يحيى الوطني 3

رغم أنه أصبح على بيِّنة من أمره فإنه لم يستطع أن يبلور ما توصل إليه بعد في منهج كلي جامع، تجمع لديه المئات من الأوامر التي عليه أن يلتزم بها، ولكن ما هو الجامع بينها؟ وما الذي يرقى بالنفس فيجعلها تقوم طواعية بكل الأوامر الدينية وأن تكتسب مناعة ضد الانحراف عن الصراط المستقيم؟

لم يستطع أن يحدد بوضوح المقصد الجامع ولا السبيل إلى تحقيقه، إنه يريد الطريق المأمون واللازم لإصلاح النفس؛ السبيل الصاعد نحو التحقق بالكمال، المنهج الذي يضمن لمن التزم به النجاح والفلاح؛ السبيل المفضي إلى الكمال كما يفضي السبب إلى النتيجة وكما يحقق شرب الماء الارتواء، أخذ يتوسل إلى ربه سرا وجهرا طالبًا الجواب الشافي.

ذات ليلة استيقظ على صوت والده وهو يصلي في جوف الليل، سمعه يقرأ سورة الشمس بصوت خفيض خاشع، رغم أنه ربما يكون قد قرأها من قبل مئات المرات فإنه يدرك الآن يقينًا أنه يسمعها لأول مرة، تتابعت الأقسام قسما وراء قسم، أخذ يترقب بلهفة النبأ العظيم الذي يريد الله أن يؤكده بكل تلك الأقسام، إنه يدوي الآن في كل كيانه:

{قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}،

رغم أنه كان قد دوَّن من قبل أنه مأمور بالتزكي إلا إنه لم يقدِّر هذا الأمر في حينه حق قدره.

الآن أدرك حل اللغز الذي كان دائما يؤرقه، عرف معنى أن هذا القرءان أُنزِل بالحق والميزان، أدرك أن ثمة أوزانًا نسبية للأوامر القرءانية، ثمة أوامر مشددة وثمة أوامر كبرى شاملة، ثمة أوامر كثيرة يمكن أن تندرج تحت أمر كلي واحد، ثمة ارتباطات موجبة بين كل الأوامر، ثمة أوامر هي في الوقت ذاته غايات ومقاصد.

لذلك أدرك أن الأمر بالتزكي ليس كأي أمر؛ إنه أمر كبير مشدد، كما أنه قد ورد كمقصد لأركان معلومة، هو من الأركان الركينة إذًا، إنه من الأركان التي تمثل جوهر الدين ولبه، ومن تزكَّى هو مبشر بالضرورة بالفلاح؛ هو مبشَّر بالجنة.

وكان يعلم جيدا أن كلمة "ركن" لا أهمية لها في الموضوع، فهي لم ترد في القرءان بالمعنى المستعمل الشائع، يكفي أن الأمر بالتزكي هو أمرٌ ديني كبير، وأنه ملزمٌ لكل إنسان فرد.

لن يُفلح إذًا إلا من عمل على تزكية نفسه، أما من دسَّاها فقد خاب وخسر، كان يعي جيدًا معنى تلك الخيبة وهذه الخسارة، إن الناس أهملوا أمرًا وحكمًا قرءانيا هاما فكان جزاؤهم ما هم فيه من جحيم سوء الخُلق، إنه يرى الآن كل محسوب على الإسلام من سيئي الخلق تمثالا للخيبة والخسران، ماذا جنوا من دينهم إذا لم يؤد بهم إلى تزكية أنفسهم وتقويم سلوكهم!

ولكن ما يدريه، لعله هو نفسه لم يزكِّ نفسه التزكية الكافية لحمايتها، وربما وجد نفسه يومًا ما مثلهم، إنه يعلم جيدًا أن الشيطان يؤدي عمله بكل ما أوتي من همة وإمكانات، يجب اليقظة والحذر.

يجب إذًا حشد القوى والطاقات والتزكي وفق منهج محدد، عقد العزم على التزكي بطريقة علمية، للوصول إلى الكمال المنشود يجب الالتزام بالعمل المنهجي الجاد، علم أن عليه أن يتزكَّى، ولكن كيف؟ ما هو السبيل؟ لا يمكن أن يكون الأمر خبط عشواء، ما هو المنهج الذي يجب أن يتبعه؟

قرَّر أن يقوم بحصر شامل لكل مكارم الأخلاق والصفات -الحسنة منها والسيئة- وتدوين كل ذلك في كراسة خاصة، ولكن ما هو مقياس الحسن؟ إن ثمة من يمتدح الزهد مثلاً وثمة من ينفِّـر الناس منه، ما هو الزهد أصلا؟ وما هي الصفات المقبولة عند رب العالمين، هذا هو ما يجب البحث عنه.

هُرع إلى القرءان كعادته، التمس فيه كل مكارم الأخلاق والصفات الحسنة، لم يصعب عليه إدراك أنها هي مقتضيات الأسماء الإلهية الحسنى وأنها الأخلاق والصفات التي أثنى الله تعالى على المتصف بها أو الذي يعمل وفق مقتضياتها أو أعلن رضاه عنه أو بشَّره بالخير أو بالجنة، عَلِم أن الصفات السيئة هي التي نهى الله عنها أو أعلن غضبه على المتصف بها أو حذَّر منها أو توعَّد المتصف بها بالعذاب في الدنيا أو في الآخرة.

أدرك أيضًا أن القرءان قد يذكر الصفة الحسنة بلوازمها ومقتضياتها ويحث الناس على التحلي بها، وجد أيضًا أن الصفة الحسنة قد تُعرَّف بذكر ما يناقضها من الصفات السيئة، لم يلق بالاً لأيّ صفة لم يرد لها ذكرٌ ما في القرءان.  

وجد مثلاً أن من الفضائل القرءانية:

الإيمان بالله وبأسمائه وسماته وأفعاله وشؤونه وسننه، تقوى الله، حب الله، ذكر الله، التوكل علي الله، الاعتصام بالله، الثقة بالله، الولاء لله، الإخلاص لله، إسلام الوجه لله، حسن الظن بالله، الثقة بما عند الله، إجلال وتوقير وتعظيم أوامر وشعائر الله، الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بكتاب الله، إجلال وتوقير وتعظيم كتاب الله، الاعتصام بكتاب الله، الحرص على معرفة وإجلال سنن الله، التزكي، الإيمان بخاتم النبيين وحبه وتوقيره وتعظيم قدره، الصبر ومنه الجلد والثبات والصمود والصبر لحكم الله والصبر في البأساء والضراء وحين البأس، التطهر، اليقين بلقاء الله، خشية الله، استعمال كافة الملكات الذهنية في مجالاتها الطبيعية، احترام حقوق كافة الكيانات، إجلال القوانين والسنن، العلم، الحق، العدل، القسط، الأمانة، الاستقامة، الجدية، الجود، الكرم، الصدق، الإعراض عن اللغو، الفعالية، الإيجابية، الإحسان، الإخبات إلى الله، الحلم، الخشوع، العفو، الصفح، تعلم الكتاب، تعلم الحكمة، الصلاح، الإحسان إلى الوالدين، صلة الرحم، الإصلاح بين الناس، البـر، العمل الصالح، القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض، كظم الغيظ، العفة، المصابرة، المرابطة، العزة علي الكافرين، خفض الجناح للمؤمنين، الولاء للمؤمنين، الإعراض عن الجاهلين، أن يحفظ حدود الله، أن يدرأ بالحسنة السيئة، صدق الوعد، صدق الحديث، ألا يتطلع إلي ما لدى الآخرين، أن يذعن للحق إذا تبين له، ألا يقبل قولاً إلا ببرهان مبين، اتباع أحسن القول، التواصي بالحق، التواصي بالصبر، التواصي بالمرحمة، لين الجانب، رقة القلب...الخ.

أما الصفات والأخلاق السيئة والرذائل فقد وجد منها:

الكفر، الشرك، الظلم، النفاق، سوء الظن بالله، الإلحاد في أسماء الله، نسيان الله، الغفلة عن الله، مخادعة الله، كراهية ما أنزل الله، الارتياب في الوعود الإلهية، الكفر بالآيات، التكذيب بالآيات، الجحود بالآيات، الإلحاد في الآيات، الإعراض عن الآيات، الغفلة عن آيات الله، السعي معاجزاً في آيات الله، الجهل بالموازين القرءانية، مخادعة المؤمنين، البغي، الاستكبار، الطغيان، الفساد، الفسق، اقتراف الفواحش، حب إشاعة الفواحش، العدوان، الرياء، البخل، الاستبداد، العتو، البطر، الحسد، الخيانة، الجهل، الإسراف، التبذير، الترف، الإجرام، الرغبة في أكل حقوق الناس وامتهان كرامتهم، الكذب، الاستماع للكذب، الافتراء، الوهن، الضعف، الذلة، الاستكانة، العجز، الميل إلى الكافرين، الركون إلى الظلمة، إهمال استعمال الحواس والملكات، التطلع إلى ما لدى الناس والطمع فيه، الشح، الهلع، الجزع، حب الدنيا، الزهد في الآخرة الخيلاء، الفخر، الغفلة، اتباع الهوى، السخرية من الآيات، الارتياب، الكبر، الأسى على ما فات، الجبن، الغل للذين آمنوا، الاستهزاء بالمؤمنين، الإفساد في الأرض، الفسق، إهمال الإفادة من الحواس والملكات، العمل ضد مقتضيات الفطرة، اللغو، كتمان ما أنزل الله، الشح، الضعة، الفظاظة، الغلظة، الهمز، اللمز، الظن الآثم، البهتان، الإفك، المن، استبدال الأدنى بالخير، الافتتان بالدنيا، تجاهل وازدراء القوانين والسنن، الفجور، الاتجار بالدين، لبس الحق بالباطل، تحريف كلام الله، التقول علي الله، أن يشتري بكلام الله متاعا دنيويا، إيثار الحياة الدنيا...الخ.

وجد أن كل ما هو مضاد لصفة حسنة هو رذيلة -وإن لم يرد لها ذكرٌ صريح- ولذلك يجب التطهر منها، وكل ما هو مضاد لصفة سيئة هو فضيلة –وإن لم يرد لها ذكر صريح- ويجب التحلي بها.

أفرد لكل ما وجده في القرءان من خُلُق أو صفة صفحات خاصة يدوِّن فيها الآيات القرءانية التي ذكرتها صراحةً أو ضمنا، كان يدوِّن فيها أيضا الأقوال المنسوبة إلى الرسول التي تذكرها وتحضّ عليها.

وعلى سبيل المثال علِم أن الرحمة من أمهات الأخلاق والصفات الإسلامية، وجد أن مروية أبي هريرة الخاصة بالهرَّة تندرج تحت صفة الرحمة، دوَّنه في الصفحات الخاصة بالرحمة، علم من القرءان أن دواب الأرض هي أمم أمثالنا وبالتالي فلها علينا حقوق الأمم ومنها المعاملة بالإحسان والرحمة وتجنب قتلها عبثا أو الإساءة إليها، وكل ذلك من مقتضيات ولوازم استخلاف الإنسان في الأرض، أدرج نفس الحديث في الصفحات التي تنهى عن الإفساد في الأرض (وهو من كبائر الإثم والرذائل) وفي صفحات وجوب القيام بمقتضيات الاستخلاف في الأرض.

كان ما في الصفحات يزداد بما يصل إليه علمه وخبراته مع نفسه أو في التعامل مع الناس.

ولكن ماذا سيفعل بكل هذه المعلومات؟ قرر أولًا أن يفقهها وأن يستذكرها بانتظام، كان قد قرأ يوما ما عن الإيحاء الذاتي، لقد علم عن نفسه أنه هو قابل للإيحاء منذ صغره، إن والده بدون أن يعرف لهذا الأسلوب اسمًا كان يستعمله معه وكان يؤدي دائما إلى نتائج إيجابية، قرر أن يستعمله مع نفسه، كان يجلس في هدوء ليردد مثلا سرا أو جهرا، "أنا لست بجبان، ولن أكون أبدا جبانا، لن أكون ظهيرًا للمجرمين، لن أتراجع أمام الخطر في سبيل الحق مهما كان الثمن"، "إنني سأكون دائما صادقا أمام ربي ومع نفسي مهما كان الثمن".

وهكذا الأمر مع كل الصفات الأخرى، ثم تعلم أن يجعل من هذه التقريرات أدعية يتوجه بها إلى ربه موقنا بإجابتها، كان يتوسل إلى ربه أن يطهره من كل صفة سيئة وأن يكسبه كل صفة حسنة، كل هذا كان فضلًا عن ضروب العبادة التقليدية التي كان يؤديها بكل جدية وحماس.

كان قد نشأ وثمة علاقة خاصة تربطه بالقرءان، لم يجد نفسه أبدًا -حتى في طفولته- بحاجة إلى استفتاء أحد في أي شيء يتعلق بالقرءان؛ لقد وجد نفسه هكذا، وكان يتصرف دائما وفق ما وجد نفسه، كان في السنة الخامسة الابتدائية عندما تمَّ تنظيم مسابقة في حفظ وتفسير سورة من سور القرءان على مستوى المنطقة التعليمية، وجد نفسه مأمورًا بدخول تلك المسابقة، عرض عليه صديقه هاني أن يتلقى معه دروسًا في تفسيرها من أحد المشايخ المعروفين وكان من أقاربهم، أبى ذلك بشدة.

دخل المسابقة، عندما بدأ في تلاوة الآيات التي طُلِب منه تلاوتها فوجئ بسكون تام يخيِّم على المكان الذي كان صاخبا، طُلِب منه تفسير نفس الآيات، كانت هي الآيات التي تبدأ بقوله تعالى:

{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} القصص30.

أجاب بما تيسَّر له، قيل من بعد أن الذي فاز بالجائزة هو تلميذ جوَّد التلاوة، قال لمن استفسر منه: إذًا فليس أنا، كان صغيرًا لا يدري ما هو التجويد، فوجئ بفوزه بالجائزة الأولى.

آمن بالقرءان إيمانا مطلقا، أيقن أنه هو الكتاب الذي لا ريب فيه ولا اختلاف ولا تناقض، أدرك أن كل ما فيه يجب أن يؤخذ كبيِّنات ومسلمات، أيقن أنه كتاب متسق اتساقا ذاتيا، آمن دون قيد أو شرط بأنه كتاب مبين ومبيِّن وتبيان لكل شيء، رفض أي قول أو نهج يخالف شيئا مما آمن به، أدرك أنه يجب الإيمان بالقرءان ككتاب كامل خاتم كافٍ بنفسه وافٍ بكل مقاصده كما آمن بكل آياته وبالمصداقية والحجية الكاملة لكل آية من آياته.

لم ترهبه تهويلات الناس ولا تهديداتهم، كان يعلم حقائق أكثر من تعاملوا معه من العامة والخاصة، كان على يقين من أن الدين لا يكاد يعني بالنسبة لهم شيئا مهما تشدقوا بخلاف ذلك.

علم أن للقرءان سماته المذكورة فيه، فتلك السمات تشكل منظومة متسقة لها الحكم على كل ما يمكن أن يقال بخصوص القرءان، فيجب أن يضرب بكل ما يخالف عنصراً من عناصرها عرض الحائط، وأسماء القرءان تشير إلي تلك السمات، فهو القرءان وهو كلام الله وهو روح من أمر الله وهو الرسالة والكتاب والمبين والحكمة والكريم والمجيد والحكيم والمبارك وهو ذكر وذو الذكر وهو ميسر للذكر والمهيمن على سائر الكتب وهو النور وبه يهتدي الكثيرون ويَضل الفاسقون، وهو هدى ورحمة وبشرى للمسلمين، وهو ليس له مثل، وهو الحديث وهو أحسن الحديث وهو متشابه ومثاني وهو الذي أحكمت آياته ثم فصِّلت وهو تفصيل لكل شيء وهو قول فصل وليس بالهزل وهو الذي أُنزل بالحق والميزان وهو الذكر المحفوظ أي الذي ليس فيه آيات منساة أو منسوخة، وهو الكتاب الذي لا ريب فيه فلا نسخ فيه، ولا شك بخصوص أي أمر يتضمنه وهو هدى للمتقين فمن ضلَّ في شيء بخصوصه فليعلم أن ذلك لقصور في تقواه ولخلل أصاب كيانه الجوهري، وهو هدى ورحمة لقوم يؤمنون وهو مفصَّل الآيات لقوم يعلمون، وهو مفصَّل الآيات لقوم يتفكرون وهو رحمة وذكرى لقوم يؤمنون، وهو الذي يتضمن الدين الكامل الخاتم وهو الذي به تمت كلمات الله صدقا وعدلا فلا مبدل لكلماته، وهو صراط الله المستقيم وهو شريعة من الأمر وهو شرعة ومنهاج وهو وحي من الله وهو الآيات البينات والبصائر وهو فضل الله ورحمته للعالمين وهو عربي وهو حكم عربي وهو بلسان عربي مبين......

وجد أن القرءان هو الكيان الذي أطلق الله عليه أسماء من أسمائه منها النور والمبين والحكيم والحق والمجيد والعزيز والعلي الحكيم والعظيم والكريم، ألم يكف الناس هذه الإشارة ليعرفوا له قدره؟

علم أن القرءان قد أضفى على بعض الألفاظ معاني جديدة أسماها هو بالمعاني القرءانية، آمن بأن من حق القرءان وحده أن يحدد معاني مصطلحاته، لذلك كان إذا أراد أن يعرف معنى أي مصطلح قرءاني يقوم باستخلاص كل الآيات ذات الصلة بهذا المصطلح وتدبرها لاستخلاص معنى المصطلح منها، لم يلق بالاً للمعاني الشائعة للمصطلحات الدينية، لم تكن تعني بالنسبة له أي شيء.

آمن بأن كل عبارة قرءانية وافية تمامًا بالمقصد منها، آمن بأن القرءان تبيان لكل ما هو لازم للإنسان لصلاح دنياه وآخرته، ضرب بكل ما يلقي بظلال من الشك على شيء من ذلك عرض الحائط، لقد كان بالفعل يتسم بقدر هائل من الشجاعة –الفطرية والمكتسبة- والجرأة والمخاطرة، دفعه ذلك إلى أن ينتقد بكل جرأة ما يرى أنه خطأ من أقوال أي شخص يتخذه الناس بلسان الحال ربا.

لم يكن يبالي حقًّا بما يمكن أن يقال عنه، كان بالفعل يواجه المخاطر باستهانة شديدة، أثار رعب من حوله بآرائه الجريئة والمتحدية والتي لا تتفق أبدًا مع ما هو معروف عنه من الحياء الشديد ورقة الطباع، كان ذلك يتمثل أيضا في تصرفاته العادية حتى أنه أثار رعب صديقه هاني عندما خرج معه للتنزه ذات مرة على شاطئ النيل في صغرهما، أقسم هاني ألا يخرج معه من بعدها أبدًا حتى لا يعود بدونه ويعرِّض نفسه للمساءلة.

آمن بأنه لا يجوز التفريق بين آيات القرءان وأن كل الآيات التي تعالج أمرا ما أو تذكر شيئا بخصوصه متكافئة من حيث ذلك الأمر وأنها يجب أن تستفتى كلها في كل ما يتعلق به، علِم أن كل آية منها إنما تلقي مزيدًا من الضوء على هذا الأمر ويجب أن تؤخذ في الاعتبار وألا تستبعد تحت أي زعم. 

آمن بأن القرءان أُنزل بالحق والميزان، لذلك أصبح من اليسير عليه أن يستفتي القرءان في كل أمر من أمور الدين وأن يعرف الوزن النسبي لكل أمر، لذلك كان إذا أراد معرفة رأي القرءان في أي أمر قام بقراءة القرءان كله وباستخلاص كل الآيات التي تتعلق من قريب أو بعيد بهذا الأمر وتدبرها، كان إذا أراد معرفة رأي القرءان في أمر آخر أخذ في الاعتبار ما وصل إليه من قبل إن كانت له به صلة، تكونت لديه أنساق دينية مبهرة هائلة مدعمة بأقوى البراهين والحجج.

أصبح مسلحًا بمنهج لاستخراج كل ما يلزم من المعلومات والأحكام من القرءان، أخذ يتساءل وهو في حيرة شديدة: كيف غفل الناس طوال القرون الخالية عن هذا المنهج الواضح؟ استفتى القرءان كعادته، وجد الإجابة في هذه الآيات:

{إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قرءانا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (45) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)} فُصِّلت.

ارتجف قلبه من هول ما هو مذكور صراحة وضمنًا في الآيات من التحذير والوعيد والتهديد، إنهم ألحدوا في الآيات فكفروا ببعضها تحت مسميات مموَّهة أو حاولوا إخضاعها لتصوراتهم وآرائهم المسبقة، لقد استبطنوا أيضًا -وإن لم يدركوا- افتراض أن في الكتاب باطلا، هم بكل ذلك كفروا ببعض الكتاب فكفروا به كله واستحقوا بذلك الخزي في الدنيا وأشد العذاب في الآخرة، تلألأ أمام ناظريه قول الله تعالى:

{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} البقرة85.

أدرك فعلا أن الكفر ببعض آيات الكتاب العزيز تحت أي مسمى سيؤدي بالضرورة إلى خلل في كل ما سيتولد من مفاهيم وتصورات بخصوص ما هو فيه؛ فلن يمكن أبدًا استخلاص تعليمات وأوامر متسقة ولن يمكن أبدًا استخلاص هيكل متماسك للدين.

ثم جاءت الخطوة الحاسمة، لقد ألحَّ على خاطره السؤال الأصلي الكبير: إن كل وأوامر القرءان –بما فيها الأمر بالتزكي- إنما تكون لغايةٍ ما، ما هي هذه الغاية؟

وما هي غاية الغايات؟

ما هو المقصد الكلي الجامع؟

أخذ يقرأ القرءان مرة بعد أخرى عله يجد إجابة لسؤاله هذا، أخذ يطلب الهدى من ربه بكل قوى وجوده ومكونات كيانه، كان يعلم أن آيات القرءان يبيِّن بعضها بعضا، إن الإنسان يطهر جسده ليقيم الصلاة المعلومة، فلماذا يطهر كيانه الجوهري أي نفسه الباطنة؟

وفجأة ارتسمت أمامه هذه الآيات:

{قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}،

وجد إجابة واضحة جلية في ذهنه، التزكي هو وسيلته لذكر اسم ربه أي للوعي به والإحساس الصادق بحضوره، وكل ذلك وسيلة لإقامة صلة وثيقة به، فالصلاة هاهنا هي عين الاتباع كما يتبع المصلي السابق، وهذا هو الفلاح الذي هو المقصد الديني الخاص به كفرد بكل تأكيد، والقرءان حافل بلوازم وتفاصيل ومقتضيات إقامة وتوطيد تلك الصلة ومنها:

إسلام الوجه لله والولاء لله والإخلاص لله والتوبة إلي الله والإخبات إلى الله والإنابة إلي الله وحب الله والتحقق بتقوى الله والاعتصام به والتوكل عليه وتفويض الأمر إليه والاستعانة به والاستعاذة به والفرار إليه والشكر له واتخاذه وليًّا والعمل لإعلاء كلمته والإقرار بنعمته والمبادرة بالاستغفار عند اقتراف أي خطأ في حقه.

عدد المنشورات الفرعية : 63