نظرات في تاريخ مصر

مروية خير أجناد الأرض

الجدول

إن من معجزات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ قوله ما معناه إن جند مصر خير أجناد الأرض، وأنهم في رباط إلى يوم القيامة، وعلى مدى حوالي 12 قرنا لم يثبت أي جيش آخر في العالم أنه كذلك، والخيرية لا تعني فقط القوة بل في القيم التي يدافع عنها هذا الجيش، ولا نعلم جيشا في هذه المنطقة حقق على مدى التاريخ الإسلامي من الإنجازات مثل التي حققها الجيش الذي يحمل اسم مصر، والذي كان يخرج منها، ويعود إليها، والذي كان في العصر المملوكي يخرج من باب الفتوح ليعود مظفرا من باب النصر.

إنه منذ أن استقل ابن طولون بمصر حوالي 254 هـ صار هذا الجيش هو عدة الإسلام والمسلمين في قلب العالم الإسلامي، وهو الذي تصدى للزنادقة والصليبيين والمغول والتتار والوهابيين، وهو الجيش الذي حطَّم كلَّ من تحالف مع الصليبيين، إنه الجيش الذي ألقى بالصليبيين في البحر وحمى الحرمين من شرهم، وهو الجيش الذي ساند كل ثورات التحرر في العالم كله، إنه الجيش الوحيد الذي اجتمعت كل القوى الكبرى يومًا ما للعمل على تحجيمه ولإصدار (الفرمانات) اللازمة لذلك، كان ذلك في عهد محمد علي، تكرر ذلك بعد عهد الخديوي إسماعيل أي في عهد توفيق، تكرر أيضًا في عهد السادات، وهو الجيش الوحيد الذي لم يخرب أبدا ولم يدمر ولم يغتصب النساء ولم يستول على الأطفال والغلمان، بل كان جيشًا معمرا ناشرا للحضارة دائما، وكانت هذه سماته حتى أيام ملوك مصر الأقدمين.

إنه من العجيب أن يشكك المحسوبون على الإسلام في حديث أثبتته وقائع التاريخ وجاءت مصدقة له، نعم، جند مصر خير أجناد الأرض منذ أن نشأت هذه البلاد، هذا الجيش الذي عمره آلاف السنين وعلى مدى التاريخ لم يقاتل إلا دفاعًا عن مصر، ثم عن الإسلام ومصر والحرمين، ولم يخرج منها معتديًا، بل كان دائما رسول حضارة وإنسانية، وها هي بعض الحقائق:

1. طوال عهد الأسرات الممتد لأكثر من ثلاثين قرنًا بحساب المؤرخين، ولأكثر من سبعين قرنًا كما نقول نحن، لم يعتد هذا الجيش على أحد، وكان يكتفي بردّ غارات البدو فقط.

2. أول إمبراطورية أسسها هذا الجيش كانت مترتبة على مطاردة الهكسوس خارج مصر، فكانت الإمبراطورية تأمينا لحدود مصر، ولم يترتب عليها أي مجازر أو مظالم أو استعباد، وعندما أظهر إخناتون عدم اكتراث بهذه الإمبراطورية، أخذ الأمراء المحليون يرسلون إليه طالبين استمرارها في رسائل محفوظة (رسائل تل العمارنة).

3. بعد ظهور الإسلام تأسس أول جيش مصري إسلامي في عهد الدولة الطولونية التي استقلت بمصر سنة 254 هـ، وأصبح دائما أقوى جيش في المنطقة طوال عصور الإخشيديين والفاطميين والأيوبيين والمماليك، وتمَّ إحياء التقاليد القديمة، ولم يزد عليها إلا مهمة حماية الحرمين.

4. هذا الجيش هو الذي تمكن من القضاء على الصليبيين وإلقائهم في البحر.

5. هذا الجيش هو الذي قضى على الخطر المغولي التتاري الماحق.

6. هذا الجيش هو الذي هزم أعتى حملتين صليبيتين استهدفتا مصر نفسها بعد أن لقبها الصليبيون برأس الأفعى، وفي الحملة الثانية أسر ملك فرنسا القديس لويس وقضى على زهرة فرسان أوروبا.

7. بعد الغزوة الفرنسية السريعة أدرك المصريون -قبل غيرهم في العالم المحسوب على الإسلام- ضرورة وجود جيش حديث قوي، هذا الجيش هو الذي قضى على الدولة الوهابية الأولى وكاد يقضي على الخلافة العثمانية الجهلوتية، ونشر الحضارة والنظم الحديثة والمساواة والمواطنة والقيم التقدمية في الشرق مما أهاج الشيطان البريطاني وقاد تحالفًا دوليا أرغم مصر على الجلاء عن آسيا ممهدا بذلك الطريق لإحياء الدولة الوهابية الأثيرة دائما لدى الشياطين.

8. هذا الجيش حقق في معارك حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر بطولات لم تشهد البشرية لها مثيلا، وخاصة في الحرص على الشهادة وفي نبل الدوافع وسموّ الأخلاق.

*******

زعم الحويني أن المروية التي ورد فيها: (إذا فتح الله عليكم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا فإن جندها خير أجناد الأرض) هي حديث باطل! والمروية ليست باطلة ولا موضوعة، والقول بأن السند ضعيف لا يعني أنه باطل، بل هو أقوى من أحاديث كثيرة تُعتَبر من أركان المذاهب والفقه، والحق هو أن هذه المروية تعود إلى أصل صحيح، وهو معجزة من معجزات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ التي أثبت التاريخ وسيثبت دائما صحتها.

*******

المروية ليست حديثا ضعيفا هو حديثَ مرفوع عن عمرو بن العاص قال حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إِذَا فَتَحَ عَلَيْكُمْ مِصْرَ؛ فَاتَّخِذُوا فِيهَا جُنْدًا كَثِيفًا؛ فَذَلِكَ الْجُنْدُ خَيْرُ أَجْنَادِ الْأَرْضِ»، فقال أبو بكر الصِّدِّيقُ رضي الله عنه: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: «لِأَنَّهُمْ وَأَزْوَاجَهُمْ وأبناءَهم فِي رِبَاطٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».

وأسند أيضًا الحديثَ المرفوع عن عُمَر بن الخطاب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: «إِنَّ اللهَ سَيَفْتَحُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي مِصْرَ، فَاسْتَوْصُوا بِقِبْطِهَا خَيْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مِنْهُمْ صِهْرًا وَذِمَّةً».

وأخرجها مستوفاةً: الإمامُ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني وغيره الكثير.

وإذا نظرت الي علل من يقولوا انه ضعيف في السند فلا تجد الا تبريرات مضحكة لا تنم الا عن حقد قائلها ولا تفهم منها اي معني مثل ان:

عبد الله بن لهيعة: قال الذهبي رحمه الله في " الكاشف " (ص/590): " العمل على تضعيف حديثه " انتهى.

الأسود بن مالك: لم أقف له على ترجمة ؟؟

بحير بن ذاخر المعافر: ترجم له البخاري في " التاريخ الكبير !!!؟؟ .............................................. إذًا أين العلل؟؟

روى الإمام النسائيُّ، عن الإمام أبي داود، عن الإمام أحمد بن حنبل قال: مَن كان بمصر يشبه ابنَ لهيعة في ضبط الحديث وكثرته وإتقانه! ما كان محدثُ مصرَ إلا ابنَ لَهِيعة. خرَّجه الحافظ ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (32/ 145)، وروى نحوَه أبو عُبيد الآجريُّ في "سؤالاته" عن الإمام أبي داود (2/ 175، ط. مؤسسة الريان)، وزاد: وحدَّث عنه أحمد بحديث كثير. اهـ.

وقد روى عنه الإمام أحمد في "المسند" أكثر من سبعمائة حديث. وخرَّج ابن حبان في "المجروحين" (2/ 12) عن إبراهيم بن إسحاق قاضي مصر قال: [أنا حملت رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس، فجعل مالك يسألني عن ابن لهيعة وأُخبِرُه بحاله، فجعل يقول: فابن لهيعة ليس يذكر الحج؟ فيسبق إلى قلبي أنه يريد مشافهته والسماع منه] اهـ.

وقال الحافظُ البيهقي -كما في "النفح الشذي" للحافظ العراقي (2/ 853، ط. دار العاصمة)-: [كان مالكٌ يُحَسِّنُ القولَ في ابن لهيعة] اهـ. وكذا قال الإمامُ السهيلي في "الروض الأنف" (2/ 286، ط. دار إحياء التراث العربي).

*******

ردود على مجادل:

- أما الحويني فهو باطل ولا أصل له، فهو موضوع!

- الحويني وهابي ضال، وهو يأخذ برأي بعض السلف ويتجاهل أكثرهم، وحتى طبقا لاصطلاحهم فالحديث الضعيف ليس باطلا، وإنما يؤخذ به في المناقب وفضائل الأعمال، وهو أقوى من القول المرسل: "لا وصية لوارث" الذي نسخوا به آيات القرءان المحكمة، وهو أقوى من مروية "تركت فيكم كتاب الله وسنتي" التي يستند إليها المذهب السني كله!

ولم يحتل العرب مصر لمدة 1200 سنة، بل إن مصر استقلت في عهد أحمد بن طولون 254 هـ، وكان تركيِّا متمصرا (استوطن كثير من الأتراك مصر قبل أن يستوطنوا تركيا !!)، ولم يحكمها عربي بعد ذلك، ومن أيام بن طولون كانت مصر هي القوة الأعظم في المنطقة باستثناءات قليلة.

- كانت الدولة الفاطمية في أكثر فتراتها دولة قوية ثرية، وفيها تحققت الحرية الدينية والاهتمام بالفلسفات والعلوم.

- لا تحكم على العصر القديم بمفاهيم العصر الحديث، وثق أن تاريخ مصر معلوم لدينا جيدا، مصر كانت مستقلة أيام الطولونيين والإخشيديين والأيوبيين والفاطميين والمماليك وأسرة محمد علي في أكثر فتراتها وكانت مقر الخلافة العباسية في العصر المملوكي ومقر الخلافة الفاطمية، وهذا ليس احتلالا.

- أما ما تردده أنت فهو ما أشاعه الإنجليز لترسيخ الشعور بالنقص والدونية لدى المصريين وحرمانهم من الفخر المستحق بتاريخهم الإسلامي.

- أما الظلم الذي تعرض له الناس فكان شائعا طوال العصور الوسطى ولم ينفرد به الشعب المصري.

*****

ونحن نقول لك بكل ثقة وبفضل الله تعالى: الحديث القائل بأن جند مصر خير أجناد الأرض صحيح، وقد صدَّقته، وستظل تصدقه وقائع التاريخ، وتملقك لغير المصريين هنا لن يجدي شيئا، وتذكر قولنا هذا.

*******

بعض كارهي مصر، وهم كثر، وخاصة من الشوام والسلفية وبعض المصريين للأسف، يعترضون على القول المنسوب إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ بأن جند مصر خير بأن جند مصر خير أجناد الأرض.

من معجزات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ قوله ما معناه إن جند مصر خير أجناد الأرض، وأنهم في رباط إلى يوم القيامة، وعلى مدى حوالي 12 قرنا لم يثبت أي جيش آخر في العالم أنه كذلك، والخيرية لا تعني فقط القوة بل في القيم التي يدافع عنها هذا الجيش

*******

يقول بعض حثالة الخنازير المحسوبين ظلمًا على مصر "كيف يكون جند مصر خير أجناد الأرض مع أن مصر أكثر بلد احتلت في العالم؟"

الجواب:

1. عندما يتدنى المصري إلى هذه المرتبة فإنه يكون قد حقق بالفعل مقاصد أعداء مصر، وهي إصابة المصريين بكافة مركبات النقص والدونية والانهزام الداخلي، ومثل هذا يكون قد هُزِم في حرب الجيل الخامس المستعرة الآن ضد مصر.

2. هناك بالفعل بعض المصريين وغيرهم المكلفين من أعداء مصر بالنزول بالمصري إلى هذه المرتبة المهينة.

3. المروية النبوية الخاصة بجند مصر صادقة لأسباب عديدة شرحناها كثيرا، وهي مروية تنبؤية، وخصائص المصري منذ قديم الزمان تجعله بالفعل خير أجناد الأرض، ومَنْ تعامل مع نوعيات أخرى من الجنود يعلم ذلك جيدا، واسألوا طلبة الدول العربية والأفريقية الذين تعلموا في المعاهد العسكرية المصرية أو الذين اشتركوا اشتراكا رمزيا في حرب أكتوبر، وكان الجيش الذي يحمل اسم مصر منذ أقدم العصور جيشا شريفا لا يقاتل من أجل سبي نساء أو نهب أموال أو استعباد الناس، وهو الجيش الذي منذ أن استقل بها أحمد بن طولون سنة 254 هـ يتحمل شرف الدفاع عن قلب العالم الإسلامي وعن الحرمين إلى أوان الاحتلال العثماني الإجرامي.

4. مصر أقدم كيان سياسي في التاريخ، وهي تقع في قلب العالم وفي منطقة مهد الحضارة التي كانت دائما أرقى وأغنى بقاع الأرض، وقد ظلت مستقلة لآلاف السنين في التاريخ غير المكتوب والمكتوب، وهي فترة تعادل عشرات أضعاف الفترة التي استقل فيها أي كيان آخر.

5. الإمبراطوريات الكبرى نشأت حول هذه المنطقة ومن البديهي أن تسعى للسيطرة عليها كلها.

6. الإمبراطوريات التي احتلت مصر أساسا هي الإمبراطورية الفارسية والإمبراطوربة الرومانية ودولة الخلفاء الراشدين والدولة الأموية وأول الدولة العباسية والدولة العثمانية، وهذه الإمبراطوريات احتلت كل المنطقة قبل أن تحتل مصر، وكان كل إمبراطورية منها أقوى إمبراطورية في العالم، وعلى سبيل المثال كانت مصر آخر دولة احتلها الرومان في المنطقة، وفي حوض البحر المتوسط، وقد احتلوا قبلها بكثير كل سوريا ولبنان وفلسطين مثلا، فمن المضحك أن يقول سوري مثلا لمصري الكلام المذكور.

7. هذه الإمبراطوريات لم تحتل بالطبع كيانات صحراوية فقيرة، لأنها لم تكن لها أية قيمة أصلا، فلا يجوز لبعض القبائل الشاردة في الصحراء، ولم يكن لها أي كيان سياسي أن تقول مثلا: "الرومان احتلوا مصر، ولم يحتلوا بلادنا"!!

8. ومن الأمثلة أنه عندما كانت الإمبراطوريتان الفارسية والرومانية تقتسمان المنطقة لم تحاول إحداهما السيطرة على الجزيرة العربية، فقد كانتا تسيطران على أغنى مناطق العالم وأكثرها رقيا وتحضرا، وكانوا في غنى عن السيطرة على بحار من الرمال، ولحماية مناطق نفوذهما من غارات البدو فإن كلا منهما أقامت كيانا عربيا عميلا كعازل Buffer، أي كدولة حدودية Border state، والكيانان هما دولة المناذرة، ودولة الغساسنة، أما سيطرة الفرس على اليمن فقد كانت بدعوة من اليمنيين أنفسهم لطرد الغزاة الأحباش من بلادهم.

9. هذه الإمبراطوريات لم تحتل بالطبع كيانات لم يكن لها أي وجود ككيانات سياسية إلا من بعد أن صنعت لها الإمبريالية الغربية هذه الكيانات في القرن الماضي، فلا يجوز لشخص من جمهورية غانا مثلا أن يقول: "إن الرومان والعثمانيين احتلوا مصر، ولم يحتلوا غانا".

10. الجيش المصري صاحب أكبر سجل من المعارك والانتصارات بحكم أنه أقدم جيش نظامي، وقد تلقى عددا محدودا من الهزائم أمام إمبراطوريات كبرى كانت هي القوى العظمى الكاسحة في وقتها مثل الفرس والرومان والعثمانيين، وكان لها أسبابها في حينها، ولكن ليس لدولة تأسست حديثا، ولم يكن لها أي جيش إلا في العصر الحديث أن تقول مثلا: "إن جيشنا لم يُهزم قط"!! الأولى أن يقول: "إن جيشنا لم يخض معركة قط"، هذه القوى المذكورة كانت القوى الكبرى في عصرها، ولكنها كانت معتدية، ومثلها في عصرها كمثل الولايات المتحدة الآن، فلا يلام من لم يستطع التصدي لها.

11. وهناك قوى عظمى ساحقة ماحقة احتلت كل البلاد في طريقها إلى مصر، مثل الصليبيين والمغول، وحاولوا احتلال مصر، ولكن مصر هزمتهم في معارك طاحنة عديدة، وطردتهم من البلاد التي احتلوها.

12. لم تكن مصر مستعمرة بريطانية مثل الهند أبدا، الإنجليز دخلوا مصر بدعوة من الحاكم الشرعي (دوليا) وبمباركة السلطان العثماني، وكانت مصر تابعة اسميا له، ولم يكن يوجد بها حاكم عام إنجليزي، بل مجرد مندوب لا يرقى إلى مرتبة سفير.

13.  مصر استقلت عن التبعية الاسمية للدولة العثمانية سنة 1914 م، واستقلت عن الحماية البريطانية عام 1922 م، وكان لها ملكها ودستورها وبرلمانها، ووجود قاعدة للإنجليز في القناة هو كوجود القواعد الأمريكية في كافة بلدان العالم ومنها اليابان وبريطانيا وألمانيا وتركيا الآن، فهذه البلدان ليست محتلة، وقد انتفعت مصر بوجود هذه القاعدة، فقد تمكن الإنجليز من دحر العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، وقد كانوا يريدون احتلال سيناء والوصول إلى القناة، وكان بعض المصريين -أعداء أنفسهم وبلادهم- يساعدونهم!!! فكل هذا لا يعني أبدًا أن مصر كانت مستعمرة إنجليزية مثل الهند أو المستعمرات في أفريقيا مثلا، إن مصر لم تكن تدفع الجزية لبريطانيا، وبريطانيا لم تقم بنهب موارد مصر مثلما كان يفعل الخلفاء الأمويون والعباسيون والعثمانيون، فقولهم هذا يُعد إهانة للشعب المصري الذي أصرّ على الاستقلال التام وإهانة لما حققه كفاح المصريين في ثورة 1919 وإهانة للكفاح القانوني لزعماء مصر وقادتها، بل يُعد إهانة لفترة ذهبية من تاريخ مصر ازدانت بكوكبة هائلة من العباقرة والمتميزين في شتى المجالات، وعندما قامت الثورة كان الوجود الإنجليزي منحصرا في قاعدة في الإسماعيلية يحاصرها المصريون ويستطيعون منع الإمدادات عنها، والجلاء الذي تحقق وكانوا يحتفلون به هو الجلاء عن هذه القاعدة سنة 1954، وليس إنهاءً لاحتلال بريطاني لمصر، وقول الثوار إن الإنجليز احتلوا مصر لمدة 70 سنة هو شرف لم يدعه الإنجليز أبدا!!! وقد كان الإنجليز في ذلك الوقت في أشد الحاجة إلى مصر للبقاء كدولة عظمى مؤثرة، وعمليا كان التعامل مع الأسد الإنجليزي العجوز أفضل لمصر من التعامل مع الأمريكان من بعد!! وقد حاربت مصر إسرائيل سنة 1948 م وقام الجيش بثورته سنة 1952 في وجود القاعدة البريطانية، ومن المعلوم الآن أن بريطانيا رفضت التدخل في الشأن المصري أثناء ثورة يوليو، باعتبارها شأنًا داخليا، وكما قلنا إن وجود نفوذ قوي لبريطانيا في مصر ووجود قاعدة لها فيها لا يعني أبدا أن مصر كانت مستعمرة مثل الهند أو غانا أو الجزائر مثلا، ولقد آثرت الهند مثلا البقاء في الكومنويلث البريطاني، وانتفع الهنود بكل مزايا ذلك.

*******

1

1.png