من دروس التاريخ 1

من دروس التاريخ 1

عندما كانت أوروبا تتأهب للخروج من ظلمات العصور الوسطي ابتلي العرب المسلمون في الشرق الأوسط بظهور العثمانيين، كان مماليك مصر الذين هزموا الصليبيين والتتار يحكمون المنطقة، وكان العثمانيون يتطلعون للاستيلاء عليها بدلا من التعاون معهم لصد الهجمات الأسبانية البرتغالية الشرسة، بدئوا بشن حملات عسكرية على الشام بلا أي مبرر أيام السلطان قايتباي، هزمهم الجيش المصري هزائم ساحقة، لجئوا إلى الحرب النفسية واستمالة القادة والولاة في الشام وتأليب الناس ضد المماليك والتشهير بهم، وانحاز إليهم بعض المشايخ الخونة وكاتبوهم!!!

وفي نفس الوقت رفض السلطان الغوري عرضا من الفرس للتحالف ضد العثمانيين لأنه كان سنيا محافظا!

لما رأى سليم السفاح العثماني الثمرة دانية شن حملته على مصر والشام، وانتصر بالخيانة على المصريين، ورحب المغفلون باحتلاله لبلادهم بزعم أنه مسلم سني مثلهم، وهكذا استسلمت البلاد بلا مقاومة تقريبا لأبشع احتلال تعرضت له في تاريخها المديد، استولى العثمانيون على أكبر غنيمة في تاريخهم، كاد المصريون ينقرضون، ألقى العثمانيون بالشرق الأوسط في أسفل درجات الجهل والتخلف، أعادوه إلى العصر الحجري، وبذلك تسلمه الاستعمار الغربي من بعد لقمة سائغة.

والآن يحاول أردوجان أن يلعب دورا مشابها لدور سليم السفاح، ولكن هيهات!

*******

كتب المماليك لمصر صفحات من أمجد صفحات تاريخها، وكانت طوال أكثر فترات عهدهم أقوى وأغنى دولة ومركزا لإمبراطورية مزدهرة.

*******

المماليك أصحاب فضل في تاريخ مصر والشرق الأوسط، ذلك لأنهم هم الذين سحقوا الصليبيين وألقوهم في البحر، كما أنهم هزموا المغول والتتار في كل المعارك التي خاضوها معهم، وقد جعلوا مصر أقوى وأغنى دولة في المنطقة أكثر فترات حكمهم الذي دام حوالي 270 سنة، فهم الذين حققوا لمصر أعظم انتصاراتها على مدى التاريخ، وهم كانوا مصريين لا يعرفون لهم وطنا غير مصر، وقد عرف لهم الشعب فضلهم، وكانت سيرة الظاهر بيبرس تُقرأ على الناس لتعليمهم البطولة لأنه كان في مقدمة الصفوف في المعارك، وكان دائما منتصرا، وليس سيرة صلاح الدين الذي هزمه الصليبيون هزائم مخزية مذلة!

*******

ردود على مؤرخة:

- كيف لا تعلمين شيئا عن دولتي المماليك البحرية والبرجية في مصر؟ وقد استمرتا من سنة 1250 م حتى سنة 1517م، وقد كانت مصر في عهد هؤلاء دولة مستقلة بل كانت من أقوى وأغنى الدول بصفة عامة ومقر الخلافة العباسية، ولا تدفع الجزية لأحد؟ أرجو النظر إلى هذا الموضوع بعناية، أما مماليك العهد العثماني فهذا شيء آخر!

- الاحتلال تعريفه أن تكون البلد تُدار من خارجها وأن تدفع الجزية لهذه القوة الخارجية، ولذلك حددنا الفترات التي تعرضت مصر فيها للاحتلال بعهود منها: الأشوريون، الفرس، الروم، العرب، العثمانيون.

- وهذه الفترات ليست طويلة بالنسبة لعمر مصر التي تقع في قلب العالم، وهي لم تكن سيئة، إلا في العصر الأموي والعباسي والعثماني بالطبع.

- لا يوجد شعب حيّ لم تتغير ثقافته على مدى التاريخ.

- الصينيون والكوريون بعيدون عن قلب العالم، لا يجوز مقارنتهم بمصر، مصر يمكن أن تقارن بسوريا أو العراق أو حتى إيطاليا.

- التخلف الآن فسببه الأساسي توغل المذاهب الدينية العدوانية وغير الحضارية في البلاد.

- وكان من الممكن أن يستمر العصر الليبرالي في مصر التي كانت من أغنى الدول وأكثرها تحضرا بعد الحرب العالمية الأولى لولا ظهور الإخوان وفاشيتهم.

- المشروع التقدمي النهضوي لا يمكن أن يبدأ كاملا 100%، ولكن الشعوب الحية التي تجذرت فيها منظومة قيم إيجابية بناءة يمكن أن تصحح مسارها وأن تنتفع بتجاربها.

- عذرًا يا دكتورة، مصر لم تُحتل إلا فترات وجيزة مقارنة بعمرها المديد، وكل الإمبراطوريات التي ضمتها إليها ضمت معها كل الدول ذات الشأن في عصورها، فمن الظلم أن يحدث تطاول على مصر وحدها بسبب ذلك وأن يتم استخدامه لتكريس الشعور بالنقص والدونية لدى المصريين.

- من البديهي أن تحاول كل إمبراطورية ظهرت الاستيلاء على البلاد المتحضرة والمشتهرة بالثراء، ولذلك فكل الإمبراطوريات الكبرى استولت على البلدان التي كانت مهد الحضارة والتي تقع في قلب العالم، وهي مصر والشام وبلاد ما بين النهرين، ومن البديهي ألا تحاول تلك الإمبراطوريات غزو بحار من الرمال أو بلدان فقيرة غير متحضرة أو بلدان لم يكن لها وجود ككيانات في العالم القديم أو بلدان بعيدة لا يكادون يعلمون عنها شيئا، ولذلك سار العرب في غزواتهم مع شاطئ البحر المتوسط، ولم يحاولوا التوغل جنوبا في الصحراء، وعندما أرادوا فتح الأندلس أرسلوا سرية استطلاع صغيرة، وعندما عادت محملة بكمية ضخمة من الجواري الحسان والذهب تأكدوا أن من الواجب عليهم فتح هذه البلاد وإنقاذ أهلها من شر الانشغال بمتاع الدنيا وإخراجهم من سعة الدنيا إلى ضيقها، ومن جور حكامها إلى جور العرب الأشد قسوة.

- مثال: الدولة الرومانية ضمت كل دول حوض البحر الأبيض المتوسط بالإضافة إلى بريطانيا، ولم نسمع أن يونانيا تطاول على بلده وأهانها بسبب أنها كانت جزءا من هذه الإمبراطورية.

- كليوباترا وفاروق والمماليك كانوا مصريين.

- وا أسفاه لانتشار المقولات التي تقلل من شأن مصر عند الناس حتى المثقفين!

- الأسر الحاكمة في كثير من أعرق الدول كانوا من أصول سكانية من خارج هذه الدول، والأسرة الحاكمة الآن في السويد من أحفاد جنرال فرنسي من جنرالات نابليون، والأسرة الحاكمة في بريطانيا الآن من أصول مختلطة؛ نورماندية وألمانية، واسمها الآن بيت وندسور (Windsor)، أما اسمها الأصلي فهو ساكس-كوبرغ-غوثا (Saxe-Coburg-Gotha)، فهي سلالة من أصل جرماني تحكم في بريطانيا والمملكة المتحدة منذ 1901، أصبحت ومنذ 1917 م تحمل لقب وندسور، وتاريخيا تعرف هذه الاسرة باسم فيتين (Wetten)، وتنحدر هذه الأسرة من إحدى أكبر العائلات الجرمانية النبيلة، والتي حكم أحد فروعها (والذي اتخذ فيما بعد اسم ساكس-كوبرغ-غوثا) دوقية سكسونيا (Sachsen) في ألمانيا فنسبت إليها، سنة 1840 م تزوجت ملكة بريطانيا فيكتوريا، من أحد أقربائها وهو الأمير ألبرت من بيت ساكس-كوبرغ-غوثا (كانت أسرته تحكم دوقية سكسونيا)، أثمر زواجهما عن تسعة أبناء حملوا وأحفادهم لقب ساكس-كوبرغ-غوثا، أصبح الملك إدوارد السابع والذي اعتلى العرش سنة 1901م أول حكام الأسرة، استمرت العائلة المالكة (وحتى 1917 م) في حمل لقب "ساكس-كوبرغ-غوثا"، إلا أن اندلاع الحرب العالمية الأولى جعل بريطانيا في حالة حرب مع ألمانيا، كان لقب العائلة المالكة والذي يحمل دلالات جرمانية يشكل حرجا لها مع تنامي الشعور القومي البريطاني ضد الألمان، سنة 1917م تم استصدار مرسوم خاص وقعه الملك "جورج الخامس" نفسه، اتخذت العائلة الحاكمة بموجبه لنفسها لقب "ويندسور" (أو "ونزر")، يرجع الاسم لأحد القصور التي كانت تقيم فيها العائلة، أرادت العائلة المالكة أن تعبر أن افتخارها بانتمائها القومي لبريطانيا، نص مرسوم عام 1917 م، على حق كل الأفراد والذين ينحدرون من الملكة "فيكتوريا" عن طريق الذكور في حمل لقب "وندسور"، عدل المرسوم سنة 1952م ليشمل المنحدرين من الملكة "إليزابيث الثانية" عن طريق الذكور، سنة 1960 م أضيفت بعض المواد للمرسوم السابق، فأصبح لبنات الملكة الحق في حمل اللقب السابق، فيما يحمل أبناؤهم (أحفاد الملكة عن طريق الإناث) لقب "ماونتباتن-ويندسور" (Mountbatten-Windsor)، و"ماونتباتن" هو لقب زوج الملكة، الأمير "فيليب"، دوق "أدنبره".

- مثال آخر: الأسرة الحاكمة في السويد هي عائلة “برنادوت” وبالتحديد نسل “جان برنادوت” وهو أمير “بونتي كورفو” وأحد أتباع الإمبراطور الفرنسي “نابليون بونابرت”، والذي تولي الحكم منذ عام 1818م من قبل البرلمان السويدي إرضاءً لنابليون الذي كان يسيطر على أغلب القارة الأوروبية آنذاك تحت مسمى الملك تشارلز الرابع عشر جون، من بين هذه الأسرة تولى سبعة ملوك الحكم، هم: الملك تشارلز الرابع عشر (1818 – 1844م)، ثم الملك أوسكار الأول (1844 – 1859)، ثم الملك تشارلز الخامس عشر (1959 – 1972م)، ثم الملك أوسكار الثاني (1872 – 1907م)، ثم الملك غوستاف الخامس (1907 – 1950م)، ثم الملك غوستاف السادس أدولف (1950 – 1973م)، ثم الملك كارل السادس عشر غوستاف منذ عام 1973م وحتى الآن، الملك الحالي في السويد هو الملك “كارل السادس عشر غوستاف” منذ عام 1973م خلفًا لجده الملك “غوستاف السادس”، حيث إن والدة الملك الحالي الأميرة “سيبيلا” تنحدر من أسرة “ساكس كوبرغ غوثا” التي هي أصل الأسرة الحاكمة في بريطانيا، فهي الابنة الكبرى للدوق كارل إدوارد، وهو الدوق الأخير لـ”ساكس كوبرغ غوثا”، والأميرة سيبيلا تزوجت من وريث عرش السويد آنذاك الأمير غوستاف أدولف برنادوت، وجدير بالذكر أن والد ووالدة سيبيلا هما أحفاد لملكة بريطانيا فيكتوريا وزوجها الأمير ألبرت.

- وللعلم أكثر الأسر الملكية في أوروبا تنبع من بيت “ساكس كوبرغ غوثا” المذكور، والأسر الملكية الموجودة حاليًا في العديد من الدول الأوروبية هي عبارة عن فروع من هذه الأسرة الألمانية القديمة التي تحكم أوروبا منذ عدة قرون، هذه الأسرة هي أحد أفرع بيت "فيتين – WETTEN"، وهو أحد أكبر العائلات الجرمانية النبيلة التي حكمت مقاطعة “سكسونيا” الألمانية كأمراء منتخبين في الفترة بين عامي 1423م و1547م، ثم أصبح أفرادها دوقًا لمنطقة كوبرغ، ثم انضمت مقاطعة “غوثا” لهم عام 1826م لتحمل العائلة اسمها الكامل “ساكس كوبرغ غوثا”، المناطق القديمة التي كانت تحت سيطرة دوقية “ساكس كوبرغ غوثا” تمثل حاليًا مناطق بافاريا وساكسونيا السفلى.

- هل يمكن لأحد في بريطانيا أو السويد أو النرويج أو بلجيكا أو لوكسومبور أن يقول إن المقاطعة الألمانية تحتل بلادهم، وأن يعتبر أن بلادهم لم تحصل على استقلالها بعد؟ ومن الجدير بالذكر أن نفس الأسرة كانت تحكم إيطاليا والنمسا وبلغاريا ... الخ.

- مصر وطن، وليست سلالة عرقية، ولكن ألا يكفي حوالي ثلاثة قرون بالنسبة لكليوباترا لتحصل على الجنسية المصرية العتيدة؟ وبأي حق لا تعتبرون فاروق مصريا؟

- يجب أولاً العلم بأن مصر هي وطن، فكل من استوطن تلك الأرض المعروفة الآن باسم مصر هو مصري، فالمصري هو من اتخذ مصر وطناً وعاش فيها وانتمي إليها مهما كانت سلالته الأصلية أو دينه أو لغته أو وطنه الأصلي أو تاريخ مقدمه أو مقدم أجداده إلى مصر.

- فترات الاحتلال: الأشوريون، الفرس، الرومان، العرب حتى الاستقلال سنة 254 هـ، العثمانيون، الفرنسيون، الإنجليز (جزئيا) حتى سنة 1922، فقط لا غير، وما أهملناه له أسبابه، أرجو العمل على تصحيح المفاهيم عند المصريين.

- إجادة العربية لا تلزم ليكون الإنسان مصريا، بافتراض أن أحد المصريين لم يعلم ابنه إلا الفرنسية مثلا، فمن البديهي أن ذلك لا ينزع منه مصريته.

- محمد علي استوطن مصر فأصبح مصريا، بديهية.

- أسرة البلانتاجينيه الفرنسية حكمت إنجلترا، وإليها ينتمي بطريقةٍ ما كل من جاء من بعدهم، وكانوا لا يعرفون الإنجليزية، ومنهم ريتشارد قلب الأسد وأخوه جون صاحب الماجناكارتا المكتوبة بالفرنسية، ذلك لأن كل النبلاء كانوا لا يتحدثون إلا الفرنسية، ولم يكن هذا احتلالا فرنسيا لإنجلترا، بل إن هؤلاء الفرنسيون هم من شنوا على فرنسا حرب المائة عام!

- أرجو قراءة المقال، ولا يوجد في مصر من يستطيع أن يزعم أنه أكثر مصرية من فاروق!

- لا توجد سلالة عرقية اسمها السلالة المصرية.

- يُقال إن عبد الناصر من أصل يمني، هل كانت اليمن تحتل مصر على أيامه؟!

- ويُقال إن عرابي من أصل عراقي.

- وأرجو تصحيح هذه المفاهيم الراسخة رسوخ الجبال والتي تشعر المصريين بالنقص والدونية.

- الحقائق المجردة تقول إن ريتشارد قلب الأسد إنجليزي (رغم أنه لم يكن يعرف إلا الفرنسية) وأن نابليون فرنسي وأن أيزنهاور أمريكي ... الخ رغم أصولهم!! ولكنها مؤامرة لترسيخ الشعور بالنقص عند المصريين

- الجيش الذي قاده بيبرس مثلا لدحر الصليبيين والتتار كان تابعا لمن؟

- والمماليك كانوا تابعين لمن؟

- كانوا مملوكين لمصر

- وجيشهم هو جيش مصر

- وأحفادهم هم مصريون الآن

- المماليك البحرية والبرجية كانوا قبل ولادة الخلافة العثمانية أصلا، فكيف يكونون مملوكين لها.

- وكانت مصر على أيامهم مقر الخلافة العباسية.

- قالت " لن يكون المصري الا من أب مصري"!!! قلنا: بذلك يكون كل البطالمة ماعدا أولهم مصريين، وكل الفاطميين ماعدا أولهم مصريين، وكل أسرة محمد علي ماعدا أولهم مصريين، أما المماليك فلم يكن لهم أب إلا مصر.

*******

عصر المماليك البحرية والبرجية الممتد من 1250 م إلى 1517 م، كان أفضل لمصر من عصر الخلفاء الراشدين وغير الراشدين، كانت مصر إمبراطورية كبرى تمثل قلب العالم الإسلامي وتحمي الحرمين، وقد قضت على الخطر التتاري والمغولي وألقت بالصليبيين في البحر، وكانت تمر بها تجارة العالم، وكان متوفرا أيضا خليفة عباسي طرطور لاستكمال أسباب الضحك وخداع العامة والهمجستانيين ولاستكمال الشرعية!

*******

المماليك لم يكونوا محتلين لمصر كما يظن بعض الجهلة ودواب همجستان المبتلين بالكراهية المقيتة لمصر، بل كانت مصر في عهد المماليك البحرية والبرجية مركز العالم الإسلامي ومقر الخلافة وحامية الحرمين ومن أقوى وأغنى الدول في العالم، فالمماليك كان يتم شراؤهم أطفالا ويربون ليكونوا فرسانا مصريين لا يعرفون لهم وطنا غير مصر، وكانوا بمثابة ضباط الجيش المصري الذي كان يتجاوز عند التعبئة مائة ألف من المصريين، أما عدد المماليك فلم يكن يتجاوز بضعة آلاف، والذي استدعى وجود هذا النظام طبيعة المعارك في القرون الوسطى، حيث كان لابد بالفعل من وجود طائفة بهذا الشكل تنشأ وتربى كفرسان ماهرين أسطوريين، وقد أثبت هذا النظام كفاءته لعدة قرون، وفي عهد المماليك تم قهر المغول والتتار والصليبيين، كما تم تدوين الموسوعات الضخمة في الأدب والدين.

أما البطالمة فهي أسرة حاكمة قدمت من مقدونيا وتمصَّرت وتبنت عادات وتقاليد ودين المصريين، وقد حاربوا باسم مصر المقدونيين الآخرين في الشام كما حاربوا اليونانيين أنفسهم، وكانت مصر في عهدهم دولة مستقلة ومركز واحدة من أروع الحضارات العالمية، حضارة تتسم بالعبقرية العلمية والتسامح الديني وروعة الفن، وقد استمرت حتى بعد الغزوة الروماني، وقد قضى عليها المتعصبون المسيحيون ليبدأ بذلك عصر الظلمات.

*******

ومنطقة الشرق الأوسط، وبالتحديد مصر والشام وبلاد ما بين النهرين كانت مهد تيار الحضارة العالمي الرئيس، ومنها انتشرت الحضارة في كافة الاتجاهات، فوصلت شرقا إلى أسلاف الفرس، وغربا إلى اليونان والرومان.

وكما يحدث عادة فإن كل حضارة تنشأ ثم تزدهر وتبلغ ذروتها، ثم تؤدي إلى الرخاء والترف، فيتخلى أهل هذه الحضارة عن القوة والخشونة والروح العسكرية، فيبدؤون في الاستعانة بالجند المرتزقة الأقرب إلى البدائية من العناصر البدوية داخل البلاد، أو من خارجها.

وكذلك تبدأ القوى الهائلة حديثة العهد بالحضارة بالتوسع في أراضي الحضارات القديمة، فهي تتميز بالثراء والموارد الهائلة مقابل ضعف إمكاناتها العسكرية، وهكذا استولى الفرس على الشرق الأوسط كله بدءا من العراق وانتهاءً بمصر، وقد حاول الفرس غزو مصر مرارا وكانوا يفشلون إلا أنه في آخر محاولة لهم قام ملكهم بمهاجمة مصر بجيش من 300 ألف مقاتل وأسطول بحري هائل (بناه لهم اليونانيون والسوريون)، ولم يستطع ملك مصر أن يحشد إلا 100 ألف مقاتل، منهم 60 ألف مصري، و20 ألف يوناني، و20 ألف ليبي، فلم يصمد أمامه آخر ملوك مصر الأقدمين، فهزم وانسحب إلى الوجه القبلي، وانشغل الفرس بنهب ما استطاعوا من كنوز مصر، ولم يكن يوجد ما يضطرهم بالطبع للاستيلاء على الجزيرة العربية ولا شمال أفريقيا، فما هي جدوى المخاطرة بعبور بحار من الرمال؟!

*******

عدد المنشورات الفرعية : 65

عدد المنشورات : 458