48

شروط الأخذ بمفهوم المخالفة1

وضع بعضهم شروطًا تمنع الأخذ بمفهوم المخالفة، هذه الشروط لا ضرورة لها، فلا يوجد أصلًا في الدين أصلٌ للتشريع اسمه مفهوم المخالفة، ولكن لا بأس من النظر فيها لحسم أمر هذه الآلية.

وهذه الشروط التي ذكروها كلها ترجع إلى شرط واحد وهو ألا يظهر لتخصيص المذكور بالذكر فائدة سوى اختصاصه بالحكم عما لم يشاركه في الصفة المذكورة.

الشرط الأول

ألا يوجد في المسكوت عنه المراد إعطاؤه حكما، دليل خاص يدل على حكمه.

أمثلة:

قال تعالى: 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيم} [البقرة:178].

تدل هذه الآية بمنطوقها على جواز قتل الأنثى بالأنثى، وتدل بمفهومها المخالف على عدم جواز قتل الذكر بالأنثى، لكن هذا المفهوم متروك، لورود نص خاص يدل على وجوب القصاص بين الرجل والمرأة، والنفس بالنفس بمقتضى العدل، فهنا مفهوم المخالفة لا يتحقق بحال.

وإقحام مفهوم المخالفة هنا لنفي تطبيقه هو مثال أنموذجي لافتعال مشكلة بلا مبرر، ثم الانشغال بنفيها.

قال تعالى:

{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا} [النساء:101]

الآية تدل بمنطوقها على جواز القصر في حال الخوف، وتدل بمفهومها المخالف على عدم القصر في حال الأمن، لكنهم اتفقوا على أن هذه المخالفة لا تصح بأي حال، فقد دل دليل خاص منسوبٌ إلى الرسول على جواز القصر في حال الأمن أيضا.

وهذا مثال آخر لافتعال مشكلة ثم الانشغال بنفيها، والسفر شيء، والضرب في أرض مهددة بالأعداء شيء آخر، والحكم في مسألة خاصة لا يلغي الحكم في مسألة خاصة أخرى، وحكم العبادات في السفر هو التخفيف ورفع الحرج، ومن المعلوم أن العبادات العملية كان منوطًا بالرسول التصرف في بعض أمورها بإذن ربه وعملا بالقرءان ومنهجه، ومن المعلوم مثلا من القرءان أنه لا صيام على المسافر، وهذا هو الذي بينه الرسول بقوله: "ليس من البرّ الصوم في السفر".

الشرط الثاني

ألا يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المذكور أو مساويا له، فإن كان كذلك فإنه يكون من مفهوم الموافقة ويثبت للمسكوت حكم المنطوق من باب أولى.

مثال:

قال تعالى: 

{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء:10]

قالوا: ((تدل الآية بمنطوقها على حرمة أكل مال اليتيم، وتدل بمخالفها على أن غير الأكل، من التقصير في الحفظ والإحراق، لا يكون محرما؛ وذلك عملا بمفهوم القيد)).

في الحقيقة الآية لا تحرم الأكل من مال اليتيم، ولكنها تحرم أكلها ظلما، ولكن المولعين باختلاق أحكام في عجلة من أمرهم.

وهذا مثال آخر لافتعال ما لا علاقة له بالمسألة ثم الانشغال بنفيه، وهم لا يدركون حتى المنطق الذي بني عليه مفهوم المخالفة، وباختصار فالمخالف للأكل ظلما هو الأكل بالمعروف، والامتناع عن الأكل مطلقا يتضمنه.

وحكم التصرف في مال اليتيم موجود في نص محكم، ولا حاجة إلى مفهوم مخالفة ليقرر فيه شيئا، قال تعالى:

{وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولا} [الإسراء:34]

ولا يوجد من يقول إن تحريم أكل مال اليتيم يعني إحراق هذا المال لأن الإحراق غير الأكل!!!! والنهي عن الاقتراب من مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ هو نهي عن الاقتراب من مَالَ الْيَتِيمِ بِالَّتِي هِيَ أَسوأ، وبالطبع لا يوجد أسوأ من إبادة مال اليتيم.

فلا حاجة لمفهوم المخالفة لإثبات ذلك، ولكنه الولع بالإحداث في الدين ومضاعفة حجم القواعد إلى المدى الأقصى.

قال تعالى:

{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء92] 

قالوا فإن قتله عمدا وجبت الكفارة من باب أولى، وهذا ليس صحيحا عند الأكثر؛ لأن الكفارة تطهير للمكلف، والقتل العمد لا تطهره الكفارة لأنه جرم عظيم لا يطهره إلا القود، ولذا لم تجب فيه كفارة.

وأظهر من هذا أن يمثل بقوله تعالى: 

{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء31]،

 فلا يفهم منه جواز قتلهم من دون خشية الفقر؛ لأنه إذا حرم قتلهم مع خوف الفقر والعجز عن نفقاتهم فتحريم قتلهم مع القدرة على نفقاتهم أولى بالتحريم.

وهم هنا كفوا الناس شرّ مفهوم المخالفة.

الشرط الثالث

ألا يكون القيد الذي قيد به الحكم في المنطوق قد جاء لبيان الأعم الأغلب.

قال تعالى:

{.... فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُون} [البقرة:229].

قالوا: ((يبدو من مفهوم المخالفة أن الخلع لا يجوز عند عدم الخوف، وذلك لأن الخلع إنما يكون عند خوف ألا يقوم كل من الزوجين بأمر الله، فتفتدي الزوجة نفسها بمال تعطيه للزوج نظير تطليقها. لكن هذا الشرط خرج مخرج الغالب والعادة الغالبة)).

في الحقيقة الشرط يكون متحققا، والدليل هو استعداد الزوجة لتفتدي نفسها بالمال، فلا يمكن أن تتحقق الحدود الخاصة بالعلاقة الزوجية (الأوامر والنواهي، والمودة والتراحم) في جوٍّ كهذا.

الشرط الرابع

ألا يكون للقيد الذي قُيد به النص فائدة أخرى غير إثبات خلاف حكم المنطوق للمسكوت. وذلك كالترغيب أو التفحيم، أو الامتنان، أو المبالغة .... وغير ذلك كثير.

أمثلة:

قال تعالى: 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} [آل عمران:130]،

 الأخذ بمفهوم المخالفة يعني الربا الخالي عن المضاعفة غير حرام، لكن قيد الربا المنهي عنه بأن يكون أضعافا مضاعفة جاء للتنفير منه وحكاية لواقع حال الجاهلية.

كلامهم غير صحيح، وليس عليه أي دليل أو برهان، بل إن مضاعفة الدين على الدين هي من مواصفات الربا المحرم، فالربا المحرم هو الذي يؤدي إلى مضاعفة الدين على المقترض مقابل الإنظار لمدة جديدة.

وكان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم - مثلا - إلى أجل، فإذا حل الأجل ولم يكن المدين واجدا لذلك المال قال زدني في المال حتى أزيد في الأجل، فربما جعله مائتين، ثم إذا حل الأجل الثاني فعل مثل ذلك ثم إلى آجال كثيرة، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها، وكان الأمر يصل إلى استرقاق المدين مقابل الدين الذي سيعجز بالضرورة عن سداده، والأمر الذي قدمه القرءان كبديل عن هذا النظام الجائر أن يسترد الدائن رأسماله الحقيقي، ونظام القرض الحسن والإنفاق في سبيل الله وفكّ الرقاب.

ومفهوم المخالفة هنا لا يقرر شيئا.

قال تعالى:

{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ ....} [البقرة:197]

وأهميته الاهتمام بالأمر والتنبيه على مرتبته، وليس معنى ذلك أن الفسوق منهي عنه في وقت الحج فقط، بل في كل زمان ومكان.

وهذا يثبت أيضًا أنه لا جدوى من مفهوم المخالفة، وأنه يجب بالأحرى الاهتمام بما ذكره النصّ وعدم الانشغال بما لم يذكره.

وغيرها من الشروط كثيرة؛ ألا يكون القيد قد جاء جوابا لسؤال أو في معرض المعالجة لحالة خاصة، وأن يكون القيد مذكورا استقلالا لا تبعًا لشيء آخر، .... الخ

وقد حاولوا اختصار هذه الشروط في؛ ألا يعارض هذا المفهوم منطوقا، وهذا يثبت أنهم وجدوا اختلافًا كثيرًا عندما حاولوا إعمال مفهوم المخالفة، ولو اتبعوا المنهج القرءاني لما وجدوا أصلًا أي اختلاف، فهو مستبعد من الأساس.

ويغني عن كل شروطهم اتباع المنهج القرءاني، وهو ينظر مباشرة وبالأصالة إلى النص القرءاني، ويقدمه تقديما، ويأخذ في الاعتبار منظومة سمات الدين، ومنها وضع الإصر والأغلال عن كاهل الناس والاقتصاد في الأحكام القانونية والنظر إلى مقاصد الدين العظمى. ومنظومات قيمه وسننه.

*****

أما الشرح التفصيلي لهذه القاعدة فيقتضى بيان أنواع مفهوم المخالفة، لأن هذا المفهوم يتنوع بحسب القيد الذي قيد به منطوق النص إلى أنواع منها:

1. مفهوم الحصر

مفهوم الحصْر، وهو تقْييد الحكم وحَصرُه بـ (ما وإلا)، أو (إنما)، نحو: ما قام إلا زيد، وإنما القائم زيدٌ، وأقوى صيغ الحصْر: النفي والإثبات، نحو: (لا إله إلا الله).

معنى "لا إله إلا الله" واضح وظاهر، والنصّ ينفي نفي الإلهية عن غير الله بذاته، دون حاجة إلى مفهوم المخالفة.

ومثل قول الرسول: "إنما الربا في النسيئة"، فهذه العبارة تدل على ثبوت حكم للمنطوق، وعلى نفي هذا الحكم عما عداه.

والحق أن الحكمين ثابتان بالمنطوق، فأدوات الحصر موضوعة للإثبات والنفي معا، وقد يكون المقصود بها التأكيد، فقوله تعالى لرسوله: 

{إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِير} [فاطر:23] 

إنما يقصد تأكيد أهمية هذه المهمة، وخاصة بالنسبة لما يريد السياق تبيينه، ولذلك ذكر في الآية التالية في السياق مهام أخرى: 

{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِير} [فاطر:24].

والمقصود أيضًا تطييب خاطره، فهو كان يتمنى أن يؤمنوا جميعًا بالحق الذي جاء به، وأن يهتدوا، ولكنهم كذبوه، فهذا التكذيب إنما يدل على تردي أحوالهم، ولا يمسه هو في شيء، فالآيات تبين حقيقة الأمر، قال تعالى: 

{وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (25) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (26)} فاطر.

أما "الربا" فتوضحه وتبينه الآيات التي ورد ذكره فيها طبقًا للمنهج القرءاني.

والقول المنسوب للرسول يؤكد المفهوم القرءاني للربا المحرم.

أنواع مفهوم الحصر:

أقواها: مفهوم المخالفة الناتج عن النفي والاستثناء؛ (ما) و(إلا)، ومثاله:

ما قام إلا زيد، ففيه ثبوت القيام لزيد ونفيه عن غيره، لا عالم في البلد إلا زيد، ففيه ثبوت العلم لزيد ونفيه عن غيره.

لا مبرر لإقحام مفهوم المخالفة هاهنا، ومثل هذا الكلام لا يصلح لإثبات أصل شرعي تترتب عليه أحكام دينية، وأسلوب الحصر هذا يقصد إلى النص على حقائق بطريقة تأكيدية.

ثانيها: الحصر بـ(إنما): وهو قريب مما قبله في القوة، ومثاله:

إنما زيد قائم، فمنطوقه إثبات القيام لزيد وحصره فيه، ومفهومه نفي القيام عن غير زيد.

لا مبرر لإقحام مفهوم المخالفة هاهنا، ومثل هذا الكلام لا يصلح لإثبات أصل شرعي تترتب عليه أحكام دينية، وأسلوب الحصر هذا يقصد إلى النص على حقائق بطريقة تأكيدية.

ثالثها: حصر المبتدأ في الخبر، حيث يقدم الوصف على الموصوف الخاص خبراً له، وذلك بأن يكون معرفاً باللام أو الإضافة. ومثاله:

العالم زيد وصديقي عمرو، المقصود يدل على نفي العلم عن غير زيد، ونفي الصداقة عن غير عمرو.

لا مبرر لإقحام مفهوم المخالفة هاهنا، ومثل هذا الكلام لا يصلح لإثبات أصل شرعي تترتب عليه أحكام دينية، وأسلوب الحصر هذا يقصد إلى النص على حقائق بطريقة تأكيدية.

*****

2. مفهوم الصفة

مفهوم الصفة أو الوصف هو ثبوت نقيض الحكم المقيد بصفة لمن انتفت عنه هذه الصفة، أي هو تعليق الحكم على الذات بأحد الأوصاف، أو أن يدلَّ تقييد حكم المَنطوق بوصفٍ على ثبوت نقيضه عند انتِفاء ذلك الوصف، والمراد بالصفة عند الأصوليين تقييد لفظ مشترك المعنى بلفظ آخر يختص ببعض معانيه ليس بشرط ولا غاية، ويقصدون بالصفة: ما هو أعم من النعت عند النحاة، فهي تشمل النعت، والحال، والجار والمجرور، والظرف، والتمييز.

ومعلوم عند العرب أن الشيء إذا كان له وصفان فوصف بأحدهما دون الآخر كان المراد به ما فيه تلك الصفة دون الآخر، فالصفة المرادة هي مطلق التقييد بلفظ آخر، ليس بشرط ولا عدد ولا غاية.

قال تعالى: 

{وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون} [البقرة:280].

يقولون: ((هذه الآية تدل بمنطوقها الظاهر على أن المدين المعسر الذي لا قدرة له على أداء الدين، ينبغي إمهاله حتى يوسر ويتمكن من أداء ما عليه، وتدل بمفهوم المخالفة على أن المدين الموسر ليس حكمه كذلك، وإنما تجوز مطالبته بما ثبت في ذمته من دين)).

لا حاجة لمفهوم المخالفة لإثبات حق الدائن في المطالبة بحقه، فحق الإنسان في ماله ثابت بما هو أقوى من ذلك.

وقال تعالى في بيان المحرمات: 

{وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ....} [النساء:25]،

 وصف الفتيات المحللات بالمؤمنات يفهم منه حرمة نكاح الفتيات الكافرات.

دلت هذه الآية بمنطوقها على أن المسلم الذي لا طول له، أي الذي لا يملك القدرة على الزواج بالحرائر، يباح له الزواج بالإماء المؤمنات، ودلت بمفهوم المخالفة على أنه لا يجوز للمسلم الزواج في حال عدم القدرة بالإماء الكافرات، والقيد هنا هو وصف الإيمان: أي إباحة الزواج بالإماء المؤمنات عند عدم القدرة على زواج الحرائر.

هل يشترط لمن أراد نكاح الأمة أن تكون مؤمنة؟

اختلفوا في ذلك، وخلافهم مبني على الخلاف في حجية مفهوم الصفة الوارد في قوله تعالى: 

{مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء25]،

 فذهب الجمهور إلى اشتراط إيمان الأمة أخذًا بمفهوم الصفة المتقدم، فقوله من فتياتكم المؤمنات، يدل بمفهوم المخالفة أن غير المؤمنة لا يجوز نكاحها.

وذهب الحنفية إلى جواز نكاح الأمة الكتابية، وقالوا: النص على المؤمنة لا يدل على نفي الحكم عما عداها، وإنما يدل على أن ما عداها يطلب حكمها من دليل آخر، فالآية بينت حكم من لم يستطع مهر الحرة وسكتت عن المستطيع، فيطلب حكم نكاحه من دليل آخر، والدليل في عموم قوله تعالى: 

{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء3] 

والأمَةُ من النساء.

وكذلك الدليل يدل على التفريق بين الكتابيات وغيرهن من الكافرات في قوله تعالى: 

{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المائدة5]،

 فالكتابية يجوز نكاحها سواء أكانت حرة أم أمة بخلاف بقية الكفار.

قولنا

كلام الحنفية الآتي صحيح بصفة عامة، وهو يتضمن رفضًا لمفهوم المخالفة.

((فالآية بينت حكم من لم يستطع مهر الحرة وسكتت عن المستطيع، فيطلب حكم نكاحه من دليل آخر، والدليل في عموم قوله تعالى: 

{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء3]

 والأمَةُ من النساء.

وكذلك الدليل يدل على التفريق بين الكتابيات وغيرهن من الكافرات في قوله تعالى: 

{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المائدة5]،

 فالكتابية يجوز نكاحها سواء أكانت حرة أم أمة بخلاف بقية الكفار))

ونضيف:

الأصل في الفروج الحرمة، والآية تجعل نكاح الفتيات المؤمنات حلالا.

أما مسألة نكاح الفتيات الكافرات فهناك نهي صريح عنه بدون حاجة إلى مفهوم مخالفة، ورد في قوله تعالى: 

{.... وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم} [الممتحنة:10].

ولكن يبقى هاهنا تعريف "الفتيات الكافرات"، فالوصف كافر لا يعني مجرد اسم الفاعل من الفعل "كفر"، فلا يوجد إنسان إلا وينطبق عليه هذا الوصف بالنسبة لمسألة أو أمرٍ ما، ولكن العبرة هي في تعريف "الكافر" طبقًا لدين الحقّ، فالكافر اصطلاحًا هو من كفر به جملة وتفصيلا عمدًا مع سبق الإصرار بعد أن بلغه البلاغ المبين.

فالكافر بالاصطلاح الشرعي لا يعني مجرد من لم يكن مسلما، ولا يعني من أنكر ما يسمونه معلومًا من الدين بالضرورة.

وينطبق مصطلح كافر بالضرورة على من ينكر أمرًا كبيرا من إيمانيات دين الحق ويصر على ذلك، فهو ينطبق على من كفر بالله وباليوم الآخر، فالكفر بالله وباليوم الآخر هو الكفر الغليظ بعد البلاغ المبين، وهو المقترن بأفعال تصدقه، ولا يجوز لمسلم أن ينكح كافرة متصفة بمثل هذا الكفر، وبالطبع لا يجوز الزواج من نساء هم من كيان يتصف بذلك ويناصب أمة المؤمنين العداء.

***

قالوا إن قوله تعالى 

{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ .....} [البقرة:197]

 يدلُّ بمفهوم المخالفة على أنه لا يصحُّ الإحرام بالحج في غير الأشهُر المعلومات.

والحقّ أن الحكم واضح من الآية، ولا حاجة إلى مفهوم المخالفة فمن أركان الحج أن يكون في أشهر معينة، ومن أخلّ بهذا الركن لا يكون قد أدى الأمر، هل لابد من استعمال مفهوم المخالفة لتحصيل ما هو حاصل؟!

ولماذا لم يستعملوا مفهوم المخالفة لإثبات أنه لا يصح صيام شهر رمضان في غير شهر رمضان؟! إن ولاء الأصوليين لقواعدهم كان أقوى من ولائهم للإسلام.

عدد المنشورات الفرعية : 65

عدد المنشورات : 457