نظرات جديدة في المرويات

مروية 34
مَن رَأى مِنكُم مُنكَرَاً فَليُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ

الجدول

مَن رَأى مِنكُم مُنكَرَاً فَليُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ

عَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعتُ رِسُولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: مَن رَأى مِنكُم مُنكَرَاً فَليُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَستَطعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَستَطعْ فَبِقَلبِه وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمَانِ

رواها مسلم.

مروية تتعارض تماما مع دين الحق القرءاني، وهي مخالفة تمامًا لسنة الرسول في معالجة الأمور، وفيما أعطاه ربه من سلطان على الناس، كما أنها مخالفة لمنطق الأمور.

لذلك فالمروية غير صحيحة، ولا علاقة لها بالإسلام.

ولأنها مروية موضوعة فقد عمت بها البلوى، لذلك ستجد من أتباع الدين السني أحدهم وقد نصب نفسه حكما وجلادا على كل الآخرين.

*****

إن من أركان الدين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمر لا يكون باليد، وكذلك النهي، لا يكون باليد.

قال تعالى:

{ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين} [النحل:125]

{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرين} [النحل:126]

{وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُون} [النحل:127]

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون} [المائدة:105]

{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم} [البقرة:256]

{فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين} [المائدة:13]

وإذا لم يستطع شخصٌ ما تغيير منكر رآه بالقوة، فكيف سيجدي لسانه؟ أم كيف سيغيره بقلبه؟ هل الإنكار القلبي سيغير المنكر الذي عجز عن تغييره بالقوة؟

والترتيب المنطقي للأمر هو أن من لديه القدرة على تمييز الأمور وإحقاق الحق، فإنه إن رأى منكرا سينكره بقلبه، ثم سيبدأ في النهي عنه بالقول والموعظة، فإذا لم يُجد ذلك، وكان بيده السلطة، فإنه سيغير هذا المنكر بالقوة.

فاللجوء إلى القوة يكون دائمًا آخر الحلول، وليس أولها، حتى وإن كانت في وسع الإنسان.

أما كل الشراح فلم يشرحوا المروية، وإنما شرحوا كلامهم هم عنها.

ومن ذلك أن يجعلوا كل جملة تنطبق على طائفة خاصة بعينها، كأن يقولوا "التغيير باليد" لولاة الأمر.

المروية تتحدث عن شخصٍ واحد بعينه، هو أي شخص، ولا تقسم الناس درجات.

وكراهة المنكر بالقلب لن تغيره في الواقع الخارجي، كما أن من عجز عن تغيير المنكر بالقوة هو أعجز من أن يغيره بلسانه.

ولا تنافي بين ما جاء في هذا المروية من الأمر بتغيير المنكر، وقول الله عزَّ وجلَّ:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون} [المائدة:105]

فإنَّ المعنى متسق مع ما جاء في القرءان:

{لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}

{إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين} [القصص:56]

{وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} [النجم:39]

فالإنسان يجب أن يبدأ بدعوة نفسه إلى الخير، ثم بعد ذلك يدعو غيره، ولن يضره رفض غيره لدعوته، ولن يضره ضلاله.

*******

1

1.png