top of page

كتب أ.د. حسني المتعافي

من كتابنا رقم 116، نظرات في التاريخ العام 1، 2017، (1)

المسجد الأقصى والإسراء

الإسراء

كان المكانُ الذي يشغله المسجد الأقصى الآن قبلةَ المسلمين الأولى، فالدين عند الله واحد؛ هو الإسلام به أُرسل كل الرسل، ولقد بدأ بصورة بسيطة ثم أخذ ينمو ويكتمل مع الزمن مواكبا لتطور الإنسان وتقدمه ودافعا إليه، وكان يتخللُ ذلك نزولُ شرعةٍ ومنهاجٍ من حينٍ لآخر لإصلاح الأحوال الخاصة بالأقوام والأمم، وهذه الشرائع والمناهج من الممكن أن تتعدد.

ولكن كان التطور يمضي باتجاه الوفاء بكل ما يلزم الإنسانية الشاملة والعالمية، ولقد بدأ الإسلام رسميًا بإبراهيم عليه السلام، وبلغ في سياق اكتماله ذروة كبرى مع موسى عليه السلام، ثم ذروة مع مجمل أنبياء بني إسرائيل ثم ذروة كبرى مع المسيح عليه السلام، إلى أن آن أوان اكتمال الدينِ وتمامه، وقد حدث ذلك بالرسالة المحمدية التي تلقاها خاتم النبيين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، فبلغ الدين أوجَ كماله، وأصبح رسالة عالمية للناس كافة، وقد تضمن علوما جديدة وشرائع جديدة، ونسخ ما نسخ من الشرائع السابقة الخاصة وأبقى ما أبقى، فالمسجد الأقصى هو عنوان وحدة الدين.

فالمسجد الأقصى هو قبلة المسلمين الأولى، وهو البيت الذي كان مركز الرسالات السابقة، كما كان قبلتهم ومقر اعتكاف الأنبياء، ومحور اهتمام الأمة التي كانت تحمل الرسالة، فالدين واحد، وكان المسلمون بهذا الاعتبار يتخذون المسجد الأقصى قبلة في مكة، وبعد الهجرة مكثوا على ذلك مدة 16 شهرًا تقريبًا، وكلمة "المسجد" هي بالأصالة اسم مكان، فالعبرة بالمكان وليس بالبنيان، وهذا المكان هو الذي أسرى الله تعالى بعبده خاتمِ النبيين إليه ليلا، قال تعالى:

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الإسراء

والمراد بـ (عبده) في القرءان كلِّه إذا وردت هكذا مطلقة بدون ذكر اسم العبد هو خاتم النبيين سيدُنا محمد وحده لا غيره، فهو العبد المطلق لله تعالى، وهو العبد المحض المضاف للهوية الإلهية، قال تعالى:

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1)} الكهف، {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)} الفرقان، {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36) الزمر، {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10)} النجم، {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9)} الحديد

أما إذا كان المقصودُ غيرَه فلابد من ذكر اسمه، قال تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2)} مريم.

فالعبد المطلق المضاف إلى الهوية الإلهية هو محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه وسَلَّمَ، والله الذي أنزل على عبده الكتاب والفرقانَ والآياتِ البينات هو الذي أسرى به، وهو الذي أوحى إليه ما أوحى عندما كان قاب قوسين أو أدنى.

ومن أسمائه العَلَمية أيضًا الاسم "عَبْدُ اللَّهِ"، قال تعالى:

{وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} [الجن:19]

والرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه وسَلَّمَ قد انتقل من مكة إلى المسجد الأقصى في أورشليم (كان اسمها في ذلك الوقت إيليا اختصارا لاسمها الروماني إليا كابيتولينا) بأمر الله تعالى، والبراق هو الكائن الذي كان لازما لحماية جسده الشريف أثناء الانتقال الحقيقي إلى هناك، وفي المسجد الأقصى (المكان) أمّ النبيين في الصلاة، وفي ذلك إشارة إلى إمامته لهم وتقدمِه عليهم.

*****

قال تعالى:

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير} [الإسراء:1]

فهو سبحانه الذي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى، وهو أيضًا الذي أمر موسى بأن يسري بعباده ليلا في قوله تعالى:

{فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُون} [الدخان:23]

وفي ذلك إشارة إلى أن الإسراء هو بالأجسام الحقيقية وفي نفس الإطار الزمني الخاص بهذا الكوكب الأرضي، فالإسراء بالنبي كان حقيقيا بمثل ما كان إسراء موسى بمن اتبعه حقيقيا، والفرق مع ذلك هائل، فالذي أسرى بالنبي هو الله تعالى المقدس والمنزه والذي هو عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير، والذي أسرى ببني إسرائيل هو موسى عليه السلام.

والرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه وسَلَّمَ قد انتقل من مكة إلى المسجد الأقصى في أورشليم (كان اسمها إليا في ذلك الوقت) بأمر الله تعالى، وكان يوجد ما يحيط بجسمه حمايةً له، وهناك أَمّ النبيين في الصلاة، وفي ذلك إشارة إلى إمامته لهم وتقدمِه عليهم، فالإسراء هو رحلة ترقٍّ في عالم الملك، أي في عالم الشهادة، وهو يتضمن استيعاب كمالات الأنبياء من حيث أنهم في عالم الشهادة، والإسراء يتضمن اختزال المكان والإشارةَ إلى نسبيته، والنص على أنه كان ليلا للتأكيد على أن الإسراء كان في عالم الشهادة، فالإسراء لم يكن رحلة منامية وإنما انتقالا حقيقيا.

ويزعم الكثير من (القرءانيين) و(المجتهدين) الجدد أن آية الإسراء خاصة بموسى عليه السلام ظنا منهم بأن الإسراء يجب أن يكون واحدا في القرءان كله!!! وهم يحاولون ليّ عنق هذه الآية لتؤيد أقوالهم.

والحق هو أنه كما قيل لموسى عليه السلام: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُون} [الدخان:23].

كذلك قيل للوط عليه السلام:

{قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيب} [هود:81].

والفرق الهائل بين آية تقول إن الله سبحانه هو الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَك حَوْلَهُ لِيُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِه وبين أن يأمر أحد الأنبياء بأن يسري بالناس هربا من العبودية أو الهلاك! ولكن المشكلة هي في هؤلاء (المجتهدين) الذين أضلهم الشيطان ودفعهم إلى إنكار اية مكرمة للرسول الأعظم!!

ويقول الكثير من (القرءانيين) و(المجتهدين) الجدد إنه لم يكن هناك مسجد في وقت الإسراء لأن المسجد الأقصى بناه الأمويون!! ولذلك يجب بيان ما يلي:

1. المسجد أصلا مكان، وليس بالضرورة بناءً، فهو المكان الذي يسجد فيه الناس لربهم، والبناء القائم في المكان قد يتهدم ويُعاد بناؤه دون أن يعني ذلك انتفاء وجود المسجد، وقد حدث ذلك للكعبة نفسها عدة مرات.

2. المسجد يستمد مكانته من أنه كان المكان الذي عمل فيه أنبياء بني إسرائيل؛ وهي الأمة الحاملة للرسالة قبل الأمة المحمدية، ففيه مثلا اعتكف زكريا ومريم ودخله المسيح عليهم السلام.

3. الأمويون بنوا المسجد في هذا المكان لعلم الناس بأنه هو المسجد الأقصى المقصود في الآية، وقد اهتم المسلمون بأمره بمجرد فتح أورشليم-القدس، والذي بدأ البناء في المكان المعلوم هو عمر بن الخطاب وليس الأمويين، وكون الأمويين حاولوا استثمار الموضوع لصالحهم ليس بحجة ضد المسجد الأقصى، كما أن إعادة الأمويين بناء الكعبة بعد أن دمرها جيشهم بقيادة الحجاج الثقفي ليس بحجة ضد الكعبة!

4. ويقول بعضهم: "وأين آثار الهيكل الذي بناه سليمان؟"، والجواب هو: "وأين ما عمله له الجن من مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ؟" إن أمر سليمان عليه السلام كله خارج نطاق المألوف، واختفاء آثاره وآثار الأنبياء كان لأن الله تعالى أراد أن يكون أمرهم غيبا عن الناس ليكون مجالا للإيمان، ومن المضحك أن يقول أحدهم إنه لن يؤمن بالنبي سليمان مثلا إلا إذا ثبت وجوده تاريخيا بالوثائق والأدلة الساطعة!!! ومع ذلك فمن يستطيع أن يجزم بأن كل آثار العالم القديم قد بقيت؟ ومن يستطيع أن يجزم أن كل ما بقي قد اكتشف كله؟

*****

والإسراء هو تجول وسفر وانتقال واعٍ حقيقي للنفس الإنسانية الحقيقية في أقطار الأرض وفي عالم الشهادة وهي في حال يقظتها وتمام وعيها لترى أيضا من آيات الله الكبرى، والأهم في هذا الأمر هو النفس بالطبع، ولا توجد مشكلة في أن تكون مصحوبة بالجسم، فكل هذه الأمور داخلة في مجال القدرة الإلهية، وهي لا تمثل أي خرق للقوانين والسنن، وإنما هي خرق للمألوف فقط، وهي مترتبة على إعمال أنساق أعلى منها، ويجب أن يعلم الناس أن الله تعالى يعيد خلق كل إنسانٍ مع الزمن، ولا مشكلة عنده في أن يعيد خلقه في مكانٍ آخر!

أما المعراج فهو صعود وتجوال حقيقي وسفر وانتقال للنفس الإنسانية الحقيقية، وهي الكيان الإنساني الجوهري، في أقطار السماوات وما فوقها وهي في حالة يقظتها وتمام وعيها لترى من آيات الله الكبرى.

ويجب العلم بأن السماوات هي عوالم حقيقية متدرجة في اللطافة والنوعية ونسق القوانين الحاكم عليها، وأنها تختلف عن الأجرام السماوية التي تشكل السماء الدنيا، والمعراج في هذه السماوات اللطيفة إلى الله تعالى لا يعني أبدا أي انتقال مادي، ولا يجوز أن يتصور الناس أن المعراج في السماوات إلى الله تعالى بمثابة رحلة فضائية، وهذا التصور المادي خاطئ ومضلل وتشبيهي.

والإسراء والمعراج هما قطبا حلقة رقي وعلو وتسامي أي نبي، لذلك فهما يتبادلان التأثير المؤدي إلى هذا التسامي والرقي.

*****

الإسراء هو رحلة ترقٍّ في عالم الملك، أي في عالم الشهادة، وهو يتضمن استيعاب كمالات الأنبياء من حيث أنهم في عالم الشهادة، والإسراء يتضمن اختزال المكان والإشارةَ إلى نسبيته، والنص على أنه كان ليلا للتأكيد على أن الإسراء كان في عالم الشهادة، والإسراء يكون بالإنسان حال كونه ذا جسم، وفي حياته هذه، قال تعالى لموسى عليه السلام: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُون} [الدخان:23]، وكذلك قيل للوط عليه السلام: {قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيب} [هود:81]

فالإسراء لم يكن رحلة منامية وإنما انتقالا حقيقيا، والقول إلى المسجد الأقصى يعني تماما المكان الذي كان فيه المسجد وليس بالضرورة البنيان، فكلمة "مسجد" في اللسان العربي هي بالأصالة اسم مكان مشتق للدلالة على مكان وقوع الفعل مثله مثل: منزل، مجلس، مجرى، مسعى .... الخ.

أما المعراج فهو صعود وتجوال حقيقي وسفر وانتقال للنفس الإنسانية الحقيقية في أقطار السماوات وما فوقها وهي في حالة يقظتها وتمام وعيها، ولابد لأول معراج أن يكون مسبوقا بالإسراء، والإسراء هو تجول وسفر وانتقال واعٍ حقيقي للنفس الإنسانية الحقيقية في أقطار الأرض وفي عالم الشهادة وهي في حال يقظتها وتمام وعيها، وهو يعبر أيضاً عن اكتمال الكيان الإنساني الظاهري واكتمال الاستعداد لبدء المعراج.

ولقد قصّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ على الناس كيف ارتقى رقيا سريعا حتى تجاوز كل المقامات والدرجات ووصل إلى المرتبة الأعلى فكان الآية الكبرى، ورأى الآية الكبرى، فرووا عنه ما استوعبوه، وظل الرواة يتناقلون شفاهيا ما رُوى عبر عشرات السنين قبل عصر التدوين، فمروية المعراج تشير إلى أصل صحيح، فلابد للنفس بعد ظهورها وبسعيها إلى ربها من الترقي من مرتبة أولية إلى مرتبة نهائية، ولابد من عمل في عالم الشهادة للوصول إلى العبودية القصوى والمرتبة العليا، ولابد من تحقق لطائف النفس بكمالاتها ومن تذوقها لمقامات من جُعلوا أئمة كل عالم لطيف، ولابد لخاتم النبيين من تجاوز كل العوالم اللطيفة والانفراد برب العالمين.

والترقي مفتوح إلى ما لا نهاية، والمقصود بالمرتبة النهائية في الرسالة هي نهاية ما يصل إليه الإنسان في حياته الدنيا.

فلقاء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ بالأنبياء واحدا تلو الآخر ولقاؤه بكل نبي في سماء من السماوات هو إشارة إلى تحققه في حال كونه في عالم الشهادة بمراتبهم وتجاوزه لدرجاتهم، هذا مع كون كل واحد منهم وصل إلى ذروة كمالٍ معين، وأصبح في الذروة لكل من يتطلع إلى هذا الكمال ممن يتوافق معه.

والإسراء المذكور في القرءان هو بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في المدينة المسماة بالقدس الآن، والمقصود بالمسجد هو المعبد الذي كان يتعبد فيه الأنبياء من قبل، أي المعبد الذي صلَّى فيه المسيح ومن أتى قبله من الأنبياء واعتكف فيه زكريا ونُذرت له مريم عليهم السلام، والعبرة بالمكان، ولقد هدم الأمويون الكعبة مرتين، وكان المسلمون يحجون إلى مكانها بلا حرج، وبافتراض أن الكعبة انهارت مثلا بسيل من السيول أو لأي سبب آخر الآن لما كان هناك من حرج في الحج إلى مكانها حتى يُعاد بناؤها، وهذا ما حدث بالفعل، وقد انتقل النبي ليلا من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في القدس، والعبد المطلق المنسوب إلى الهوية الإلهية في القرءان هو النبي الخاتم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ وليس موسى عليه السلام.

ولا يجوز الالتفات إلى أقوال المؤرخ أو بالأحرى المخرف د. الصليبي الذي قام بنفي الشرق الأوسط كله من مكانه وحشره في عسير في جنوب الحجاز في سبيل أن يجعل من كتاب اليهود صحيحا تاريخيا ولدحض أي حق للمسلمين في المسجد الأقصى ولفتح مجالات للكيان الصهيوني ليتوسع من بعد، كما لا يجوز الالتفات إلى شتى اقتراحات المهاوييس الجدد وعبيد الشهرة التي تطلع من حين لآخر بهذا الخصوص.

ومطلع سورة الإسراء يشير إلى انتقال حمل الرسالة إلى الأمة المحمدية وانتهاء دور بني إسرائيل كأمة حاملة للرسالة وإلى تواريخ خاصة ببني إسرائيل، ويتضمن أسرارا ورموزا متعلقة بمصيرهم يدركها المؤهلون لذلك، ومن مطالع السور يمكن استخلاص بعض الأسرار المتعلقة بالأمور المستقبلية، وقد استخلص أبو الحكم عبد السلام بن برجان تاريخ استعادة بيت المقدس أيام صلاح الدين من مطلع سورة الروم، وذلك قبل استعادته.

*****

أما الصخرة فهي أسطورة لا أصل لها، ولم يكن يجوز بناء قبة عليها أبدا، فلا وجود في الإسلام لأشجار أو صخور مقدسة، ولو كان تقديس الأشياء جائزا لكان من الأولى أن تُبنى القبة على طور سينين الذي شهد التجلي الإلهي وكان فيه كلام الله تعالى لموسى عليه السلام، أو تُبنى على مكانٍ عاش فيه النبي بالفعل وتلقى فيه الوحي مثل بيته أو غار حراء، ومن المعلوم أن القبة المبنية على ضريح النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ بناها سلطان مصر محمد بن قلاوون سنة 678 هـ ثم أعاد بناءها السلطان قايتباي سنة 888 هـ، ولم يفكر أحد من قبل هذا في أن يبني قبة هناك.

ولا شك أن الأرض التي تضم جسد النبي هي أقدس من صخرة يزعمون بلا أي دليل أنها المكان الذي انطلق منه دابة اسمها البراق إلى السماء!!!! ولا يوجد أي نص قرءاني يشير إلى أهمية خاصة للصخرة، وقولهم بأنها كانت منصة انطلاق البراق إلى السماء بحكم أنها أعلى نقطة في المنطقة هو زعم مضحك، وليس للمعراج في السماوات إلى سدرة المنتهي أية دلالات مكانية، وهي لم تكن رحلة فضائية، ويجب العلم بأن البيت الذي كان يعيش فيه النبي والمكان الذي دُفن فيه أقدس من هذه الصخرة، أما اهتمام الأمويين بهذه الصخرة وإنفاقهم الأموال الهائلة لبناء قبة عليها فكان له أهدافه السياسية أساسا، وقد كان الحافز على ذلك هو إعلان عبد الله بن الزبير نفسه خليفة في الحجاز وسيطرته على المشرق الإسلامي واستفحال أمره، ومن المعلوم أن هذه القبة مصممة ليطوف الناس بها.

*****

1

عدد المنشورات : ٦٦٨

bottom of page