الجدول

نظرات ونظريات في اللغة العربية

المفهوم العام لتأكيد اسم الفاعل

المفهوم العام لتأكيد اسم الفاعل

اسم الفاعل المؤكد هو قسم كبير من أقسام عائلة الأسماء ذوات القربى، وهو يتضمن معاني اسم الفاعل مع تأكيد وتقوية المعنى أو تكثير متعلقاته أو توسيع مجاله طبقًا لحقيقة الفعل، فهو حالة خاصة من اسم الفاعل الوظيفي، ويعمل عمله في الجملة بصفة عامة، ولكن مفهومه أيضًا عام بمعنى أنه توجد له صور عديدة.

وهو (يُشتق) صرفيا من الفعل الماضي للدلالة على اسم فاعل الفعل أو من كان الفعل لازمًا له أو متسمًا (موصوفًا) به.

فاسم الفاعل المؤكد يتضمن من المعاني ما يلزم لأدائه تأكيد لفظي خارجي لاسم الفاعل العادي، وذلك بمجرد إحداث تغيير في بنيته الخاصة، فقد يتضمن إضافة حرف أو أكثر مقارنة بهذا الاسم العادي أو تغيير حركة أحد الحروف، فاسم الفاعل المؤكد يختزن المعنى الكثير في اللفظ القليل، ويغني عن استعمال كلمات إضافية لتأكيد المعنى كما يحدث في اللغات الأخرى.

فاسم الفاعل المؤكد يبين درجة المعنى من حيث القوة، ومن حيث الكثرة، كما يبين امتداد الفعل في الزمن، هذا الامتداد يتدرج من الاستمرار في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وقد يصل إلى الدوام، وفي حالة الدوام يكون الأمر أمر اتصاف، ولذلك يسمونه في هذه الحالة بالصفة المشبهة، وهي ليست إلا صورة من صور اسم الفاعل يتأكد فيها الامتداد في الزمان.

فمصطلح اسم الفاعل لا يعني أن هذا الاسم مشتق من أفعال العمل والإجراءات Actions، بل إنه هو من يُسنَد إليه معنى الفعل مهما كان نوع أو معنى هذا الفعل، يجب تذكر ذلك دائمًا، ولذلك لا مشكلة في أن يُسند إلى كائنٍ كوصف له، فالكائن يوصف أساسًا بكافة أنواع اسم الفاعل، بيد أن بعضها يتميز بأفعال شديدة الحساسية للزمن، وبعضها يكاد يكون متحررا تماما من الاعتماد عليه، وبين الطرفين توجد تدرجات متصلة من الاعتماد على الزمن، وذلك مثلما هو الحال في الدوال الرياضية Mathematical functions.

واسم الفاعل المؤكد يتضمن ما يسمونه بصيغ المبالغة من اسم الفاعل والصفة المشبهة باسم الفاعل.

فإذا كان الأمر أمر تأكيد المعنى وتكثير الناتج وتوسيع المجال يكون هو ما يسمونه بصيغة المبالغة.

وتدل صيغ المبالغة على معنى الفعل ومن قام به معنى الفعل، كما يدل اسم الفاعل، غير أنَّها تزيد عن اسم الفاعل في دلالتها على رسوخ المعنى أو تكثير الفعل أو على مزيجٍ من الأمرين بنسبٍ تختلف من صيغة إلى أخرى، فهي نوع من اسم الفاعل المؤكد، يتم التأكيد فيه على الجانبين الفعلي والمعنوي، وهي تختلف فيما بينها في نسبة تأكيد كلٍّ من الجانبين.

واسم الفاعل المؤكد يُصاغ من الفعل الثلاثي المتعدي أو اللازم بطريقة صورية قياسية منتظمة، وذلك إذا أُخِذ في الاعتبار طبيعة الفعل ومعناه وصورته الحقيقية.

ولهذه الصيغ أوزان عديدة، ولا تصاغ إلا من فعل ثلاثي متصرف، ومن هذه الصيغ: فعيل، فَعول، فعَّال، أفْعَل، فيعول، فُعُّول، فِعِّيل، مِفعال، فَعْل .....

والصيغ المشتركة في الفعل أو السمة ليست بمعنى واحد، فهي ليست مترادفات، بل تتميز كل صيغة عن الأخرى بمعانٍ خاصة، ولذلك قد لا يعبر اسم المعنى (المصدر) المعلوم الذي هو اسم السمة الأصلية عن كل معاني السمة التي تتضمنها الصيغة، فيلزم استعمال الاسم المشتق للمعنى (المصدر الصناعي) للتعبير الأدقّ عن السمة، مثال:

الاسمان "خالق، خلاق" فعلهما هو "خلَقَ، يَخلُق"، واسم معنى الفعل منه "خَلْق"، فهو لا يعبر عن الاختلاف في المعنى فيما بينهما، والاختلاف بين الاسمين هو في درجة الفاعلية، فهي أقوى في الاسم "الخلاق"، وكذلك الأمر بالنسبة لدرجة الاسمية، أما الاسم "الخالق" فهو أقرب إلى فعله، لذلك قد يؤدي دوره في بعض العبارات.

هذا فضلًا عن أن اسم الفعل "خلْق" يُستعمل أيضًا، بل في أكثر الأحيان، للدلالة على مفعولات الفعل، وليس على السمة المتسم بها الفاعل، لذلك نفضل استعمال "الخالقية" للدلالة على السمة التي يشير إليها الاسم "خالق"، والخلاقية للتعبير عن السمة التي يشير إليها الاسم "الخلاق".

وليس الأمر مفاضلة بين الأسماء، ولكنه بيان بحقيقة كل اسم، فالأسماء ليست بمترادفات، ولا تكرار فيها، ولكل اسم دلالاته الخاصة التي تميزه عن الأسماء الأخرى، حتى وإن اشتركت معه في الفعل.

ومن أسباب العدول عن كلمة "مبالغة" أنها توحي بأن المعنى أكثر من الحقيقة، بمعنى أنها تشير إلى أنه يوجد غلوّ وإغراق ومغالاة وإفراط في الوصف وتجاوز الحد، مثلما هو الحال في الكلماتالفرنسية Exagération, exagérée, hyperbole مثلا.

فاسم الفاعل المؤكد يدل على معنى حقيقي لا مبالغة فيه، فهو ليس مبالغة من اسم الفاعل، بل هو (مشتق) رأسًا من الفعل مثله مثل اسم الفاعل، بمعنى أنهما على درجة واحدة من الفعل، ومن حيث المعنى فهو يتضمن تأكيدًا إضافيا لأحد جوانبه بالنظر إلى طبيعة الفعل، فهو يتضمن توسيعا في مجال الفعل وتأكيدا على قوة الصفة، ولا شك أن الكائنات متفاوتة في مثل هذه الأمور، فما يسمونه بصيغة المبالغة تعبر عن ذلك دونما حاجة إلى استعمال ألفاظ إضافية.

فقد يكون الفعل فاعليا متعديا فيكون التأكيد في قوة هذا الجانب، وقد يكون الفعل فعل اتصاف أو بيان لحالة ثابتة للكائن، فالتأكيد يقوي الجانب الوصفي، وهذا ما يسمونه بالصفة المشبهة.

وقد يوجد اسم الفاعل المؤكد بينما لا يوجد اسم الفاعل، فكيف يقولون بأنه مبالغة منه؟ أو صفة مشبهة به؟

وقد يوجد ما يسمونه بالصفة المشبهة باسم الفاعل، مع أن اسم الفاعل هذا قد لا يكون له وجود أصلا بالنسبة لفعل الصفة!!

ويرى بعضهم أن المبالغة هي خروج الشيء عن موضعه المعهود!! وذلك بخروجه عن لفظه المعهود على سبيل الكثرة والزيادة في المعنى وتقويته أو الخروج به عن معناه الحقيقي مجازًا.

فمن الذي حدد موضعه المعهود أو اللفظ المعهود؟ إن القرءان الكريم استعمل صيغا عديدة للأسماء، هذه الأسماء لا يُستعمل اسم الفاعل (المعهود) لها أصلا في اللسان العربي، فكيف تُعتبر خروجًا عن المعنى المعهود؟ فهناك عائلات لغوية عديدة لم يرد فيها اسم الفاعل البسيط، فكيف يكون هو الأصل المعهود المعدول عنه؟

وقد استعمل القرءان الصيغ الآتية للإشارة إلى الله تعالى من حيث إنه يرحم عباده: الرحيم، الرحمان، أرحم الراحمين، خير الراحمين، ذو الرحمة، ولم يرد الاسم "الراحم" في صيغة المفرد، فكيف يكون الاسم غير المذكور مفردا هو اللفظ المعهود المعدول عنه، بينما يكون الاسم المذكور معدولا إليه؟!

ولقد سمَّى الله تعالى نفسه بالأسماء "الغفور"، "الغفَّار"، "الغافر" "ذو مغفرة"، "خير الغافرين"، فما الذي يجعل الاسم "الغافر" بالذات هو الأصل المعهود، ويجعل الأسماء الأخرى عدولا عنه؟!

إن الناس بحاجة إلى ألفاظ للدلالة على تفاوتهم في الصفات والأفعال، ومن ذلك استعمال "حسان" بدلا من "حسن" أو "طوال" بدلا من طويل ... الخ، ومن ناحية اللغة لا يوجد أي مبالغة، الألفاظ موجودة لتؤدي معانيها.

فالناس متفاوتون في كل الصفات مثل الفهم والحسن والعلم والطول والوضاءة مثلا، ووجود كلمات للتعبير عن درجات ذلك التفاوت لا يعني أن بعضها أكثر أصالة وأن البعض الآخر مبالغة منه، فكلمات مثل: فهامة، حسان، علامة، طوال، وُضَّاء، كذَّاب، كذوب ... الخ ليست بأقل أصالة من فاهم، حسن، عالم، طويل، وضيء، كاذب.

ومن الواضح أن لمعنى الفعل دورا هاما في تحديد أفضل صيغ اسم الفاعل بمفهومه الصحيح.

والهدف من استعمال اسم الفاعل المؤكد الدلالة على زيادة المعنى وتقويته أو تكثيره أو تكثير متعلقاته، وليس تجاوز الحدّ أو الإفراط في الوصف أو تزييف الحقائق، فالاستعمال الدارج لألفاظ اللغة ليس بحجة عليها.

فمن الشائع مثلا وصف الإنسان بنقيض صفته على سبيل السخرية منه، أو التهوين من شأنه، فيوصف القصير بالعملاق، أو الفاسق بالقديس، أو الجبان بالأسد، وهذا لا يعني أن اللفظ ونقيضه قد أصبحا بمعنىً واحد.

فاسم الفاعل المؤكد يعبر عن حالة حقيقية، فهي خاصية من خصائص اللسان العربي تغني عن استعمال أكثر من كلمة لأداء المعنى الذي تتضمنه الصيغة، كما يحدث في اللغات الأخرى.

ولا يجوز القول بأن استعمال اسم الفاعل المؤكد (صيغة المبالغة) هو عدول عن اسم الفاعل لقصد المبالغة والتكثير، فهذا يوهم بأن الأصل هو استعمال صيغة اسم الفاعل البسيط!

والحقّ أن صيغ اسم الفاعل المؤكد قائمة ومستعملة لما لها في ذاتها من خواص، وهي ليست بأقل أصالة من اسم الفاعل العادي، الذي قد لا يوجد لبعض الأفعال أصلا، كما هو الحال في بعض الأفعال اللازمة، فلا يجوز اعتباره معيارا أو مقياسا أو مرجعًا لها، ومن خواص اسم الفاعل المؤكد أنه يتضمن في بنيته الذاتية ما يفيد التأكيد أو التكثير، وهذا يغني عن استعمال أكثر من لفظ كما في اللغات الأخرى، وهذه مزية أساسية للغة العربية.

1

عدد المنشورات : ٥٧٩