نظرات في المذاهب

44

دلالة المنطوق ودلالة المفهوم

الجدول

المنطوق هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق، أي أن دلالته تكون من مادة الحروف التي ينطق بها. ومثاله: قوله تعالى: 

{فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء23]،

 منطوقه النهي عن التأفيف، أما بالنظر إلى السياق فهو تحريم التأفيف، وهذا الحكم هو الذي يؤخذ من اللفظ أو بتعبير آخر هو الذي دل عليه اللفظ نطقا.

ومعنى قولهم: في محل النطق، أي: في العبارة المنطوق بها.

مثاله: المعنى المستفاد من قوله تعالى: 

{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة110]،

 وهو الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. والمعنى المستفاد من قوله تعالى: 

{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام121] 

وهو النهي عن الأكل من متروك التسمية.

والمفهوم: هو المعنى اللازم للفظ ولم يصرح به فيه.

وقد يقال: ما دل عليه اللفظ في غير محل النطق، أي في مقدر خارج عن المنطوق به.

مثل دلالة قوله تعالى: 

{فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء23] 

على تحريم الضرب والشتم، ودلالة قوله تعالى: 

{مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء25] 

على أن الأمة غير المؤمنة لا يصح نكاحها لمن لم يجد مهر الحرة.

والذين عبروا بالمنظوم وغير المنظوم، جعلوا غير المنظوم منقسما إلى الاقتضاء والإيماء والتنبيه (مفهوم الموافقة) ودليل الخطاب (مفهوم المخالفة).

وأما الذين عبروا بالمنطوق والمفهوم، فمنهم من جعل هذه الدلالات الأربع المتقدمة داخلة تحت المفهوم، ومنهم من جعل الثلاث الأولى داخلة تحت المنطوق غير الصريح، والرابعة هي المسماة بالمفهوم.

والمنطوق قسمان: منطوق صريح، ومنطوق غير صريح.

أولا: المنطوق الصريح

المنطوق الصريح هو دلالة اللفظ على الحكم بطريق المطابقة أو التضمن، فاللفظ قد وضِع له، أي هو ما يعلم من اللفظ بمجرد العلم بالوضع اللغوي، وما يتبادر معناه لغة بمجرد قراءته أو التلفظ به، أو سماعه، دون وساطة أي شيء آخر، وهو يعادل تقريبًا عبارة النص عند الأحناف.

وهو بذلك دليل المطابقة.

أو تدل اللغة على جزء منه، وهو دليل التضمن.

ومثاله: قال تعالى: 

{وأحلّ الله البيع وحرّم الربا}،

 فقد دل النص بمنطوقه الصريح والمباشر، وبدون حاجة إلى تأمل، على جواز البيع وحرمة الربا.

والمنطوق الصريح يتمثل في الحقيقة والمجاز (وهذا على سبيل التجوز)، فالمنطوق هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق بأن لا يتوقف استفادته من اللفظ إلا على مجرد النطق، سواء كان اللفظ حقيقة أو مجازا، والمجاز بمفهومه الصحيح لا يقابل الحقيقة، وإنما هو أسلوب بليغ ومألوف للتعبير عنها.

واللفظ الدال بمنطوقه إن ورد من الشارع وكان مترددا بين أمور فيحمل أولاً على الحقيقة الشرعية.

وعبارة النص هي ظاهر ما سيق الكلام له، فهي الحكم الثابت بعين النص أي بعبارته، أي ما أثبته النص بنفسه وسياقه.

وسميت الألفاظ الدالة على المعاني عبارات لأنها تفسر ما في الضمير الذي هو مستور، ويدخل فيها:

النص: من أقسام الواضح الدلالة وهو ما سيق له الكلام أصالة.

الظاهر: وهو ما سيق الكلام له تبعًا لا أصالة.

المفسَّر: كلِّ لفظ ظهرت دلالته على معناه بشكل قطعي لا يترك معه احتمالا لمعنًى آخر، وله معنيان: أحدهما: ما احتاج إلى التفسير، وقد ورد تفسيرُه، وثانيهما: الكلام المبتدَأُ المستغني عن التفسير؛ لوضوحِه في نفسه.

المحكم: هو اللفظ الذي دلَّ على معناه المقصود من السياق دلالة واضحة، فلا يحتمل تأويلا ولا نسخا.

فكل اصطلاح من هذه الاصطلاحات يطلق على دلالته المباشرة على المعنى؛ عبارة النص.

أمثلة:

قال تعالى: 

{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا} [النساء:3].

فالآية تدل على إباحة الزواج، وهو المعنى الظاهر من الصيغة، ولكنه ليس المقصود أصالة.

وتتضمن أمرًا بنكاح مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ من النساء عند الخوف من عدم الإقساط في اليتامى.

وأمرًا بالاقتصار على واحدة عند خوف الجور.

والأخيران هما المقصودان أصالة في هذه الآية.

فدلالة الآية على هذه الأحكام دلالة بعبارة النص مع أنها ليست كلها على درجة واحدة من القصد في السوق، فهي بين الواضح والصريح.

قوله تعالى: 

{وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلا} [الإسراء:32].

تدل الآية بعبارتها على حرمة الزِّنَى.

والمنطوق الصريح هو في الحقيقة المفهوم المتبادر إلى إنسان مؤمن عربي السليقة بمجرد علمه بالنص، لذلك نسميه بالمفهوم الأولي.

*******

ثانيا: المنطوق غير الصريح

هو دلالة اللفظ على الحكم بطريق الالتزام، أي أنه ما لم يوضع اللفظ له بل هو لازم لما وُضع له.

عدم صراحة هذا المنطوق تأتى من جهة أن اللفظ لا يدل عليه مباشرة، وإنما يدل عليه من خلال التأمل في اللفظ.

ومثاله قوله تعالى: 

{وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف}.

يقولون إن الآية تدل الآية على أن النسب يكون للأب لا للأم، وأن نفقة الولد على الأب دون الأم.

ولفظ "الأم" في الآية لم يوضع لإفادة هذين الحكمين، ولكن كل منهما لازم للحكم المنصوص عليه في الآية.

والحقّ أن الآية تلزم المولود له بالنفقة، ولكنها لا تمنع الوالدة من الإنفاق.

أقسامه

اتفق جمهور الأصوليين على أن المنطوق غير الصريح له ثلاثة أنواع:

1- دلالة اقتضاء.

2- دلالة إيماء.

3- دلالة إشارة.

ويتأتى هذا الحصر بسبب أن:

المدلول عليه بالالتزام إما؛ أن يكون مقصودا للمتكلم، أو لا يكون مقصودا له.

فإن كان مقصودا له، فذلك قسمان:

ا- ما يتوقف عليه صدق الكلام، أو صحته من جهة العقل أو الشرع.

ب- مالا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته.

وإن لم يكن المدلول مقصودا للمتكلم فتسمى دلالة اللفظ عليه دلالة إشارة.

أولا: دلالة الاقتضاء: هي ما تكون من ضرورة اللفظ، إما من حيث إن الكلام لا يكون صادقا إلا به، أو من حيث امتناع وجود اللفظ شرعا إلا به، أو من حيث يمتنع ثبوته عقلا.

هي دلالة اللفظ على معنى مسكوت عنه يجب تقديره لصدق الكلام أو لصحته شرعا أو عقلا.

والمعنى المدلول عليه بالاقتضاء يسمى المقتَضى.

أنواعها: تتوضح لنا أنواع هذه الدلالة من خلال التعريف السابق، فهي أنواع ثلاث:

1. المقتضى الذي يجب تقديره لصدق الكلام.

كقوله صلى الله عليه وآله وسلم:" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".

ظاهر الحديث يدل على رفع الخطأ والنسيان والإكراه، وكل ذلك لم يرفع بدليل وقوع الأمة فيه، أو يدل على رفع الفعل الذي وقع خطأ أو نسيانا.

فلابد لضمان صدق الكلام وهو صادر عن النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ من تقدير لفظ محذوف يتم به تبيين الكلام؛ فنقول "رفع عن أمتي إثم أو وزر معصية اقترفت على بسبب خطأ أو نسيان أو إكراه".

مثل دلالة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا وصية لوارث" (أخرجه البخاري) على المقدر المحذوف، وذلك أن الناس قد يوصون للورثة ولكن المنفي صحة تلك الوصية، والتقدير: (لا وصية صحيحة أو نافذة).

الحق أن هذا القول، بغض النظر عن مدى صحة نسبته إلى الرسول بهذا الشكل، هو أمر في صورة خبر.

وقد كان عليهم أن يأخذوا في الاعتبار ما هو مقرر عندهم، وهو أن المرويات مروية بالمعنى، وأنه لم يُنقل معها سياقها والظروف التي قيلت فيها.

2- المقتضى الذي يجب تقديره لصحة الكلام عقلا.

قالوا في قوله تعالى 

{واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون}:

((إن ظاهر الآية سؤال القرية وهذا لا يصح! فلابد من تقدير كلمة "أهل" ليسلم الكلام ويصح من الوجهة العقلية، فيكون المطلوب "اسأل أهل القرية"!!

نقول: كلامهم غير صحيح، فالقرية في القرءان هي كيان شامل يعني الناس والأرض الخاصة بهم، ولا معنى للقرية بدون ناسها.

قالوا: ((ومثاله أيضًا قوله تعالى: 

{حرمت عليكم أمهاتكم}،

 لابد من تقدير الكلام ليصح عقلا، فنقول: حرم عليكم وطء أمهاتكم)).

والحقيقة أن السياق يتعلق بأحكام النكاح، ولا يوجد ما يبرر تبيين ما هو واضح، فسبب كلامهم اقتطاعهم جزءًا من الآية والنظر فيها بمعزل عن سياقها، وهذا هو دأبهم.

3- المقتضى الذي يجب تقديره لصحة الكلام شرعا.

ما يجب تقديره لصحة الكلام شرعا، مثل قوله تعالى: 

{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة184]،

 فههنا محذوف يجب تقديره حتى يصح الكلام شرعا، وهو عبارة (فأفطر)، للاتفاق على أن من كان مريضا أو على سفر ولم يفطر فلا قضاء عليه. ولو لم تُقدر العبارة السابقة لوجب القضاء على المريض والمسافر حتى لو صاما، ولم ينقل هذا إلا عن بعض الظاهرية.

الحق هو أن العبارة القرءانية هي الصحيحة شرعًا، وهي توجب الفطر ثم القضاء على الصنفين المذكورين.

وهذه الأنواع قد تسمى عند بعضهم دلالة الإضمار، والمعنى المقدر يسمى المضمر أو المقتضَى.

وقد اختلفوا في عموم المقتضى أو المضمر، فذهب بعضهم إلى عمومه، وبعضهم إلى أنه لا يعم.

واحتج القائلون بعموم المقتضى بأنه إذا أمكن تقدير معنى عام لا يمكن أن نقدر الأخص منه إلا بدليل، فإذا عدم الدليل قدرنا العام.

ولهذا قالوا في مروية: "رفع عن أمتي الخطأ" يُقدر الحكم ليكون اللفظ كأنه: رفع عن أمتي حكم الخطأ، فهذا يشمل المؤاخذة الدنيوية والأخروية إلا ما دل الدليل على استثنائه فيكون مستثنى ومخصصا مثل ضمان المتلفات خطأ

والقائلون بأن المقتضى لا عموم له، احتجوا بأن التقدير خلاف الأصل فيكتفى منه بما يصحح الكلام من غير زيادة فلا يعم، وقالوا في الحديث المتقدم: نقدر: الإثم، ليكون كأنه قال: رفع عن أمتي إثم الخطأ. وكذا في قوله تعالى: 

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة3].

قال الأولون: نقدر الانتفاع حتى يكون أعم، وقال الآخرون نقدر الأكل.

والقول الحق في ذلك أن يقدر ما دل ما هو ثابت من الدين والسياق والمنطق عليه، وهذا يختلف باختلاف اللفظ المنطوق به.

***

دلالة الاقتضاء عند الأحناف

عرف الأحناف هذه الدلالة بقولهم: "هو الذي لا يدل عليه اللفظ، ولا يكون منطوقا، لكن يكون من ضرورة اللفظ".

ويعدّ الأحناف هذه الدلالة قائمة بذاتها، بخلاف المتكلمين الذين جعلوها قسما من أقسام المنطوق غير الصريح.

كما أنهم (الأحناف) يبينون أهمية المقتضى بقولهم: "واعلم أن الشرع متى دلّ على زيادة شيء في الكلام لصيانته عن اللغو ونحوه. فالحامل على هذا - صيانة الكلام- هو المقتضى. ودلالة الشرع على أن هذا الكلام لا يصح إلا بالزيادة هو الاقتضاء.

وبقولهم دلالة الشرع، فإن هذا قيد يخرج به ما دلالة صدق الكلام واقعا أو عقلاً، فهو من باب المحذوف، لا من المقتضى.

وفي الحقيقة إنه لا يجوز جعل هذا المقتضى نوعًا لوحده يُذكر مقترنًا بالأنواع الأخرى، فما يفترضون أنه ناقص ويجب تقدير ما يكمله أو اقتضاؤه هو أصلا ظاهر من عبارة النص ومن السياق.

أما كلمة "اقتضاء" فهي أكبر من أن تؤدي هذا الدور الطفيلي الذي يفترض أن النص يخاطب أعاجم، فهي تعبر عن كل ما يقتضيه النص The textمن المسلم.

*****

دلالة الإيماء أو التنبيه: هي دلالة اللفظ على لازم مقصود للمشرع، ولكن تتوقف عليه بلاغة الكلام لا صدقه أو صحته عقلا أو شرعا.

وذلك بأن يورد المشرع نصا، يرتب فيه الحكم على وصف بحرف الفاء، فإن هذا الترتيب، أو الاقتران، ينبه أو يومئ إلى ذلك الوصف علة الحكم.

مثال:

في كلام الله تعالى قوله: 

{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}،

 حيث نبهت "الفاء" وأومأت إلى أن العلة في القطع هي السرقة، وحيث أنه لا تصريح على أن وصف السرقة علة لحكم القطع، وسببه الموجب له.

والأحناف لم ترد عندهم هذه الدلالة مطلقا، فلم يتطرقوا إليها وإنما دل سياق حديثهم عن عبارة النص وما عرفه المتكلمون من دلالة الإيماء فأدخلوها فيها ضمنا، والسبب في ذلك أن الأحناف في عبارة النص يركزون على القصد، والإيماء مقصود، لذلك كان عندهم من باب دلالة العبارة.

*****

دلالة الإشارة

قالوا إنها دلالة اللفظ على لازم غير مقصود للمتكلم، لا يتوقف عليه صدق الكلام وصحته، أي ما يتبع اللفظ من غير تجريد قصد إليه.

وفي هذا التعريف ما فيه من سوء الأدب والتقول على الله تعالى بغير علم، فكيف يقطعون بأنهم عرفوا وحصروا كل مقاصده.

والصحيح أن يقولوا: دلالة الإشارة هي دلالة اللفظ على لازم يتوصل إليه بإعمال المنهج القرءاني وإجادته.

أمثلة:

مثال 1

قوله تعالى: 

{وحمله وفصاله ثلاثون شهرا}،

 وهناك عبارة قرءانية ذات صلة هي 

{..... حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير} [لقمان:14]،

 فدلت الآيتان على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وإن لم يكن ذلك مقصوداً للشارع من اللفظ. فالفصال في أربعة وعشرين شهر، يبقي ستة أشهر هي أقل تقدير للحمل، كما يتبين أن مدة الحمل هي أقل بالضرورة من ثلاثين شهرا، ومع ذلك أوصلها سدنة المذاهب إلى يضع سنين!!!

مثال 2

قوله تعالى: 

{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون} [البقرة:187]

ففي هذه الآية أحلّ الله تعالى المباشرة في ليلة الصيام، وجعل ذلك الحل ممتدا حتى طلوع الفجر؛ وجواز المباشرة على هذه الكيفية هو المقصود من الآية، وهو منطوقها، إلا أنه يلزم منه جواز أن يصبح الصائم جنبا، وهذا هو المعنى اللازم من الكلام الذي لم يسق الكلام لبيانه، فإذا جاز له الجماع طوال الليل إلى الفجر، جاز أن يطلع الفجر وهو جنب ولا يفسد صومه.

والأحناف يعرفون هذه الدلالة في مقابلة الدلالة الأولى عندهم (عبارة النص)، حيث أن عبارة النص هي الحكم الثابت بعين النص أي بعبارته ما أثبته النص نفسه وسياقه.

يقابلها الإشارة: وهي العمل بما ثبت بنظمه لغة لكنه غير مقصود ولا سيق له النص وليس بظاهر من كل وجه، فهو ليس بظاهر من كل وجه وإنما يحتاج إلى ضرب من التأمل وإعمال الفكر.

دلالة الإيماء

وهو فهم التعليل من ترتيب الحكم على الوصف المناسب

مثاله قوله تعالى: 

{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة38]،

 فهذا يدل على أن العلة السرقة؛ لأن الله رتب الحكم بالفاء على وصف مناسب وهو السرقة، وهذا يومئ إلى العلة وينبه عليها، ولذا سماه بعضهم الإيماء أو التنبيه إلى العلة.

1

1.png