20

مثال يبين الفرق بين منهجنا وبين منهجهم

قال تعالى:

{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)} الإسراء

فقام الأصوليون باقتطاع الجملة "فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ" من آيتها ومن سياقها لكي يستدلوا بها على حجية القياس، فقالوا إنه بذلك يحرم شتم الوالدين أو ضربهما المسكوت عنهما قياسًا على تحريم التأفيف لهما، وقالوا إن المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، وقالوا إن القياس هنا هو قياس الأولى.

وقالوا: ((إن دلالة الدلالة هي دلالة اللفظ على تعدي حكم المنطوق به إلى مسكوت عنه لاشتراكهما في علة هي مناط الحكم، ومثال هذا قوله تعالى في شأن الوالدين: 

{فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23]،

 تدل عبارة هذا النص على نهي الولد أن يقول لوالديه 

" أُفٍّ"؛

 والعلة في هذا النهي ما في هذا القول لهما من إيذائهما وإيلامهما، وتوجد أنواع أخرى أشد إيذاء وإيلاما من التأفف كالضرب والشتم، فيبادر إلى الفهم أنهما يتناولهما النهي، وتكون محرمة بالنص الذي حرم بالتأفف، لأن المتبادر لغة من النهي عن التأفف النهي عما هو أكثر إيذاء للوالدين بالأولى، فهنا المفهوم الموافق المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق)).

وقالوا: ((المنطوق هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق، ويكون حالاً من أحواله أي هو متلقى من المنطوق به المذكور صراحة، ومثاله: قوله تعالى: 

{فلا تقل لهما أف}،

 منطوقه النهي عن التأفيف، أما بالنظر إلى السياق فهو تحريم التأفيف، وهذا الحكم هو الذي نأخذه من اللفظ أو بتعبير آخر هو الذي دل عليه اللفظ نطقا)).

وقالوا: ((دلالة الأولى (فحوى الخطاب): وهو ما كان المسكوت فيه أولى بالحكم من المنطوق، لظهور المعنى، وتنبه الذهن له عند فهم مدلول الخطاب.

ومثاله قوله تعالى في شأن الوالدين: 

{فلا تقل لهما أف}،

 فالمولى رب العزة نهى عن التأفف، أي التضجر في وجه الوالدين، وهذا ما يدل عليه منطوق الآية. وأما حكم ضربها -وهو غير المذكور في الآية- فهو أولى بالتحريم لأنه أبلغ في إيذائهما. وهو أمر مسكوت عنه.

منهجنا:

يجب أولا تحديد المسألة قيد البحث.

المسألة هي معاملة الوالدين طبقًا لدين الحق، لذلك يجب تجميع كل الآيات ذات الصلة بهذا الأمر لاستخلاص الحكم، ومن هذه الآيات:

{وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} [النساء:36]، {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون} [الأنعام:151]، {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)} الإسراء،{وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون} [العنكبوت:8]، {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير}[لقمان:14]، {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِين} [الأحقاف:15]

ومن الآيات يتبين أن الإحسان إلى الوالدين هو أمر قرءاني كبير ومشدد حتى أنه يُذكر مقترنًا مع الأمر بعبادة الله والنهي عن الشرك، وتفاصيل الإحسان إلى الوالدين وردت موزعة على الآيات طبقًا للمنهج القرءاني، وهي واضحة وبيِّنة، ولا يوجد فيها أي غموض.

فيجب أن يتجنب الإنسان أدنى شيء يؤدي إلى الإساءة إليهما أو جرح مشاعرهما، ومن ذلك الأقوال والحركات التي تتضمن ذلك، وقد ذكرت الآيات من صور الإساءة قول أفّ للوالدين أو نهرهما، وكل إنسان سيفقه بالضرورة المقصود بذلك، هل يجوز مثلا القول بأنه لا يجوز أن يقول الشخص لوالديه بلسان أجنبي Oohقياسًا على النهي عن قول أفّ؟

فالنهي عن قول أفٍّ وعن نهرهما وكذلك الأمر بالقول الكريم لهم من اللوازم المذكورة صراحة في الآية، فلا يخطر ببال العارف باللغة أنه منهي عن أن يشتم والديه قياسا على أنه منهي عن أن يقول لهما "أفّ"، وإنما لأنه مأمور بالإحسان إليهما أمرًا قضى الله تعالى به وقرنه بالأمر بعبادته وحده دلالة على أهميته الشديدة ووجوبه القوي الملزم، كما أنه منهي عن أن ينهرهما، ومأمور بأن يخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وتفاصيل كل ذلك لا تكاد تتناهى، فهل كان يحب ذكرها كلها؟ ألا يخاطب القرءان قومًا يفقهون ويعقلون؟

إنه لا يجوز لأحد اقتطاع جملة من سياقها ثم محاولة استنطاقها بما يريدون إثباته، وعلى سبيل المثال لا يجوز اقتطاع الجملة 

{فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ}

 من سياقها لإثبات حجية القياس، وذلك من الواضح والبيِّن، بل إنه يوجد فيها ضمير يعود على مذكورٍ قبلها، فلا يمكن أصلا اقتطاع الجملة من سياقها، بل إنه يجب استفتاء سياقها القريب، وهو آيات سورة الإسراء، والسياق الكبير الذي يتضمن الآيات التي تعالج نفس المسألة وتذكر شيئا عنها وكل ما هو ثابت في دين الحق من قيم وسنن.

والأمر القوي المشدد بالإحسان إلى الوالدين له تفاصيله العديدة المذكورة، وكل صور الإساءة إليهما متضمنة فيما هو مذكور، وكل إنسان يفقه جيدًا كيف يكون الإحسان والقول الكريم وخفض جناح الذل من الرحمة، وكيف يكون النهر والإساءة.

فلا حاجة هاهنا إلى قياس القياسيين ولا إلى مفاهيم الأصوليين!

ولا مجال للقياس هنا، فالحكم المطلوب مذكور صراحة ونصًّا، ومكرر بالتأكيد، وبالذكر بصيغ أخرى، ولا يجوز لأحد أن يقول هنا: "إنه لم يذكر صفعهما، فالصفع يجب تحريمه بالقياس"!!!!

وعندما يقول المعلم لتلاميذه "لا أريد أن أسمع همسا"، فإنهم سيفقهون بالضرورة ماذا يقصد بدون استعمال قياس الأولى!! ولن يقول له أحدهم كان من الأولى أن تنهانا عن الصراخ!!!

إنه من الجدير بالذكر أن (الأصوليين والفقهاء) دأبوا على اقتطاع أجزاء من الآيات ثم تحميلها بما يريدون قوله أو إثباته! فهم كما تبين في هذا المثال يأخذون بالعبارة 

{فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} 

ليستدلوا بها على حجية مفهوم القياس أو للقول بدلالة النص أو مفهوم الموافقة! هذا مع أن هذا الأمر الوارد في العبارة المقتطعة مترتب على الإحسان إلى الوالدين ومبين له، ولكن القواعد عند الأصوليين متقدمة على الأمور الدينية!

فكل ما ذكروه من أحكام مأخوذ من النص ذاته، ولا مجال للزعم بأنه مستنبط بالقياس، بل هو من معاني النصوص ذات الصلة، التي يدركها كل إنسان دون الحاجة إلى معرفة المصطلحات الأصولية، بمعنى أنه ليس مطلبًا بأن يعلم الفرق بين المنطوق وبين المفهوم ولا دلالة النصّ ... الخ.

وكل إنسان يدرك بالبداهة أن النهي عن أي قول يجرح مشاعر الوالدين يتضمن كل ما يعلمه الآخرون من أقوال بشتى الألسنة واللهجات، فهل كانوا يريدون النصّ عليها جميعا؟

وفي كل الأحوال كان يجب النظر في باقي الآية أو الآيات التي تتحدث عن نفس الأمر فقد تصرح بما يقولون إنه مسكوت عنه.

***

قلنا: الأمر بالإحسان إلى الوالدين جاء صراحة؛ أي بعبارة النص ومعناه الحرفي في نفس الآية: 

{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} [الإسراء:23]، 

ومن لوازم ذلك ما جاء في نفس الآية: 

{فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا}،

 وقد تأكد ذلك في الآية التالية:

{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء:24]

كما تأكد في القرءان في آيات أخرى:

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا ....} [البقرة:83]، {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ....} [النساء:36]، {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا .....} [الأنعام:151].

فما هي الحاجة إلى مصدر ظني لإثبات ما هو ثابت بنصوص قرءانية صريحة قوية؟!

إنه من الجدير بالذكر أن الأصوليين قد دأبوا على اقتطاع أجزاء من الآيات ثم تحميلها بما يريدون قوله أو إثباته! فهم مثلا يأخذون بالعبارة {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} ليستدلوا بها على حجية القياس أو للقول بدلالة النص أو مفهوم الموافقة! هذا مع أن هذا الأمر مترتب على الإحسان إلى الوالدين ومبين له، ولكن القواعد عند الأصوليين مقدمة على الأمور الدينية!

وبعد هذا الاستقطاع يستعملون الجزء المقتطع من سياقه لاستنتاج ما هو أصلًا منصوص عليه في السياق القريب، وكذلك في السياق المعنوي والسياق القرءاني الكلي.

فهم يقولون إن هذه العبارة بمنطوقها تحرم قول "أف" للوالدين! أما بمفهوم الموافقة والأولى فتحرم ضربهما وشتمهما!!

وهذا الكلام لا يرقى إلى المستوى اللائق للتعامل مع القرءان.

أما وفقًا لدين الحق فباستقراء القرءان يتبين أنه يوجد أمر قرءاني خاصّ بأسلوب معاملة الوالدين، وقد وردت تفاصيله موزعة على الآيات، ومنها آيتا الإسراء، والنهي عن قول "أفّ" للوالدين ليس إلا تفصيلا وأسلوبًا بلاغيا للنهي عن أي نهرٍ لهما، وذلك بدوره من لوازم وتفاصيل الأمر العام بالإحسان إليهما.

فلا حاجة إلى استعمال تعريفات وأساليب الأصوليين لاستنتاج ما هو منصوص عليه بالنص المباشر الصريح.

والمشكلة هي أنهم لا يريدون أن يمدوا بصرهم ولو قليلا إلى العبارة التي ورد هذا النهي في سياقها، وما يسمونه بالأمر المسكوت عنه إنما هو من تفاصيل عديدة لما يحيط بهذه العبارة من أمرٍ بالإحسان إلى الوالدين ونهيٍ عن نهرهما وأمرٍ بخفض جناح الذل من الرحمة لهما.

*******

عدد المنشورات الفرعية : 63

عدد المنشورات : 418