top of page

كتب أ.د. حسني المتعافي

من كتابنا رقم 47، مختصر أركان دين الحق، 2015، (1)

إن الأوامر القرءانية الكبرى والعظمى هي بالنسبة للكيان المسلم قوانين يتبعها وتقتضي منه أن يلتزم بأنماط سلوكية معينة في حياته، فهذه الأوامر هي بذلك سنن الدين الكبرى التي سنَّها الله تعالى للكائنات ذات الإرادة الحرة والاختيار، وهذه السنن الكبرى يمكن تسميتها على سبيل الاختصار بأركان الدين، والكيان المسلم يمكن أن يكون الفرد أو الأسرة أو الأمة أو أي كيان يمكن أن يستجد، فأركان الدين أو سننه الكبرى هي بذلك من منظومات السنن الشرعية، أي السنن التي شرعها الله تعالى لعباده ليتحقق لهم وبهم مقاصد الدين، وطبقا لمنهج دين الحق فالمصدر الأوحد لمعرفة كل أمور الدين الكبرى ومنها أركان الدين الكبرى هو القرءان الكريم.

ولكي يتمَّ استخلاصُ أركانِ دين الحق من القرءان لابد من نظرية مكتملة لهذه الأركان؛ أي لابد من منهجٍ قرءانيٍ شامل دقيق لاستخراجها من القرءان، هذا هو منهجنا للتعامل مع الأمورِ الدينية والذي اتبعناه للتعرف على السبع المثاني والأسماء الحسنى ومقاصد الدين العظمى ومنظومات قيم وسنن وسمات الدين.

وشرح وإثبات هذه النظرية وهذا المنهج وشرح نتائجه متضمنٌ في الكثيرِ من كتبنا وبصفة خاصة كتاب أركان الإسلام.

ونظرية الأركان تنتمي لفئة النظريات الاستقرائية، وذلك من حيث أن محتواها يمكن التعبير عنه في إطار نسق منطقي تؤخذ مسلماته وبيناته وبديهياته من القرءان والمنطق الصوري واللُغوي، أما مصدرُ عناصرها فهو القرءانُ وحده.

والنظرية توفِّي بما هو مطلوب من أية نظرية ناجحة، فهي تستوعب ما هو موجود من نظريات وتقدم ما يبرر وجودها وتفسر كل ما يدخل في نطاقها، ونظرية الأركان تستوعب كل الأوامر القرءانية وتعطي لكل أمر وزنه الحقيقي وفقا للقواعد القرءانية والمنطقية واللغوية، فكل أمرٍ قرءاني له مكانه في نسيجها.

فنظرية الأركان تمثل القرءان من حيث أنه ملزم للناس للكافة، فهي تقدم لهم بغض النظر عن عدم معرفتهم أو تمكنهم من اللسان العربي الأنموذجَ أو النسقَ القرءاني الواجبَ اتباعُه.

والنظرية هي كذلك لأنها تقدم تفسيرا للمعطيات القرءانية وتنسيقا منطقيا لها.

ونظرية الأركان تتسم بقلة عدد المسلمات وبالوحدة والاتساق وخصوبةِ النتائج.

والأركان التي نريد استخلاصها هي أركان الإسلام من حيث أنه دين الحق الملزم للناس كافة والذي يتضمنه القرءان الكريم، والذي كان الرسول مجسدا له بأقواله وأفعاله وحياته، وهذا الإسلام هو الدين الكامل الجامع الخاتم، وهو أيضا الدين العالمي والرسمي والاصطلاحي، فهذا الدين هو الصورة الكاملة التامة للدين الذي أرسل به كل الأنبياء، وهو الذي أعلن الله تعالى في القرءان أنه أكمله للناس وأنه سيظهره على الدين كله، {....الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينا.....}المائدة3، ولهذا الدين سماته وعلومه وبيناته ومقاصده وقيمه وأركانه وسننه، ولكل عنصر من العناصر الواردة في القرءان مكانه في هذا الدين، وأركانه هي كل ما ورد به أمرٌ شرعي ملزمٌ ومشددٌ وحرص القرءان علي تأكيده وبيان أهميته، ولا نجاة لإنسان الآن إلا بالالتزام بهذا الإسلام طالما بلغه البلاغ الوافي الكافي المبين، ومن كان حريصا على الالتزام المطلق بهذا الإسلام قلبا وقالبا فهو من المؤهلين لجني ثماره وهو من المبشرين بالجنة، وهو الذي تحقق له المقصد الديني الأعظم الخاص بالفرد، وهو أن يكون الإنسان ربانيا فائقا؛ أي تقيا صالحا مفلحا محسنا شاكرا مؤهلا للعيش السعيد الآمن في الدنيا والآخرة.

إنه يجب على كل مسلم أن يتخذ كتاب الله إماما وأن يعلم أن لكل أمر قرءاني مكانه في البنيان العام للدين، وأن يوقر كل أمر قرءاني وأن يعمل به، إنه لا يجوز أبدا اتخاذ القرءان مهجورا ولا يجوز اختزال الدين وحصره في الأداء الشكلي لبعض الشعائر استنادا إلى مروية آحادية.

وكل أمر قرءاني يتعين بموجبه سنة ملزمة للإنسان المكلف، فالأمر بإقامة الصلاة مثلا يتعين بموجبه سنة ملزمة لهذا الإنسان، بمعنى أن إقامتها يجب أن تصبح عادة ودأبا وسبيلا ونهجا وأسلوب حياة له يجد نفسه مبرمجا على القيام به.

ويجب العلم بأن المفردة"ركن" لم ترد في القرءان إلا في قوله تعالى: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} هود80، وهي واردة بمعناها اللغوي المعلوم، ولم يكسبها القرءان أية دلالة اصطلاحية، وهي غير مستعملة -كما هو واضح- بالمعنى الذي اصطلح عليه الناس من بعد.

فكلمة" ركن" لم ترد في القرءان كمصطلح ديني، وإنما وردت بأصل معناها اللغوي، وكذلك الأمر بالنسبة للكلمات ذات الصلة، قال تعالى:

{قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيد} [هود:80]، {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُون} [هود:113] {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا}[الإسراء:74]

ومن الناحية اللغوية فالقول ركِنَ إلى الشيءِ ورَكَنَ (يَرْكَنُ ويَركُنُ) رَكْنًا ورُكونا إليه؛ أي مال إليه وسكن، فالركون الذي هو أدنى ميل، وأصله الميل إلى ركن.

وقوله تعالى {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} يعني "لا تميلوا إليهم أدنى ميل"

والركن في الأصل الناحية من البيت أو الجبل، ويجمع على أركان.

والراء والكاف والنون أصلٌ واحد يدلُّ على قوَّة. فرُكن الشَّيء: جانبه الأقوى.

وفي قول لوط عليه السلام "آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيد" أي إلى ركن الجبل في شدته ومنعته، أي إلى عِزٍّ ومَنْعَة.

والركن الركين هو الركن الشديد.

فالكلمة لم تتغير في القرءان عن أصل معناها اللغوي، ولم يرد لها ذكر حتى في المروية الآحادية الظنية المنسوبة إلى عبد الله بن عمر والتي تنص على خمسة أمور زعموا إنها أركان الإسلام.

فإحداث مصطلح "ركن" وقصره على هذه المروية دون غيرها مع تجاهل القرءان كان له آثاره الكارثية على المسلمين بصفة خاصة، وعلى البشرية جمعاء بصفة عامة، فقد اختزلوا بذلك الإسلام إلى ديانة طقوس وشعائر لا مكان فيه للأمور الوجدانية ولا للأوامر الدينية الكبرى ولا للمقاصد العظمى، كما تمَّ بسببها عمليا إلغاء عشرات الأوامر القرءانية فائقة الأهمية، ويوجد أوامر قرءانية قوية وعديدة تتقدم بكثير على الصيام والحج.

لكل ذلك فلا حرج من استعمالها هنا للدلالة على الأمر الديني الكبير أو الهام أو الجامع الشامل الوارد في القرءان، وذلك على سبيل الاختصار، والمقصود بالشمول تضمنه لأوامر عديدة مترابطة، ومن الممكن استعمال مصطلح آخر إذا ثبت أنه أفضل.

فكلمة ركن ليست بمصطلح ديني؛ أي ليست بمصطلح قرءاني، فالقرءان لم يكسبها أية دلالة دينية، لذلك لا حرج في اعتبارها –على سبيل الاختصار- تشير إلى أمر قرءاني عظيم أو كبير أو شامل لا يكون الدين كاملا ولا يجوز اعتباره كاملا بدونه.

ولا يتعارض ذلك مع المبدأ الذي قررناه من أن القرءان هو المصدر والمرجع الأوحد للمصطلحات القرءانية، فالكلمة "ركن" مستعملة للدلالة على الأوامر القرءانية الكبرى، فهذه الأوامر تستمد مصداقيتها ومشروعيتها ووزنها وإلزامها من القرءان نفسه، وليس من أمر خارجي ولا من محدثات الناس ولا من معنى المصطلح، بل إن الأمر الوارد في القرءان لا يستمد وزنه ولا ترتيبه إلا من القرءان، ويجوز أن يُستبدل بهذا المصطلح غيره مثل: سنة كبرى، أساس، مبدأ، ... الخ.

1

bottom of page