بطلان عقيدة البداء الشيعية 2

بطلان عقيدة البداء الشيعية 2


أحد الشيعة نفى عن البداء ما يسميه بالمفهوم الخاطئ، وهو أن يغير الله تعالى قوله أو حكمه بعد أن يبدو له ما يدفعه إلى ذلك، وهذا البداء باطل بالفعل، ولا يتفق مع منظومة أسماء الله الحسنى، ثم قدم المفهوم الصحيح في نظره عن عقيدة البداء، فقال:

"الصحيح في ذلك أن نقول كما قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب). ومعنى ذلك أنه تعالى قد يظهر شيئا على لسان نبيه أو وليه أو في ظاهر الحال لمصلحة تقتضي ذلك الإظهار، ثم يمحوه فيكون غير ما قد ظهر أولا، مع سبق علمه تعالى بذلك، كما في قصة إسماعيل لما رأى أبوه إبراهيم أنه يذبحه، فيكون معنى قول الإمام عليه السلام أنه ما ظهر لله سبحانه أمر في شيء كما ظهر له في إسماعيل ولده إذ اخترمه قبله ليعلم الناس أنه ليس بإمام، وقد كان ظاهر الحال أنه الإمام بعده لأنه أكبر ولد، وقريب من البداء في هذا المعنى نسخ أحكام الشرائع السابقة بشريعة نبينا (ص)، بل نسخ بعض الأحكام التي جاء بها نبينا صلى الله عليه وآله وسلم."

الردّ

بداية يجب العلم بأن الله يتعالى علوا مطلقًا فوق الزمان والمكان والأكوان، وهو لا يتغير أبدًا عما هو عليه، لا تتغير أسماؤه ولا سننه، ولا يبدو له أمر لم يكن له الإحاطة التامة به من كافة جوانبه.

أما كلام الأستاذ الشيعي فهو مجرد تقرير لمفهوم البداء الذي نفاه، وهو لم ينف إلا السبب فقط عند الله تعالى، فبعد أن كان السبب في البداء الباطل عدم الإحاطة العلمية فقد جعله لمصلحة تقتضي ذلك الإظهار!! في البداء المقبول، فجعله سبحانه يدفع أحد الصالحين إلى قولٍ أو فعل، ثم يلغي ويبطل ذلك من بعد! وذلك مثلما فعل في قصة الذبيح!

والله تعالى لم يأمر -في القرءان- إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه، هذا ما زعمته التوراة المحرفة، ونقله عنهم السلف كالعادة، وإنما كانت رؤيا رآها إبراهيم عليه السلام، فلم ينتظر تأويلها، وإنما بادر بالتنفيذ، كان الأمر ابتلاءً له، أما عند الله تعالى فقد كان مكتوبًا إن إسماعيل سيعيش ويكون رسولا نبيا، ولو سأل إبراهيم ربه عن تأويل الرؤيا لأجابه بما هو عنده، ولكنه لفرط حبه لربه وتقواه بادر وشرع في تنفيذ ما ظنه أمرًا منه.

أما قصة الإمام جعفر مع ولديه فلا تصلح للاحتجاج بها كما هو معلوم، وطائفة الشيعة الاسماعيلية الفاطمية لم يأخذوا بها.

فهذا البداء باطل أيضًا.

والآية التي يحتجون بها تقوِّض البداء أصلا، فهي تنص على أن الله تعالى يتصرف بمقتضى مشيئته، وتفسيرهم يجعل المشيئة أمرًا عشوائيا! والحق أن كل المذاهب التي حلت محل الإسلام تستبطن القول بعشوائية المشيئة! أما الآية فتنص على أنه عند الله تعالى "أمّ الكتاب"؛ أي الأصل الجامع لكل ما هو مكتوب ومقرر، وعلى رأسه سنن الله تعالى التي هي مقتضيات أسمائه، فالمحو والإثبات فعلان إلهيان يتمان وفق السنن الإلهية التي هي مقتضى الأسماء الحسنى الإلهية، ولا يغيران شيئا كتبه الله أو قضى به، فهو سبحانه لا يناقض نفسه.

أما التغيير أو النسخ من شريعة لأخرى فليس بداءً، ولا مفاجآت في هذا التغيير، وإنما هو أيضًا مقتضى السنن الإلهية الكونية، وهي لا تبديل لها ولا تحويل، هذه السنن اقتضت أن تتطور البشرية، وأن يلزمها في كل طور شريعة جديدة أكمل، إلى أن اكتمل الدين.

أما تغيير بعض الأمور بالدعاء مثلا، فالدعاء نفسه طبقًا للسنن هو من وسائل رفع البلاء عن الناس، وهو من وسائل الحصول على شيءٍ مما عند الله، وهو لا يغير شيئا كتبه الله عنده.

أما تغير الأمور الجزئية وأفعال الناس فيما بينهم فلا تعني أي تغير لما هو مكتوب عند الله تعالى، فهم مهما فعلوا لن يخرجوا عن السنن الإلهية، ولن يبدلوا شيئا منها أو شيئا مما كتبه الله عليهم.

والخلاصة أن البداء مهما حاولوا تأويله يعني أن الله سبحانه يغير (رأيه) أو قوله في بعض الأمور التدبيرية والتكوينية لأي سبب من الأسباب، وهو مثل القول بوجود نسخ في القرءان والذي يعني أن الله سبحانه يبطل كلامه ويغير تشريعه القرءاني (بعد أن يعلم ما لم يكن يعلم) مهما ناوروا أو أوَّلوا، فالقول بالبداء على مستوى التدبير والتصريف والتكوين هو كالقول بالنسخ على مستوى الآيات القرءانية، وحيث أن السنة والشيعة يتفقون في القول بالنسخ بينما ينفرد الشيعة بالقول بالبداء فإن الشيعة يتفوقون في الضلال هاهنا بهدفين لهدف واحد.

وبالطبع لا معنى لجعل البداء يشمل كل ما جعله الله تعالى سننا إلهية كونية، وذلك منهم لتمرير البداء الباطل، فلا يشك مسلم في أن الله تعالى قد جعل الاستغفار سببا للمغفرة، وجعل مصير الإنسان منوطًا بإيمانه وسلامة قلبه وعمله الصالح، وجعل الدعاء سببًا للحصول على شيءٍ مما عند الله، وجعل الظلم سببا للهلاك وجعل الابتلاء سببا لإخراج ما في النفوس ولتبيين الدرجات الحقيقية ....، كل هذه سنن ثابتة، ولا علاقة لها بما يسمونه بالبداء، ولا حاجة لتسميتها بأسماء غير قرءانية.

ومما يقولون به ما يسمونه بـ(البداء في مقام الثبوت، أي تغيير المصير بالأعمال الصالحة أو الطالحة)، وقولهم هذا يتضمن أن للإنسان مصيرا قبل أن يعمل، وهذا غير صحيح، مصير الإنسان هو نتيجة مترتبة على كل أعماله التي لا تنتهي إلا عند احتضاره، أما ما قبل ذلك فهي تقديرات وتوقعات، لا تغير شيئا عند الله تعالى، فالسنن الإلهية اقتضت أن تربط مصير الإنسان في الدار الآخرة بمدى ونوعية استجاباته للأوامر الشرعية.

ونصيحة للجميع:

آمنوا بما ذكره الله تعالى عن نفسه في كتابه من الأسماء والسمات والشؤون والأفعال، ولا تحدثوا فيها ما ليس منها، فتضطرون من بعد إلى محاولة إلزام القرءان بها!

*****

أحد الشيعة كشف حقيقة البداء، فأراح، قال في تعليقه: "كفوا عن الدعاء لأنه لن يغير من تقدير الله شيئا"، هذا ما ظنَّ أنه لازم كلامنا، وضرب مثلا بقصة يونس عليه السلام!

أما كلامنا فهو: نعم، تقدير الله تعالى لن يتغير، وكان الله تعالى عالما بما سيحدث من يونس، فهو الذي اصطفاه لحمل الرسالة، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، ومن سننه سبحانه أنه جعل التسبيح سببًا للنجاة، وهذا ما أظهرته للناس قصة يونس.

ونتيجة لأن لدى الإنسان إرادة حرة واختيار، فإنه عند كل ابتلاء يتعرض له تتعين عدة احتمالات، وبالتالي يتعين لكل احتمال نتيجته أو جزاؤه، ولدى الله تعالى كل الاحتمالات والتقديرات، وهو يعلم بكل الاحتمالات الممكنة، وبما سيتحقق بالفعل، وهو في قصة يونس إنما عرض الاحتمال الذي لم يتحقق والجزاء الذي كان سيترتب عليه لو تحقق، وذلك ليحقق لعباده عدة أمور، منها: بيان أهمية التسبيح، بيان أنه لا يجوز اليأس من روح الله، بيان بأنه لا يجوز لأحد أن يظن بأن الله لا يقدر عليه، ....

فهو سبحانه لم يغير شيئا كان مقدرا عنده.

مثال:

عندما يدخل طالبٌ ما اختبارا تتعين عدة تقديرات (احتمالات) خاصة بالدرجة التي سيحصل عليها، محلّ هذه التقديرات هو الطالب نفسه، الملائكة الموكلة به، المعلم، فهي موزعة عليهم، وهناك تقدير عند الله تعالى، هو الذي سيتحقق بالفعل دون جبرٍ أو إكراه.

فالحقيقة هي أن الله تعالى قد جعل حساب الإنسان ومصير الإنسان معلقين بما يصدر عنه بالفعل، وليس بما قدره له، رغم تطابق الأمرين، فهو كان يعلم أن يونس عليه السلام سيسبِّح، وسينجيه بسبب ذلك، فهو سبحانه لم يُفاجأ بشيء، ولم يبدوُ له ما لم يكن في تقديره.

المشكلة هي أن الناس لا تفقه معنى التقدير!

*******

المسلم لا ييأس من روح الله لعلمه وإيمانه بأسمائه الحسنى وسماته وأفعاله المذكورة في القرءان، وليس لأنه يؤمن بالبداء، ولا جدوى من فرض عقائد موهمة مشكلة على الناس ثم القول بأنه "ما عُظِّم الله بمثل البداء"! "لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه"، "ما بعث الله نبيا إلا بتحريم الخمر أولا، وأن يقر لله بالبداء ثانيا"، فكل ذلك من الغلو في سياق التصدي للمنكرين وإرهاب التابعين.

*******

المبدأ الأساسي لمصادر الدين في دين الحق هو: القرءان هو المصدر الأوحد لأمور الدين الكبرى والمصدر الأعلى لأموره الثانوية، وله الهيمنة المطلقة على كل مصادر الدين الأخرى، والمصطلحات الدينية من أمور الدين الكبرى، لذلك فمصدرها الأوحد هو القرءان الكريم.

وكل المذاهب التي حلت محلّ الإسلام قائمة على إحداث مصطلحات دينية والتهويل من شأنها، وإلزام القرءان ثم الناس بها، ولي عنق آيات القرءان لتقول بها.

والقرءان قد يضفي على كلمة لغوية معنى اصطلاحيا، هذا المعنى يكون له علاقة بالمعنى الأصلي للكلمة.

وليس من حق أحد أن يحدث اصطلاحًا بأن يأخذ كلمة لغوية لها معناها المعلوم، ثم يطلقها على مجموعة من الأمور التي لا علاقة لها بها ليمرر معاني يريدها هو.

مثال: كلمة "البداء"، فعلها "بدا" بمعنى "ظهر"، فهو ظهور شيء بعد خفاء، وظهور رأي آخر، واستصواب شيء عُلم بعد أَن لم يَعْلم

والقول بدا له بَداءٌ يعني ظهر له رأْيٌ آخر.

هذه هي المعاني اللغوية لكلمة بداء، ولها معانٍ أخرى مرتبطة بالمعاني المذكورة، فكل هذه المعاني لا يجوز إطلاقها على رب العالمين، ولكن هذا هو المعنى الذي يريدون إلزام الناس به، فأخذوه وأطلقوه على أمور أخرى منها:

إجابة الدعاء، اعتماد مصير الإنسان على أعماله الاختيارية، ارتباط بعض النتائج بأسبابها طبقًا للسنن الإلهية، ذكر القرءان لبعض أسباب النتائج.

وهم جعلوا التقدير الإلهي تابعًا لأفعال الناس، وكذلك جعلوا ما يُكتب عند الله تابعًا لأفعال الناس.

وهكذا جعلوا الله تعالى يقدر أمرًا، ثم يصدر فعلُ من الإنسان يجعله يمحو التقدير الأول ويقدر آخر.

والحق هو أن التقدير المكتوب عند الله هو الحق المطلق، وهو لا يتغير، ولكنه منزه عن الأمور الزمنية، أما الذي يمكن أن يتغير فهو ما لدى من هم من دونه من التقدير.

*******

من كلامهم:

((ما يقصده الشيعة بالبداء

الظهور والإبانة، ومنه قوله تعالى: " وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ". وقوله: " وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا " قال الشيخ المفيد في رسالته التي شرح فيها رسالة الصدوق في الاعتقادات: والأصل في البداء هو الظهور، قال تعالى في سورة الزمر: " وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ " أي ظهر لهم من أفعال الله ما لم يكن في حسابهم وتقديرهم، وقال في السورة المذكورة: " وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم"، أي ظهر لهم جزاء كسبهم وبان لهم.

وأضاف إلى ذلك ان العرب تقول: قد بدا لفلان عمل حسن، وكلام فصيح، كما يقولون بدا من فلان، فتكون اللام بمعنى من وقائمة مقامها، والمعنى في قول الإمامية بدا لله كذا أي ظهر له فيه، وبتقدير ان اللام بمعنى من، يكون المراد من هذه الكلمة، ظهر منه. وقد أكد هذا المعنى الشيخ الكراجكي في كنز الفوائد حيث قال: ان المراد من البداء ان يظهر للناس خلاف ما توهموه، وينكشف لهم في - ما كانوا يعتقدون من دوام الأمر واستمراره، وسمي هذا النوع بالبداء لمشابهته لمن يأمر بالشيء أو يخبر به ثم ينهى عنه في وقته.

وتفسير البداء بهذا المعنى ليس بعيدا عن مفاد بعض الروايات التي جاء فيها إنه من علم الله المكنون الذي لم يظهر لأحد، حتى للأنبياء والمرسلين، وأنه من أفضل ما عبد به الله إلى غير ذلك من المرويات التي ربطت بين الإيمان به، والإيمان الأكيد بالله، ذلك بأن هذا التفسير للبداء، مفاده أن ما ظهر للناس هو من علمه المكنون الذي لم يطلع عليه أحدا من عباده ولم يكن محتسبا ظهوره أو مظنونا وقوعه، وافتراض البداء من هذا العلم لا بد وان يقترن بالإقرار والاعتراف لله سبحانه بالإحاطة بكل شيء والقدرة المطلقة التي لا تحيط بها الظنون ولا تحدها الأوهام، وإذا بلغ الإنسان من الإيمان بالله إلى هذه المرتبة يصبح في أعلى درجات الإيمان وفي مصاف الأولياء والصديقين الذين يراقبون الله في جميع حالاتهم وتصرفاتهم .

ومما يؤكد إرادة هذا المعنى من البداء، ما جاء في أوائل المقالات للمفيد. حيث قال: وإنما يوصف من أفعاله بالبداء ما لم يكن محتسبا ظهوره أو مظنونا وقوعه، أما ما علم كونه، أو غلب في الظن حصوله فلا يستعمل فيه لفظ البداء. هذا مع العلم بأن نسبة البداء إلى الله والحالة هذه لا تخلو من التجوز كما نص على ذلك الكراجكي في كنز الفوائد.

ولو تغاضينا عن كل ذلك وقلنا ان البداء المنسوب إليه من صفاته تعالى، فلا بد وان يكون المراد منه حين ينسب إليه أنه قادر على أن يرفع وبضع ويمحو ويثبت، واثبات القدرة له بهذا النحو لا يعني تجددا في علمه ولا تغييرا في ارادته، ذلك لأن علمه وارادته يتعلقان بالأشياء بما هي مقدوره له وتحت تصرفه وسلطانه.

والمتحصل من ذلك ان البداء الذي لا نقول به هو بمعنى الظهور والإبانة، ونسبته إلى الله فيما لو قلنا بدا لله كذا أي ظهر من الله ما كان خافيا على جميع مخلوقاته ولم يكن في حسابهم)).

الردّ:

"إن بدا لله كذا" لا يمكن أن تكون بمعنى "ظهر من الله ما كان خافيا على جميع مخلوقاته ولم يكن في حسابهم"، وإذا كان هذا هو المعنى المقصود فلماذا اختص باسمٍ موهم ومشكل، هل هناك أصلا من يعلم كل ما سيظهر لله من الناس أو من يزعم ذلك؟ هل زعم أحد الكفار أنه يعلم ما سيبدو له من الله في يوم القيامة؟

كما أنه لا يجوز الزعم بأن سمة إلهية ثابتة أو فعلًا إلهيًّا ثابتًا أو سنة إلهية ثابتة من البداء ليتم تمرير المفهوم الخاطئ له، من جديد:

العلم ليس من البداء، القدرة، ليست من البداء، إجابة الدعاء ليست من البداء، قبول الاستغفار ليس من البداء.

ولا مشكلة في نسبة البداء إلى البشر، ولكن لا يجوز الزعم أن البداء المضاف إلى البشر هو بداء منسوب إلى الله تعالى.

وفي هذا الرابط بعض أقوالهم في البداء:

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=503968920003376&id=100011708177415&comment_id=504095896657345&notif_id=1516293737379256&notif_t=feed_comment

*******

عدد المنشورات الفرعية : 63