السبب الرئيس لتخلف المحسوبين ظلمًا على الإسلام

إن السبب الرئيس لتخلف المحسوبين ظلمًا على الإسلام هو تجذر آثار المذاهب الضالة والمنحرفة والمختزلة في نفوسهم، فهم مبرمجون على مقولاتها ومنطقها ونظرتها للأمور، حتى وإن لم يعملوا بأوامرها التي اختزلوها في طقوس شكلية ومعاملات سطحية.

ولما كانت العاطفة الدينية تمسّ أعمق طبقات النفس وأشد أوتار القلوب حساسية ولما كانت المذاهب السائدة قد صيغت بحيث تمزق الكيان المسلم وتحول بينه وبين الرقي والتقدم وتحول بينه وبين الإعمال السليم لملكاته العليا فإن الكيان المسلم الذي يريد أن يتقدم سيجد نفسه في صراع مع نفسه ومع مكونات كيانه ومع أعز أحبابه، وسيجد نفسه مضطرا إلى نبذ أعز ما هو لديه أو أن يكون منافقا.

لذلك سيظل دعاة التقدم يدورون في حلقات مفرغة ولن يجديهم نفعا نبذ الدين على المستوى الجوهري والتمسك الشكلي به.

أما السبب التالي فهو أن المحسوبين ظلما على الإسلام يجعلون أنفسهم ولو بمجرد التمسك الشكلي به هدفا لكل مؤامرات شياطين الإنس والجن الساعين إلى إطفاء نور الحق والذين يتربصون شرا بالإسلام ويتوجسون منه خيفة، ويتربصون الدوائر بكل ما يمت إليه بصلة ويخافون أن يخرج من أصلاب المتمسكين شكليًّا به من يحمل بحق رايته ويجاهد لإعلاء كلمته.

إنه منذ انهيار الأمة الإسلامية وتسلط أهل البغي عليها وتفريق الدين وتمزيق الأمة والتقصير في القيام بالدعوة وبواجبات الأمة الشهيدة أصبح لدى سائر الشعوب العذر في التمسك بما ألفوا عليه آباءهم، ويصبح عذر الشعوب أقوى كلما تدهورت أحوال المحسوبين ظلما على الإسلام، ويجب العلم دائما بأن الفصل بين شتي الطوائف والملل والمذاهب مؤجل إلى يوم القيامة.

*******

من أسباب انهيار المحسوبين على الإسلام هو تحريف واختزال الدين بحيث يظن المسلم أنه قد ضمن الجنة بمجرد ولادته لأسرة مسلمة أو بالقيام السطحي والشكلي ببعض رسوم العبادات مع إهمال كافة الأركان الدينية التي يتضمنها القرءان وخاصة الأركان الجوهرية والعمل الصالح بمعناه الحقيقي.


إنه يجب العلم بأن المصرَّ مثلا على ظلم الناس أو على أكل أموالهم بالباطل أو على الاعتداء على حقوقهم وكرامتهم أو الإفساد في الأرض هو هالك لا محالة إذ سرعان ما ستحيط به آثار أفعاله وستحول بينه وبين التوبة النصوح مهما أعطاه الكهنوت من صكوك الغفران.

*******

إنه مما لا شك فيه أن هذه الشعوب المحسوبة ظلما على الإسلام قد باءت بفشل ذريع على كافة الأصعدة منذ أن تسلط عليها أهل البغي وأئمة الظلم وساموهم سوء العذاب، ولقد فشلوا في العمل بالأوامر القرءانية المشددة فتجاهلوها، وفشلوا في إدراك الجانب الوجداني من الدين فاستنكروه واستخفوا به، واختزلوا الدين إلى أمور شكلية طقوسية لا تزكي نفسًا ولا تصلح خلقا وصاغوا الدين بحيث لا يحقق عدلا ولا يقوِّم أمرا، وإنما ليسمح للناس بالتعايش مع أشد النظم إجراما ودموية، ولقد فشلوا في الحفاظ على وحدة الدين فتفرقوا وتمزقوا هم شيعا وقوضوا ركن الحفاظ على وحدة الأمة.

ولقد فشلوا في إعداد صياغة للمعطيات الدينية تحقق للأمة وحدتها وقوتها ورقيها وتقدمها وأصبح لا هم للمتسلطين ولا لتجار الدين إلا مجرد الحفاظ على تسلطهم وعلى مكاسبهم الدنيوية الرخيصة.

ورغم أن أكثر الخلفاء العباسيين كانوا يساقون إلى مصير بشع معلوم وكانوا يعيشون تحت أقدام حرسهم الإمبراطوري الذي لم يتورع عادة عن سحقهم وسمل أعينهم وقتلهم شر قتلة والتمثيل بهم فإنهم كانوا أعجز من مجرد أن يجأروا بالشكوى أو أن يصلحوا من أمر أنفسهم، ولم يقم أي نظام تسلطي بالحد الأدنى من الواجبات تجاه من تسلط عليهم ولم يوفر لهم أدنى أسباب التقدم على أي مستوي وتركهم هملا بلا تعليم ولم يشق طرقا ولم يستصلح أرضا ولم يحافظ على ما أخذه عمن كان قبله.

أما الدويلات الإسلامية التي كانت عنوان تمزق الأمة فلم يكن لها من هم إلا الاعتداء على من جاورها من دويلات أخري بغض النظر عن دينها أو مذهبها، وبسبب هذا الجو الكئيب من الظلم والطغيان والفساد والإجرام كادت شعوب منطقة مهد الحضارة أن تنقرض؛ فهبط عدد سكان مصر، مثلا، من أكثر من 12 مليون نسمة عند الفتح العربي إلى حوالي 2.5 مليون نسمة في نهاية العصر العثماني، وقد غطت الرمال جزءا كبيرا من أراضيها الخصبة التي كانت سلة غلال الإمبراطورية الرومانية بأكملها، أما الشام ومنطقة الهلال الخصيب فقد كادت تخلو من السكان.

*******

إن النظم الشيطانية والمذاهب الكهنوتية قد تحالفت وتآمرت لمنع تحقيق المقاصد العظمى الدينية، وكان شغلها الشاغل إعداد نفوس تتسم بالخضوع والانصياع واتباع الأسلاف وعبادة الماضي أو الأيديولوجيات، ومن وسائلها تجريم وقمع إعمال الملكات وتكريس المناهج النقلية وتقديس الأسلاف والزعماء والمتسلطين وواضعي المذاهب وترسيخ النفاق.

*******