لحوم مسمومة 4

أمسك من جديد بالخيط الذي قطعه هذا الصوت، قال لنفسه:

  • وكيف لي أن أميز بين الصحيح والباطل في كتبهم؟

  • ألم يفعل ذلك علماء الرجال والجرح والتعديل؟

  • وهل آراء الناس في الناس تعتبر علمًا أو يقينا؟

  • ومن الذي عدَّل علماء الجرح والتعديل أصلا؟

  • ألم يكونوا مقيدين بمذاهبهم واتجاهاتهم؟

  • وهل يمكن أن يكون الدين الخاتم الملزم للناس كافة معلقًا بأمور عشوائية ظنية؟

  • لابد من منهج منطقي صارم لفحص وتمحيص ما هو في هذه الكتب!

  • إنه يجب إعادة فحصها وتمحيصها مثلما فعلوا هم بإمكاناتهم المحدودة في عصورهم المظلمة.

  • بالطبع لابد من معايير متسقة تمامًا مع الكتاب الديني الوحيد ذي المصداقية التامة.

  • هل كان من الممكن أن يترك الله تعالى دينه تحت رحمة الناس وآرائهم؟

  • هناك كتاب قد تكفل هو بحفظه وألزم الناس باتباعه في نصوص واضحة

  • ولكنهم يقولون إنه بحاجة إلى بيان وتفصيل وتقييد وإكمال

  • إنهم بذلك يكونون مكذبين بهذا الكتاب الذي أعلن قائله إنه مبين ومبيِّن وتبيان لكل شيء وأنه مفصَّل على علم وأنه كلمة الله التامة

  • ولكن توجد آيات منسوخة، ولابد من السنة لمعرفتها!

  • ما معنى منسوخة؟ وما هو المقصود بالسنة؟

  • منسوخة بمعنى بطل ما فيها من أحكام، أما السنة فمعلومة

  • أريد فيها قولًا عمليًّا موجزا

  • باختصار، هي ما هو مدون في كتب الأحاديث والسيرة.

  • لعلك تقصد المرويات والآثار

  • أي نعم!

  • قولك هذا مرفوض من حيث المبدأ!

  • ماذا تقصد؟

  • القرءان هو الكتاب العلي الحكيم والمهيمن، فلا يجوز الحكم عليه بما لا يرقى أبدًا إليه، هل لديك أقوال أخرى؟

  • ...............

  • إذًا هلَّم إلى القرءان، ولنحكم به على كل ما هو من دونه، القرءان بالنسبة لي من الآن هو كما وصفه ربه، مبين ومبيِّن وتبيان لكل شيء ومفصَّل على علم وهو كلمة الله التامة، ومنه أستمد البينات والمسلمات.

عندما وصل إلى هذه النقطة أحس أن الفرح يجتاح كيانه كله، انتابته رجفة حلوة، بدأت من القلب وانتشرت في جسده من بعد، كان من بعد يتذكر هذه اللحظات السعيدة ويتمنى أن يعيشها من جديد، أحس بالسلام يغمر نفسه كما يغمر الضياء في الفجر هذه الصحراء اللامتناهية، أحس بارتواء تام بعد ظمأ طويل، أدَّى صلاة الفجر كما لم يصلها من قبل، بدت له الدنيا بكل متاعها كسراب بقيعة، أشاح بوجهه عنها، قال بلسان حاله: لستُ لكِ، ولا أبالي هل ستكونين لي أم عليَّ!     

*******

تخرَّج حشاد محرزا تفوقًا حاسما، تخرج مبروك أيضًا بتفوق، ولكن سبقه حشاد في الترتيب، كان لابد من حوار بينهما بدأه مبروك، قال:

  • ها قد حققت أملك وتخرجت، ألم يأن لك أن تراجع موقفك من الدين؟

  • موقفي من الدين؟! لعلك تعتبرني كافرا مثلا!

  • ليس كذلك، ولكنك لم تعتبر الدين أبدًا على قائمة أولوياتك.

  • أتقول ذلك لمن أصبح رسميًّا أمام الدولة والناس رجل دين؟ وبتفوقٍ حاسمٍ أيضا؟

نظر إليه مبروك نظرة ثاقبة نفاذة، ثم قال له بصوتٍ آتٍ من أعماق الأعماق:

  • الأهم من ذلك هو كيف أصبحت أمام ربك ونفسك!

احسّ حشاد بطعنة تخترق صدره، تحركت يده تلقائيا، وكأنها تحاول أن تدفعها، يبدو أنه مازال فيه بقية من خير، طفرت دمعة من عينه لم يستطع أن يدفعها، لم يستطع أن يرفع رأسه أمام صديقه القديم، قال بانكسار وبصوت خفيض، وهو يتحاشى أن ينظر إليه:

  • أفي يوم فرحتنا تنغص علينا حياتنا؟ ألا تتركنا نستمتع ولو قليلًا بحصاد ثمار تعبنا وكدِّنا وشقائنا وكفاحنا وسهرنا الطويل.

لم يستطع مبروك أن يضيف شيئا بعدما حدث، تعانق الصديقان، وكل واحد منهما يغالب دموعه، آثر مبروك الانسحاب في صمت.

بدأ حشاد عمله بكفاءة ودأب وصبر، بعد أن بدأ يخطو أولى خطواته نحو الشهرة وتتدفق عليه الأموال من حيث يحتسب ولا يحتسب، بدأ اسمه يلمع كرجل دين خطير وخطيب مُفوَّه نحرير.

التف حوله مجموعة من الأتباع والمريدين والمتسلقين، وكان هو يستمتع بالتفافهم حوله وتملقهم له فضلًا عن عملهم للترويج له والإعلاء من شأنه والتصدي والكيد لخصومه.

لمس أقربهم إليه العقدة النفسية المستحكمة التي تتسلط على حياته وعلى كل تصرفاته، كان هذا الشاب –واسمه دعبس- من أشد أتباعه حذقًا ومهارة، توسم فيه بطله المنتظر، أدرك أن نجمه في صعود، كان يدرك أن شيخه هذا سرعان ما سيشق طريقه نحو الشهرة والثراء بسبب إمكاناته الهائلة وطبيعة الناس والعصر، أراد أن يكون له يد عنده، تحيَّن الفرصة ذات مرة وقال له:

  • شيخ حشاد، أنت في سبيلك إلى الشهرة، ولكن سيحول بينك وبينها اسمك!

فوجئ حشاد بالسؤال، نظر إليه متعجبًا، فعاجله دعبس بسؤال آخر:

  • ألم تفكر أبدًا في تغيير اسمك؟

نظر إليه الشيخ بانكسار وبأمل واهٍ، قال:

  • المشكلة ليست في اسمي، إنه اسم العائلة!

أخذ دعبس يستمتع بلحظة الانكسار هذه، لم يبادر بتقديم الحل، انتظر أن يسأله الشيخ ذلك ليستمتع برؤية نظرات الرجاء في عينيه والذل على وجهه، أما حشاد فقد أخذه العجب من سكوت دعبس وعدم مبادرته بتقديم الجواب رغم أنه هو الذي فتح الحديث في هذا الموضوع.

ولكنه على كل حال أدرك بذكائه المعهود أن هذا الشاب لديه الحل لعقدة مستعصية من عقد حياته، بعد لأيٍ تغلب على ما اكتسبه حديثًا من كبر وغطرسة، قال بصوتٍ خفيض:

  • ألديك حلّ لهذه المشكلة؟

فرح دعبس بالهدف الذي سجله في مرمى الشيخ حشاد، كان ذلك جزءا من خطته التي رسمها للتسلل إلى عالم الشيخ ورفع الكلفة فيما بينهما، قال له بكل ثقة:

  • بكل تأكيد، لديَّ حلّ لهذه المشكلة

  • وما هو؟

  • أنت من الآن الشيخ حشاد البخيمي!

أصيب الشيخ بخيبة أمل! لم يفقه شيئا، ولكنه تشبث بالأمل الذي لاح، قال:

  • ماذا؟ هل تريد مثلا أن أقوم بالتزوير في أوراق رسمية؟ هذا لا يكون!

صمت دعبس وتركه يضرب أخماسًا في أسداس، لم يبادر بالحديث، اضطر الشيخ حشاد لثاني مرة لأن يكون هو السائل، قال وهو يتطلع إليه مبتسما:

  • لا شك أن لديك حلا!

  • نعم، ولكن قد يستلزم ذلك بعض المال!

  • لا يهم!

  • سيكون هناك مخالفة للقانون!

  • أتقيم وزنا لقوانين هؤلاء الضالين؟ ليس علينا فيهم من سبيل!

  • سيكون هناك أيضًا مخالفات شرعية.

  • الضرورات تبيح المحظورات!

  • ولكنك قلت إنك لن تقبل التزوير في أوراق رسمية

  • ما قلته كان عن نفسي، فأنا بالفعل لن أقبل أن أقوم بالتزوير بنفسي.

  • وهل تقبل أن يقوم به غيرك؟

  • ألم تسمع عن فقه الحيل؟

  • سمعت عنه، ولكن لا أعرفه جيدا

أدرك دعبس لمهارته المعهودة مغزى وأهمية هذا النوع من الفقه، أدرك أيضًا مدى حاجته هو إليه، إنه أفضل من يمكن أن ينتفع من مثل هذا الفقه، ولكنه أراد أن يستوثق، قال:

  • هل يمكن بهذا الفقه أن يتحول التزوير الذي سنقوم به إلى عمل مشروع؟

  • أي نعم!

  • لا شك إن إبليس هو مؤسس هذا العلم

  • بل أسسه خيرة سلف هذه الأمة من الفقهاء المتمكنين البارعين!

  • إذًا فقد استمدوا خيريتهم من هذا الإبليس هههها هههها

لم يملك حشاد إلا أن يبتسم، أما دعبس فقد قال في نفسه: بالإضافة إلى الأموال التي سآخذها لابد من أخذ هذا العلم عن الشيخ، قال:

  • سيدي الشيخ، طلبي الخاص منك هو التمكن والتضلع من هذا الفقه.

  • لك أن أجعلك تجيده كما أجيده أنا!

  • والآن أعطني بعض المال لأبدأ الإجراءات

وهكذا انكشف حشاد تمامًا أمام هذا الدعبس، ولم يعد من الممكن أن يظهر أمامه من بعد بمظهر الشيخ الورع التقي.

بدأ دعبس لتوه في إذاعة أن اسم الشيخ هو حشاد البخيمي وليس البهيمي، نبَّه كل من يعرف الشيخ أو يتردد إلى ألا يناديه إلا باسمه الجديد، قال لهم إن هذا هو اسمه الحقيقي وأن اللقب الآخر أطلقه عليه أعداؤه الضالون لمحاولة إطفاء نور الحق الذي يدعو إليه مستغلين التشابه بين اللفظين.

وعلى التوازي مع ذلك بدأ إجراءات تزوير اسم الشيخ، كان الشيخ يتابع بخوف وقلق وأمل أخبار تحركات تابعه دعبس، لم يقصِّر دعبس في استغلال الشيخ أبشع استغلال ليحقق له مراده، وكذلك تلقى منه بالإضافة إلى المال الوفير كل ما يريد معرفته من فقه الحيل وغيره، ولم يقصر في الاتجار به بين الناس.

وأخيرا كُللت جهوده بالنجاح، طار ليزف البشرى إلى الشيخ، مؤملا أن يحظى منه بنفحة هائلة، وقد تحقق له ذلك، كما أصبح بذلك بمثابة كاتم أسرار الشيخ الذي يعلو نجمه وتتعاظم شهرته.

*******

كانت أميمة أجمل بنات الحارة التي تسكن فيها أسرتا مبروك وحشاد، كانت تتميز بقوامها الممشوق وبشرتها الناصعة وشعرها الأسود الطويل وطلعتها البهية، كان من الطبيعي أن تتجه إليها أنظار كل فتيان الحارة، ومنهم بالطبع الصديقان اللدودان.

كان جمالها لافتًا للنظر، دخلت المدرسة الابتدائية، لم تجد لديها القدرة على العمل الشاق الذي تستلزمه المذاكرة، ومع ذلك كانت تجد دائما تشجيعا دائمًا وعطفا من المدرسين يشجعها بالكاد على الاستمرار والنجاح.

سرعان ما أدركت سر هذا الإعجاب والتعاطف الذي لا تحظى به زميلاتها الأشد ذكاءً منها، إنه الجمال، تعلمت أن تعتني به، كانوا قد تمكنوا من الحصول على تليفزيون قديم من أسرة كانت والدتها تتولى عملية تنظيف بيتهم بانتظام، كانت حريصة على متابعة الأفلام المصرية وغيرها، تعلَّمت حركات الممثلات وأساليبهن في الحديث، وهكذا أضافت إلى جمالها ما اكتسبته من الدلال والغنج.

كانت مثل الصديقين من أسرة شبه معدمة، أحست بغريزتها بمدى تعلقهما بها، شُغلت بهما عن باقي شباب الحارة.

كان من الطبيعي أن تفضل في البداية مبروك على صديقه، فهو أجمل منه بكثير، وهي خير من يقدر الجمال، فضلا عما هو واضح من أدبه وحسن خلقه وحيائه، أصبح بالفعل فتى أحلامها.

ولكنها شيئا فشيئا بدأت تدرك الأمور على حقيقتها، لم تتح لها معيشتها التعلق بالمثاليات ولا الإيمان بقوة الحب وقدرته على فعل المعجزات كما تروج لذلك أكثر الأفلام التي رأتها، قوَّى ذلك في نفسها تلميحات وتصريحات والدتها المستمرة والتي أدركت منها أنها أمل أسرتها المسكينة في حياة أفضل.

أصبحت تتطلع إلى حياة أرقى بعيدا عن هذه المنطقة العشوائية التي يكاد المرء فيها يفقد كل خصوصياته، كانت تحلم ببيت هادئ جميل بعيدا عن صخب هذا الحي وقذارته وبشاعته، أصبحت فتاة عملية واقعية، كما أصبح أكبر همها الحصول على زوج ميسور الحال يجنبها ويجنب أطفالها من بعدها ما كابدته هي من أهوال، كما يمكنها مساعدة أسرتها مما سيغدقه عليها من أموال، كانت تتخيل أن شيئا مما تشاهده في الأفلام القديمة يمكن أن يحدث فيحبها أحد الأثرياء ويحقق لها أحلامها.

وهكذا، أصبحت تعرف هدفها جيدا؛ عريس ثري غريب ينتشلها من هذا الحي، فإن لم يتوفر فلا مفر من القبول بحشاد فكل الدلائل تشير إلى أنه يحثّ خطاه بسرعة نحو الثراء.

أما مبروك فلم تكن تملك له إلا الرثاء رغم إدراكها الجيد لسموه الخلقي على صاحبه ورغم ميلها له بحكم فطرتها الخيرة، هذا فضلا عن كونه أكثر وسامة بكثير من حشاد البغيض!

كان سلوك كلٍّ منهما تجاهها معبرا عن شخصيته، كان حشاد بالطبع هو الأشد جرأة ووقاحة بينما لاذ مبروك بصمته وحيائه ونبله، كثيرا ما التقيا بها في غدوهما ورواحهما، كان حشاد يبادر بتحيتها بصوته الجهير وقد يردف ذلك بكلمة غزل عابرة بينما يغضي مبروك حياءً وعفة، كان حشاد ينظر إليها كمجرد جسد أنثوي مثير بينما كان مبروك يرى فيها تجسدا للجمال في صورة بشرية.

كان كلٌّ منهما يعلم مدى تعلق الآخر بها، ولكنهما لم يتصارحا أبدا حرصًا على استمرار الصداقة التي يحتاجها كلاهما، ولكن كان كلٌّ منهما حريصًا على أن يعرف حقيقة مشاعرها تجاهه وتجاه صديقه.

*****

عدد المنشورات الفرعية : 63

عدد المنشورات : 412