الأمراضُ التي تصيب الكيان الجوهري للإنسان

هذه الأمراض ذاتُ أثر كارثي على الكيان الجوهري للإنسان، وهذا هو الكيان الذي بناءً على حالته سيتحددُ المصير النهائيُ للإنسان، ولابد لمن أراد النجاة أن يتطهرَ من هذه الأمراض وأعراضها في الدنيا قبل الآخرة.

وخطورةُ هذه الأمراض تكمن في أنها تدفع الإنسان إلى اقترافِ معاصي تسبب آثارا ترتدُّ على الإنسان وتزيد من حدة المرض الذي تسبب في اقتراف المعاصي، وذلك عن طريق حلقات تغذية خلفية موجبة (Positive-feedback loops).

وأخطر هذه الأمراض:

1. الفسق: وهو مرض يضرب من وصل الفساد إلى القلوب بطول الإقبال على المعاصي والعكوف عليها والتفنن فيها وتعمدهم التمرد على الأوامر الإلهية.

2. القرْدية: هو مرضٌ يصيب الكيان الجوهري للناس، فيُمسخون باطنيا إلى قرَدة، وذلك بسبب تعطيلهم لملكاتهم العليا بإصرارهم على التقليد الأعمى والمحاكاة الجوفاء، فهم يقلدون ويحاكون دون معرفة مقصد أو غاية أو حكمة ويلقون بالمسؤولية على عاتق من يقلدونهم، ولا يجدون في أنفسهم الشجاعةَ لإعمالِ ملكاتهم، يصيبهم الهلع إذا سمعوا ما لم يألفوا عليه آباءهم وأسلافهم، وقد بلغت بهم السلبية حد الامتناع عن كل خلُق إيجابيٍ من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إلا إذا كان ذلك ضد العامةِ والمستضعفين، ومن صفات تلك الطائفة التعلقُ الشديد بالشكليات والتقليد والمراسم والطقوس وعبادةُ السلف وتقديسُ أقوالهم.

3. الخِنزيرية: وهو مرض يضرب من عطلوا ملكاتِهم الوجدانية القلبية، فلم يعد لديهم أدنى إحساسٍ رفيع أو استجابة للمؤثرات الحسنة، وأصبحت القيم والمبادئ والمثل العليا عندهم لا تعني شيئا، واستطابوا أن يلغُّوا في الدنايا وأن يتمرغوا في الأوحال، ومن صفات تلك الطائفة تبلد الشعور والغلظةُ والانحطاط والجفوةُ والخسة والبهيمية وعبادة الملذات الدنيا.

4. الحمارية: وهو مرضٌ يضرب الذين لم ينتفعوا بما يحملون من رسالة ولم يقوموا بما تلزمهم به وما تقتضيه منهم، فهم أبواق جوفاء، ليس لديهم علمٌ خاصّ بهم، ومن صفاتِ تلك الطائفة ضيقُ التفكير وقلة الاحتفال بالمثيرات والمنبهات الذهنية والتمسك بأول ما يُلقى إليهم، وأكثر ما يجيدونه النهيقُ والرفس، إذا سمع ما لم يألف سينهق في وجه قائله، وسيحاول أن يرفسه.

5. الكلبية: وهو مرض يضرب الذين منَّ الله عليهم وآتاهم من آياته فلم يعرفوا لها قدرا ولم ينتفعوا بها لتربية أنفسهم وتزكيتها، وإنما فضلوا الإخلاد إلى الأرض والولوغ في الدنايا والنباح وإثارة الغبار في وجوه العلماء العاملين، وهم يتفانون في خدمة من اتخذوهم أربابا وأسيادا والنباح في وجوه خصومهم لقاء الفتات من موائدهم، ومن صفات تلك الطائفة الرضا بالنقص والإحساس بالدونية واللدد في الخصومة والإعراض عن الأمر الأعلى والاكتفاء بالأدنى.

6. البقـَرية: وهو مرض يضرب الذين يهتمون بكل أمر جزئي فرعيٍ عرضي حرفي ويهملون كل أمر كليٍ أصلي جوهري روحاني ويتصدرون في كل أمر هين ويفرعون منه تفريعات لا تتناهى، فهم عبدة التشديد والإصر والأغلال والتعسير، وهم الكافرون بالتأكيدات الإلهية بأنه يريد بالناس اليسر، لا العسر، وبأنه ما جعل عليهم في الدين من حرج وأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، وإلا ما آتاها.

7. النزول دون مرتبة الأنعام: وهو مرض يضرب من يرفضون رفضا باتا إعمال ملكاتهم أو حواسهم ويرفضون كل الحجج والبراهين، فهم يعيشون في غفلة تامة عن الحقائق الجوهرية، هؤلاء كما قال القرءان: لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ، ومن علاماتهم أنهم يلحدون في أسماء الله وأنهم لا يأخذون العبرة من وقائع التاريخ ويتخذون في الحقيقة أهواءهم آلهة من دون الله.

8. الفرعنة، وهو مرض يضرب المغالين في أمر أنفسهم المفتونين بها، لا يؤمنون إلا بأنفسهم وصفاتهم وبما يصدر عنهم وما يرونه هم، يستبدون برأيهم، ويسعون إلى استعباد غيرهم، يعتبرون أنفسهم آلهة أو أربابا، يعادون كل من لا يقولون بأقوالهم ويسعون إلى قهرهم، لا يبالون برسائل التحذير ولا بالآيات والنذر.

9. عبادة الطاغوت، وهو مرض يضرب عشاق الطغيان يريدون من يستعبدهم ويقسو عليهم ويضع قدمه فوق أعناقهم، ويجدون لذتهم في إظهار المهانة أمامه والتذلل إليه والانبطاح تحت قدميه، وهم بنفس الدرجة يحبون أن يستعبدوا من هم أدنى منهم ويجدون لذتهم في إذلالهم وامتهان كرامتهم، فعبدة الطاغوت هم من استعبدوا أنفسهم لطواغيت الإنس والجن واتخذوهم بلسان الحال أربابا من دون الله تعالى، فهم لا يكفون عن تملقهم والتسبيح بحمدهم وطلب الأجر والمثوبة منهم، وعبادة الطاغوت هي امتداد لأمراض نفسية كالمازوشية والسادية على المستوي الجوهري والأممي، ومن عبادة الطاغوت ما يظهر من الأعراب تجاه شياطين الإمبريالية الغربية والصهيونية العالمية.

10. استحقاق الغضب الإلهي: وهو مرض يضرب من شبهوا ربهم بخلقه وحاولوا إنزاله إلى مستوى إدراكهم المحدود وتصوراتهم المنتزعة من العالم المادي وتمسكوا بالمحدثات في الدين ونبذوا بسببها أصوله.

11. الضلال: وهو مرض يضرب من أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وادعوا سماته وسلطاتِه لشركائهم، ومنهم من أعطوا لبشر مثلهم حق التشريع من دون الله أو اتخذوا بعض الأشخاص بلسان الحال أربابا من دون الله، وهؤلاء هم أكثر من آمنوا، قال تعالى: 

{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} يوسف106

12. الكفر: وهو مرض يضرب من يبادرون إلى إنكارِ أيةِ حقيقة تُلقى عليهم دون أن يبذلوا أي جهدٍ للنظر أو التفكير فيها، فيتبدد لديهم الاستعداد لتقبل ما يجهلون أو للتكيف مع الحقائق أو الانتفاع بها، وهو يصيب أيضًا عبدة المذاهب؛ فهم يرفضون كل آية تناقض شيئا من مذاهبهم ويلجئون إلى تأويلها أو القولِ بنسخها، وهناك نوعان من الكفر؛ كفر غير متعد، يلتزم به الكافر بينه وبين نفسه، وكفر متعد، يعمد من يصاب به إلى محاولة إيذاء من يؤمنون بما يكفر به ويحاول النيل منهم بأقصى ما يستطيع إليه سبيلا. 

13. الشرك: هو نسبة ما هو لله تعالى وحده إلى غيره ومن ذلك محاولة إضفاء السمات الإلهية الخاصة على ما هو من دونه من الكيانات مثل المخلوقات أو التشريعات البشرية الوضعية أو الأقوال أو الأحوال أو الظواهر الطبيعية، وهذا يتضمن اتخاذ بعض البشر أربابًا مشرعين في الدين

14. الجهل: هو نقيض كل من العلم والحلم؛ فمن تفاصيله انعدام المعرفة بالحقيقة والجزم بصحة ما هو باطل والحماقة والخفة والسفه والطيش والنزق.

15. النفاق من أخبث الصفات الذميمة وأشدها تعقيدا وأسوئها عاقبة؛ فهو يعبر عن فساد لبّ الكيان الإنساني الجوهري؛ أي القلب، وهو بذلك يمنع اتساق الظاهر مع الباطن، فلا غرو أن كان المتصف به في الدرك الأسفل من النار، والنفاق درجات عديدة، أشدها خطرا إضمار الكفر التام وإظهار الإيمان، ومن درجاته الرياء، وهو الظهور بأعمال الخير طلبا لمرضاة الناس أو لعرض دنيوي.

*******

عدد المنشورات الفرعية : 63