عائلة ماركسية 2

عاد أخوه الأكبر ليتلقى خبر المصيبتين فيخر مغشيًّا عليه، حضر عمهم الذي لا تربطه بهم أي علاقة بناءً على استدعاء الجيران، ألح عليهما الجيران أن يذهبا معه، على الأقل إلى أن يتبين أمر والدهما، اصطحبهما عمهما إلى شقته المتواضعة، تلقيا كلمات المواساة التقليدية من أسرة عمهما.

اصطحبهما عمهما من بعد لزيارة والدهما، رأيا في عينيه نظرات الذل والانكسار، لم يستطع أن يرفع عينيه في أيهما، لم يستطع أحد منهم جميعا أن يتماسك كثيرا، عبروا بدموعهم المسفوحة عما يجب وعما لا يجب قوله، كانت هذه أول مرة أيضًا يرى فيها دموع والده الجبار العنيد، لم ينس هذا المشهد أبدا.

أما عمهما فسرعان ما تبين لهما أنه لا يقل سوءًا عن والدهما، بل يفوقه في الخسة والنذالة، من أول لحظة أدركا أنهما غير مرغوب فيهما، ذاقا مرارة اليتم والاضطهاد والبؤس، أخذت امرأة عمهما تنظر إليها ككائنات بغيضة يجب استغلالها أبشع استغلال دون أدني مقابل، كاد قلب سامي ينفطر حزنا وغما، وجد عمه قليل الحيلة شديد الضعف أمام امرأته.

قررا العودة إلى منزلهما والعيش فيه مهما كانت الظروف والتضحيات، إن أخاه غانم يبلغ من العمر ثمانية عشر عاما، وهو طويل القامة متين البنيان، ومظهره يجعله أكبر سنا من ذلك، ودخله يمكن أن يغطي بالكاد حاجاتهما البسيطة.

رغم أنه لم يمض وقت طويل منذ أن انقطع عن المدرسة إلا أنه يشعر أن دهرا قد انقضى منذ أن تركها، كان يساعد أخاه في الورشة التي يعمل بها ويعود بما يحسِّن بعض الشيء من ظروف حياتهما.

استبد به الحنين إلى عالم المدرسة السحري، فاتح أخاه برغبته في العودة إليها، أقسم له أن الأمر لن يكلفهما كثيرا، ووعده بأن يرد إليه كل نقود اقترضها منه وعلى أن يستمر في العمل معه من بعد عودته من المدرسة، رغم أن فارق العمر بينهما لم يكن كبيرا إلا أن الأخ الكبير كان قد اكتسب حنان الوالدين معا، هذا فضلاً عن أنه خشي أن يبدو أمام أخيه وكأنه لا يريد له أن يكون أفضل منه.

وهكذا عاد الولد إلى المدرسة التي كان من فيها على علم بكل ما حدث له، تلقى من الجميع عطفًا ومساندة ومساعدات لم يكن يتوقعها أبدا، تمكن من تعويض الكثير مما فاته، أغنته المساعدات المعلنة والخفية عن الحاجة إلى العمل بعد المدرسة الذي كان قد وعد أخاه به.

أتيحت له الفرصة لأول مرة ليخلو بنفسه وليحاول استيعاب ما حدث، ولكن ما إن حاول أن يفعل ذلك إلا وانخرط في البكاء الشديد، انغرس في قلبه جرح دائم وعميق لم يستطع مرور الأيام أن يخفف من آلامه المبرحة، كان دائمًا يحاول أن يجد تبريرا لما حدث بحيث يبرئ أباه المجرم والمهزوم في الوقت ذاته من مغبة فعلته.

إن محبته العميقة لوالده التي لم يكن يدري عنها شيئا تدفعه نحو التفكير والعمل، كان يريد بأية صورة أن يرد له اعتباره خاصة بعد أن حُكِم عليه بالأشغال الشاقة وتخلى عنه الجميع ولم يذكره أحد بخير، بل لعنه كل من عرفه.

ما أشد أن يرى الولد الذي يجل والده هذا الوالد صريعا مهانا تحت أقدام الناس، وكذلك مغتالا معنويا وهو حيّ، لقد ذهبت أمه شهيدة والكل يذكرونها بكل خير، فشعوره تجاهها هو الشعور الطبيعي البسيط، وهي تزوره دائما في أحلامه وتنظر إليه بابتسام وحب وحنان وأمل، وتشد من أزره، أما والده الأشبه بالميت المهجور وهو حيّ فقد كانت مشاعره تجاهه معقدة متشابكة تعذبه وتضنيه وتؤرقه وتسبب له الكوابيس المرعبة.

لم يكن لديه من التدين ما يوفر له التماسك النفسي، بل ربما كان إيمانه الأولي قد تبخر، أصبح كائنا معقدا مليئا بالمرارة تجاه كل شيء، كان يغرق كثيرا في أحلام يقظة يرى فيها نفسه يفتك بمن أهانوا أباه، ثم سرعان ما يجد نفسه يتصدى له دفاعًا عن أمه وينقذها من بين براثنه، كان يتمنى أن يحقق النجاح الباهر في حياته ثم يذهب إليه بالبشرى ليجفف دموعه.

نجح في الإعدادية بما سمح له بالكاد أن يلتحق بالتعليم الثانوي، لم يكن بالطبع يملك ترف أن يقتني تلفازا، أو أن يزيد من ثقافته العامة، كان يلتقط معلوماته كيفما اتفق، استبسل في المرحلة الثانوية لكي يتمكن من الالتحاق بالتعليم العالي الحكومي، حصل على الثانوية والتحق بكلية الآداب ليتعرف على المذاهب الاجتماعية التي كان دائمًا شغوفًا بها.

بهره العالم الجامعي الجديد، أخذ يجد ويكد لمتابعة كل المحاضرات المتلاحقة، أخذت الأيام تجري وتطوى بحلوها ومرها، إلى أن كان ذلك اليوم الفارق في حياته، دخل عليهم الدكتور وفيق مدرس علم الاجتماع، وأخذ يحدثهم عن الاشتراكية وكيف أنها تحقق العدالة الاجتماعية وأن الأمور الاقتصادية والمادية هي المحرك الأول للشعوب وصانعة التاريخ وأن الفقر هو الدافع الأول لاقتراف الجرائم، وأن المجرمين هم ضحايا الظلم والقهر وسوء توزيع الثروة، وأن البروليتاريا هي الطبقة النقية المنوط بها تصحيح الأوضاع وتغيير مجرى التاريخ.....الخ.

أخيرا وجد ما كان يتوق إلى سماعه، ظل يستمع إلى أستاذه وهو شبه منوم أو مسحور، لم تخف شدة اهتمامه على أستاذه، سُرَّ بحسن إصغائه وتركيزه الشديد، أراد أن يرى لتوِّه ثمار عمله.

قال للولد ما اسمك، قال: سامي يا دكتور.

قال: هل استوعبت ما قلته؟ قال: بكل تأكيد يا دكتور.

قال: إذًا قل لنا ما فهمته، أخذ سامي يسرد على أستاذه كل ما قاله، ولكنه أضفى عليه من روحه لمسة صدق وتأثر أسعدت قلب الأستاذ الذي أبدى إعجابه الشديد به، لقد استلهم سامي من كراهيته لما ذاقه ويذوقه بالفعل من الفقر والقهر والظلم أفصح العبارات وأصدقها وأقواها إيحاء وأشدها تأثيرا، اصطفاه الأستاذ لنفسه، تعهده برعايته.

كان الأستاذ شيوعيا عريقا، كان يتخذ الشيوعية دينًا ومذهبا وأسلوب حياة، وجد في هذا الشاب ينبوعًا من الصدق والإخلاص لم يجده في الآخرين، أما سامي فلقد وجد في كلام أستاذه البلسم الشافي لكل آلامه النفسية التي عذبته وأضنته وكادت تقضي عليه.

إن أباه الملقى هناك في السجن هو ضحية بريئة للظروف الاجتماعية القاسية المفروضة عليه، إن سوء خلقه كان لأنه وُلد ونشأ في مستنقع الفقر الآسن وحُرِم من التعليم، إنه لولا الفقر لما كان سلوكه المعيب، ولما أقدم على اقتراف جريمته البشعة.

ولكن كل هذا لا ينفي أنه ينتمي إلى تلك الطبقة المقدسة النقية المنوط بها تصحيح مسار التاريخ البشري والقصاص من البورجوازية العفنة والنظم الرأسمالية البغيضة.

يا له من حل سحري لكل مشاكله، إن غريزة حب البقاء قد ضاعفت من تأثير كلام أستاذه عليه، رغب في الاستزادة التي لم يبخل عليه أستاذه بها.

اكتشف أن أستاذه هذا لم يتزوج وأنه قد نذر حياته لأجل مذهبه وأفكاره التي دخل بسببها السجن مرات عديدة، أصبح هذا الأستاذ في نظره كائنا مقدسا، إن نظرته إليه أصبحت تفوق نظرة المسيحيين إلى قديسيهم ورهبانهم أو المسلمين إلى أوليائهم، أخذ أستاذه يمده بأمهات الكتب في الدراسات الماركسية ويشجعه على قراءتها وتلخيصها، كان يجد في كتاباته لمسة إحساس وصدق تكسبها رونقا جذابا، كان ينشر له مقالاته في صحفهم المعروفة ويعطيه نصيبه لقاء نشرها.

عدد المنشورات : 458