******

إن إيتاء الزكاة، وهو وسيلة الإنسان لتطهير نفسه من الصفات الذميمة ذات الأثر الخطير على كيان الإنسان مثل الشح والبخل والأثرة وكذلك لإكسابه الصفات الحسنة مثل الجود والكرم والإيثار، وهو من لوازم تحقيق المقصد الأعظم الخاص بالفرد وكذلك المقصد الأعظم الخاص بالأمة؛ أي إعداد الأمة الخيرة الفائقة، فهو من مواردها اللازمة لتدبير ما يلزمها من أموال، وهو ركن يجب أن تعمل على تنفيذه الأمة المؤمنة أو من ينوب عنها أو يمثلها من أولى الأمر.

وفى حالة عدم وجود الأمة بالمعنى الشرعي فإن للمجتمع الإسلامي أن يبحث عن الآليات الممكنة للقيام به، وهى تختلف عن الإنفاق في أنها أشبه بالنظام الضريبي، وعلى أولى الأمر إلزام الناس بها كما أن عليهم تحديد وتعريف كل ما يتعلق بها مثل مقاديرها وأنصبتها ومصارفها، وعليهم ألا يتركوها للأمور العشوائية، ويجب أن يؤدَّى هذا الركن ليحقق مقاصده طبقًا لطبيعة العصر، فالأمر الأهم هو التحقيق الفعال الأمثل للمقاصد القرءانية وليس المحاكاة الدقيقة لما ورد في كتب المرويات الظنية، فإن قصَّر المجتمع في واجبه هذا فعلى كل فرد أن يجتهد بخصوصه أو أن يسأل من هو على ثقة من صلاحه وتقواه وعلمه، أما الإنفاق فهو ركن كذكر الله تعالى منوط بكل فرد على حدة.

*******

إن القرءان أمر بإيتاء الزكاة وذكر طوائف الناس الذين يستحقونها ولكنه فيما عدا ذلك ترك كل ما يتعلق بها مجملا، وهذا يعني أنه فوَّضه إلى أولي أمر الأمة المؤمنة، وهؤلاء ملزمون بالاستئناس بما نُسِب إلى الرسول إجمالاً، ولكنهم أيضاً ملزمون بمراعاة أحوال كل عصر ومصر بما يحقق مقاصد هذا الركن التحقيق الأمثل، فلا يجوز اختزال إيتاء الزكاة إلى جوانب شكلية أو أمور طقوسية، والذين يجعلون الاعتبار كله للجوانب الشكلية إنما يظهرون ما انطوت عليه أنفسهم من تصورات خاطئة عن رب العالمين وظن سيئ به؛ فهم يظنونه موظفا بيروقراطيًّا لا يعنيه ولا يهمه إلا سلامة الإجراءات الشكلية الروتينية، وهم يظنونه بذلك ربًّا إسرائيليا تلموديا، ولا يجوز مطلقًا الأخذ بالحيل هاهنا أو في أي أمر ديني آخر.

*******

إن إيتاء الزكاة هو من أمور الدين القيم الذي أُلزمت به كافة الأمم، فهو من أركان دين الفطرة، وهو لذلك أيضًا مما يمكن أن تختلف الشرائع في أموره التفصيلية بتغير العصور والأحوال، وإيتاء الزكاة هو ركن آخر غير ركن الإنفاق في سبيل الله والمعبر عنه أحيانًا بإقراض الله قرضًا حسنا للدلالة على وجوبه والتأكيد عليه وبيان أهميته.

وإيتاء الزكاة هو أيضًا من أركان الإسلام الظاهري، أي هي مما يعلن به الإنسان من الناحية الظاهرية على الأقل انتماءه للأمة المؤمنة وولاءه لها، ولكنها لا تقبل إلا ممن كان مسلما بالمعني الحقيقي أي كان من المؤمنين بدين الحق الملتزمين به قلبا وقالبا.

الزكاة تكون من كل ما يمكن أن يُقوم بمال من الدخل المتجدد، وإيتاء الزكاة هو من وسائل تنمية الصلات الشرعية بين مكونات الأمة وإمدادها بما يؤدي إلى إحيائها وصيانتها ودعمها وتقويتها، وبذلك يتم تقوية بنيانها وزيادة صبرها، والصبر مع الإيمان والفقه (الحقيقي) وإعداد المستطاع من القوة هي الأمور اللازمة للأمة التي تستطيع أن تهزم من يفوقونها في العدد والعدة عشر مرات.

*******

إنه لا يحق لعمر بن الخطاب ولا لغيره إبطال حكم شرعي ديني، فسهم المؤلفة قلوبهم باقٍ إلى قيام الساعة وعلى المسلمين الآن أن ينفقوا منه على حديثي العهد بالإسلام في الدول المختلفة وعلى المسلمين الذين يُخشى عليهم الفتنة أو الردة عن دينهم بسبب الحاجة المادية .... إلخ، وما قام به عمر بن الخطاب - وقد كان محقا فيه -هو أنه طرد بعض من أرادوا استمرار التكسب من هذا السهم بعد أن زالت عنهم الصفة التي تجعلهم يستحقونه، ولقد بيَّـن بفعله هذا أن تعريف المؤلفة قلوبهم هو من اختصاص أولي الأمر، ولكن عبيد الأسلاف الذين جعلوه رسولا مع الرسول وشريكا له في رسالته بل ومصححا رسمياً له ونبيا احتياطيا قد نسخوا بتفسيرهم الخاطئ لفعله آية القرءان كما أصبحت صلاة (التراويح) التي أحدثها من أقدس ما يحرص عليه المسلم الذي ربما لا يقيم وزنا لأكثر أركان الدين الحقيقية.

*******

إن موقف الإنسان من المال يوضح الاتساق بين المقاصد والأركان، والإنسان في الإسلام لا يملك المال وإنما هو مستخلف فيه بمعني أن له حق الانتفاع به، والحفاظ على ملكية الإنسان النسبية للمال هو حق له للحفاظ على حقوقه وكرامته وحقوق أبنائه، ولكن ليس له أن يتخذ من جمع المال وكنزه مقصدا، ولقد جعل الله من أركان الإسلام إيتاء الزكاة، وهذا يعني أن كل مسلم انطبق عليه تعريف الغني ملزم بإعطاء نسبة محددة من المال أو من دخله بلغة العصر لجماعته المؤمنة ممثلة في أولي أمرها وذلك وفقا لأسس معلومة ومحددة من قبل أولي الأمر المتخصصين.

*******

إن إيتاء الزكاة واجب على المسلم الذي لديه ما يفوق نصابا أو حدا معينا مما يمكن أن يقوَّم بمال، والحد يجب أن يقرره أولو الأمر في كل عصر ومصر طبقاً للظروف والأحوال ودرجة التقدم وأنواع الموارد ومصادر الدخل السائدة عندها.

والنسبة الواجب إيتاؤها من كل نوع أو صنف تجب فيه الزكاة يجب أيضا أن يحددها أولو الأمر استرشادا بما صحت نسبته إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَبحيث تتحقق مقاصد الدين على أفضل وجه ممكن.

*******

إنه يجب أن يؤدي من ينطبق عليه تعريف الغني زكاة عن كل نوع من أنواع ثروته النامية إذا ما بلغت نصاباً معلوماً، والزكاة تؤدى دوريا وتعتمد الدورة الزمنية على نوع الثروة.

فإذا كانت الثروة محصولا زراعيا، مثلا، فوقت أداء الزكاة هو وقت الحصاد، وتحديد كل ما ورد هاهنا هو مسئولية أولي الأمر في كل عصر ومصر، فهم المنوط بهم تعريف ما يلي: الغني-الفقير الذي يستحق الزكاة-المسكين، وبالنسبة إلى كل نوع من الثروة يجب عليهم تحديد النصاب ونسبة الزكاة والدورة الزمنية اللازمة.

*******

إن إيتاء الزكاة هو عمل جاد وخطير، وهو حق للأمة على كل فرد ينتمي إليها لقاء ما توفره له من الحماية والرعاية والأمن وسائل الكسب، وهو من وسائل الحفاظ على كيان الأمة بالقضاء على أسباب النقمة والفتنة وبدعم وترسيخ أسس ووسائل التكافل والتراحم والمعاونة والترابط.

وفي الحقيقة إن النظم الأخرى تحاول بتطبيق النظم الضريبية الاقتراب من نظام إيتاء الزكاة الإسلامي، والإسلام يتفوق عليها بجعله نظام تحقيق القسط والعدل والتكافل في الأمور الاقتصادية وسيلة من وسائل التعبد لله تعالى وليس وسيلة تسلط وقهر.

*******

إن أولي الأمر المؤمنين الحقيقيين المتمرسين من رجال الاقتصاد المتفقهين وغيرهم هم المنوط بهم تحديد كل ما يختص بإيتاء الزكاة، ومن ذلك:

1- تعريف الغني والفقير وتعريف كل فئة من الفئات التي تستحق الزكاة، ومنها المؤسسة التي تقوم بالتحصيل.

2- تعريف الأنصبة في كل مصدر من مصادر الدخل.

3- تحديد النسبة الواجب أداؤها من كل دخل.

4- تحديد الفترات (الدورات الزمنية) والأوقات التي يجب بعدها أو عندها تحصيل الزكاة.

*******

القلوب تحب من أحسن إليها، ومن أفعل وسائل الإحسان تقديم المال، فهذا يعني إنفاق المال في كل ما يؤدي إلى تأليف قلوب الناس، وإذا كان هناك من يعاديك بضراوة ففوجئ بك تحسن إليه وتسدد عنه دينا مثلا فإنه بالتأكيد –إذا كان فيه بقية من إنسانية- سيثمن ويقدِّر موقفك.

وفي العصر النبوي كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَيعلم أن سادة قريش الذين فقدوا نفوذهم ومصادر رزقهم ووجاهتهم وقُتل بعض أقاربهم يضمرون في قلوبهم غلا رهيبا للإسلام والمسلمين، فالإحسان إليهم كان مظنة التخفيف من وطأة هذا الغلّ، فليس في الأمر أي نوع من الرشاوي، وقد كان من الممكن قتلهم أو نفيهم تماما من البلاد جزاءً وفاقًا لجرائمهم السابقة ضد الإسلام والمسلمين.

وهؤلاء، كان الرسول يزيدهم في العطاء ويحسن إليهم استنادا إلى الآية، ولكن لما تبيَّن من بعد أن بعضهم كأبي سفيان جعلها وسيلة للتربح طرده عمر بن الخطاب، وقد أساء البعض فقه تصرف عمر واعتبروا أنه عطل حكما قرءانيا وأشاد بتصرفه أعداءُ الشريعة، والنتيجة أنه تم تعطيل هذا الحكم استنادا إلى تصرفه.

والحق هو أن عمر بن الخطاب رأى أن تعريف "المؤلفة قلوبهم" لم يعد ينطبق على (الصحابي الجليل) أبي سفيان وغيره من (الصحابة الأجلاء) الذين لم يخجلوا من أنفسهم ولم يتورعوا عن مزاحمة فقراء المسلمين في رزقهم فطرده شر طرده!! (ليوقع عبيد الصحابة من بعد في حيص بيص!!)

وعمر بن الخطاب لا يملك تعطيل حكم قرءاني، فما زال ذلك المصرف الشرعي قائما، ويمكنك أن تنفق من زكاة مالك لتأليف قلوب الناس، ومن ذلك الإحسان باسم الإسلام إلى المنكوبين.

ولو كان هناك أمة إسلامية حقيقية لاستعملت هذا الحكم لتمويل صندوق باسم الإسلام لنجدة كل بلد أصابته كارثة أو لمساعدة البلدان الفقيرة ومحدودة الموارد، وأنواع المساعدات لا حصر لها.

ويمكن من هذا السهم أيضا تمويل الأبحاث الطبية لمعالجة ما يستجد من أمراض وبناء المستشفيات والمدارس وكافة أوجه النشاط الإنساني باسم الإسلام، وبذلك نتألف قلوب الناس له ونحببهم فيه!

*******

أكثر أقوالهم في موضوع إيتاء الزكاة تدل على أنهم يفتعلون المشكلة ثم يحاولون التملص منها، إن الأمر بإيتاء الزكاة عام، وقد تركه القرءان كذلك لكي يتم تطبيقه في كل عصر ومصر بما يلائم ظروف العصر والمصر، ولكي يتم تطبيقه على كل نوع من الموارد بما ذلك ما لم يكن العرب يعرفونه أو ما يستجد منها، ولكنهم أصروا على تتبع الآثار فوجدوا منها ما كان مناسبا لبيئة العرب البدائية في القرن السابع الميلادي فجعلوها تفصيلا للأمر القرءاني.

ولما كانت هذه الأقوال غير ملائمة لأي بيئة أخرى فقد أصبح لزاما عليهم أن يحاولوا إيجاد مخرج مقبول، بينما تشبث آخرون بهذه الأقوال وجعلوها هي الدين واعتبروا كل من قال بغيرها من الكافرين! وبذلك تمَّ القضاء على جوهر ومضمون هذا الركن الكبير والهام.

*******

إن إيتاء الزكاة هو عبادة مالية تتضمن أن يعطي الأغنياء للفقراء حقوقهم في مالهم، فهو يتضمن شيئا من إعادة توزيع الثروة بما يحقق السلام الاجتماعي، فيتزكى معطي المال بذلك بتطهره من رذائل الشح والبخل، ويؤدي حق الأمة عليه، والتي لولا وجودها لما حقق شيئا من ثرائه، بينما ينتفع بذلك المال مستحقوه.

وإيتاء الزكاة يعتمد على الأحوال الاقتصادية للأمة، ولما كان من المعلوم مسبقا أن الأمور الاقتصادية شديدة التنوع وأنها قابلة للتطور الهائل فلم يكن من الجائز تجميدها والتمسك بما كانت عليه في البيئة العربية في القرن السابع الميلادي.

فالذي يبين ويفصل عملية إيتاء الزكاة هو أحوال العصر والمصر، وهي بذلك تختلف عن إقامة الصلاة، والتي هي عبادة يؤديها المسلم بنفسه وجسمه إلى ربه، ولذلك فهي ثابتة من الناحية الشكلية.

لكل ذلك يجب أن يتضمن نظام تحصيل وتوزيع الزكاة المقاصد منها وألا يحولوها إلى أمرٍ شكلي أو إلى وسيلة لإضعاف بنيان الأمة.

*******

موضوع إيتاء الزكاة موضوع كبير، ولكن يمكن بيان ما يلي:

1. وحدة الكيانات الإنسانية الكبيرة الآن هي الدولة الوطنية المعاصرة

2. الشعب في هذا الكيان متعدد الأديان.

3. الجيش الذي يدافع عن كيان الدولة هو من هذا الشعب المتعدد الأديان

4. الأمة المسلمة هي جزء من الشعب، وليست كل الشعب، وليست كل الجيش

5. لا جدوى من محاولات الأديان الإجرامية التي حلت محل الإسلام لاستئصال من يختلفون عنهم، فيجب إلزامهم بالتعايش السلمي مع غيرهم، أما في دين الحق فالتعايش السلمي المثمر مع الآخرين واحترام حقوقهم وكرامتهم من أركان ومقاصد الدين

6. في دين الحق إيتاء الزكاة هو مصدر أساسي لأموال الكيان التي تُنفق لتحقيق تداول المال والتوازن الاجتماعي والصالح العام ولسد الحاجات الضرورية للفقراء وللمعوزين والمساكين .... الخ

7. هناك ركن الإنفاق في سبيل الله، وليس له حدّ أقصى، فمن لديه فائض من الأموال يمكن أن يجد تصريفه في القيام بهذا الركن.

8. كل ما يتعلق بإيتاء الزكاة في دولة عصرية معقدة يجب أن يقوم به أولو الأمر، هؤلاء هم الصفوة من علماء الاقتصاد والاجتماع والإدارة والأمور المالية ذوو العلم بمقاصد دين الحق وقيمه وسننه، ولا علاقة للمؤسسات الكهنوتية ولا لجمعيات النصب والاحتيال والتجارة بالدين بهذا الأمر، ومن كبائر الإثم المهلك ترك تحصيل الزكاة لهم.

9. تقدير الزكاة الواجبة على كل نوع من أنواع الثروة مما يكسب الإنسان أو مما يخرج من الأرض وكل ما يتعلق بالأنصبة والأوقات والدورات هو منوط بأولى الأمر، وهم بالطبع يجب أن يراعوا نوعية وقيمة الربح وطبيعة دورة رأس المال وحالة مصادر الثروة وحالة الناس، وعليهم أن يفيدوا من المعارف والعلوم الاقتصادية الحديثة والنظم الضريبية، وعلى سبيل المثال يمكن تخفيض نسبة الزكاة على ما يجب تشجيع الناس على إنتاجه، أو زيادتها حسب الصالح العام.

10. دين الحق دين مقاصد ما ورد في كتب المرويات والتراث هو للاستئناس، فقط لا غير، فما كان يعرفه العرب من محاصيل ومصادر للثروة ليس لها أي قداسة خاصة، والسنة هنا هو التيسير على الناس بأن يؤدوا الزكاة مما هو متيسر لهم، في مجتمع لم يكن يتعامل بالنظام المالي الحديث.

11. إذا تولت الدولة أمر تحصيل الزكاة، وهو الأفضل الآن، فيجب أن يكون ذلك بالاتساق مع النظام الضريبي لتحقيق العدالة بين المسلمين وبين غيرهم.

12. أمر تحصيل الزكاة يجب أن يكون أشبه بالنظام الضريبي العادل، ولكنه لا يغني عنه، وذلك لاختلاف بعض أوجه الإنفاق.

13. في الدول التي يشكل المسلمون فيها أقلية يجب أن تتولى أمر الزكاة مؤسسة مدنية قانونية تمثلهم جميعا، وألا يترك الأمر لتجار الدين أو للهيئات العشوائية.

*******

1

عدد المنشورات : ٥٧٩