مدرسة فريدة

كان ثمة مدرسة فريدة، وكان يوجد فيها معلم لا مثيل له، كان ذروة في الأدب والعلم والخلق الكريم، كان عليه أن يعلِّم أشرس طلبة رآهم التاريخ، كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِين، تأصًّلت فيهم جهالات وضلالات القرون.

كان الإيمان بالقبيلة عقيدتهم، والعدوان على غيرهم شعارهم، والظلم فخرهم، كانوا يعتبرون كل ما لدى الآخرين حقًّا لهم، عليهم أن يعملوا على أخذه بكافة السبل الممكنة وغير الممكنة.

قاسى بسببهم الويلات، حاول بعضهم قتله، وحاول آخرون الاعتداء عليه بالضرب، كان صبورا عفوا صفوحا، ولكنه كان قويا حاسما، بذل قصارى جهده معهم، لم يقصِّر أبدا في أداء واجبه، كان يحب لهم الخير، ويريد أن يصنع منهم خير أمة.

 دخل مع أشرسهم في معارك طاحنة فهزمهم، ووضع قدمه فوق أعناقهم، إلى أن أقروا تماما بهزيمتهم وتفوقه المطلق عليهم، تمكن بذلك من ترويضهم وأظهروا الاستعداد في النهاية لتلقي العلم على يديه.

أجرى لهم الاختبار تلو الاختبار، كان أكثرهم دائما عند حسن ظن إبليس بهم!

ثم عقد الاختبار النهائي، كان امتحانا صعبا قاسيا، بالطبع كانت النتيجة خاضعة للتوزيع القياسي المعتاد Standard normal distribution، أي كان المتفوقون الحاصلون على أعلى الدرجات قلة، ولكن أكثر من حضروا الامتحان لم ينجحوا، كان هناك من رسبوا بجدارة واستحقاق، بل كان هناك من اضطر المعلم لأن يعطيهم درجات سالبة؛ أي تحت الصفر نظرا لخيبتهم الثقيلة.

رحل المعلم عنهم بعد أن شهد له الجميع بأنه أدى واجباته أحسن الأداء، وتركهم ليخوضوا غمار الحياة وفق ما علمهم.

بعد فترة لم تطل، استغل الراسبون كثرتهم وكثرة أقاربهم وأنصارهم وفساد أكثر الناس وجبنهم وهلعهم وعبادتهم للدنيا، كما استغلوا تحررهم من القيم وعدم التزامهم بالأخلاق، تمكنوا من الاستيلاء على المدرسة وعلى المنطقة التي تقع فيها المدرسة.

كان الذي يزعجهم هو وجود المتفوقين الذين يذكرونهم بخيبتهم القديمة وهزائمهم المريرة، والذين يشكلون أيضا خطرا عليهم لميل أفضل الناس إليهم، كانوا أعلاما للهدى بسلوكهم الصادق وكلماتهم منيرة وعلمهم الراسخ، عقد الراسبون العزم على حسم الأمر معهم حتى تصفوا لهم دنياهم.

بدأوا في تنفيذ خطة جهنمية للتخلص من المتفوقين باتباع كل ما يمكن من سبل: الإغراء بمتاع الدنيا وزينتها، الرشاوى الضخمة، الجاه والنفوذ، أما من لم يفلح معه شيء من ذلك فكان يتم التخلص منه بما تيسر من وسائل القتل.

أما الأول في الترتيب العام فقد أعلنوا عليه الحرب، سلطوا عليه البلاطجة والمغفلين والمغرر بهم، تمكنوا أخيرًا من اغتياله.

ثم فرضوا على كل من في المدرسة أن يلعنوه في طابور الصباح، وأن تكون عقوبة من يأبى ذلك القتل بأبشع طريقة.

طاردوا أنصاره، وكانوا هم المتفوقين الأوائل في كل مكان، قضوا عليهم بلا رحمة.

ولكنهم كانوا يعلمون أن كل ذلك غير كاف، كان علم المعلم مازال حيا، وتعاليمه مازال الناس يرددونها ويتغنون بها، ولا يمكن حملهم على نسيانها، وكانوا لا يستطيعون أن يتحدُّوا علنا ما يستمدون منه شرعيتهم، وكانوا يعلمون جيدا أن علم المعلم قادر دائمًا على إحياء النفوس وإخراجها من الظلمات إلى النور.

دانت الأمور لأخس وأحقر راسبٍ فيهم، كان اسمه المعاوية، حتى ليبدو أنهم كلهم كانوا يعملون لصالحه، توفرت فيه كل الصفات اللازمة للقضاء على خير مدرسة وعلى خير من تعلم فيها.

أرادوا أن تستمر سيطرتهم إلى الأبد، كان عليهم أن يبرروا للناس انحرافهم وأن يشرعنوا لهم جريمتهم وأن ينقذوا كرامتهم، كان الحل هو أن يجعلوا تصرفاتهم هي للدين الصورة المثلى وأن التصدي لها هو الخطيئة الكبرى، وكان عليهم أن يضعوا من القواعد ما سيتناسب مع خصائص وأفعال راسبهم الأكبر ومن اتبعه وتأسَّى به، وجد عملاء إبليس حلا شيطانيا للمشكلة، أحدثوا مجموعة من القواعد الصارمة:

  1. كل من رأى المعلم وأظهر إيمانه بأنه معلم وحضر الاختبار يُعتبر ناجحا في الاختبار

  2. كل من رضي عنه الراسبون من هؤلاء هو رب مشرع يكون كل ما يُنسب إليه دينا واجب الاتباع.

  3. لا قيمة للدرجة التي تم الحصول عليها في الاختبار.

  4. لا قيمة لأقوال المعلم في تقييمه لطلبته.

  5. للكلام المنسوب إلى من رضي عنه الراسبون الحكم والقضاء على التعاليم والأوامر التي أتى بها المعلم ونسخها عند حدوث أي تعارض.

  6. الراسب الأكبر هو المحور ونقطة التمييز ومعيار الحقيقة.

  7. يتم إلغاء كل ما أتى به المعلم مما يتناقض مع هوى الراسبين.

  8. لا يحق لأحد استعمال المنطق للنظر فيما قرره الراسبون.

نجحت هذه القواعد نجاحا باهرا، طغت على تعاليم المعلم الأصلية وأثبتت فعاليتها دائما!! وأجمعت عليها أمة المعاويع والخنازير، وتلقتها بالقبول وعضت عليها بالنواجذ، وعليه، فكل مخالف عنها خالع للربقة مفارق للملة خارج على الجماعة حلال للناس دمه وماله وعرضه.

 *******

عدد المنشورات الفرعية : 65

عدد المنشورات : 457