شهود على عصر (قصص وحوارات)

حوار حول التخصص في الدين

الجدول

قال أحد الحضور الجدد: كيف تتحدثون في الدين، وأنتم غير مؤهلين؟! هل يرضى أي واحد فيكم أن يسمح لغير متخصص في الحديث في تخصصه؟

قال سمير: من العار أن تكون حاصلًا على شهادة ميلاد رسمية معتمدة كآدمي ثم تصدق مزاعم المتكسبين بالدين وأتباعهم من البهائم والمغفلين.

قال محسن: سدنة الدين الأعرابي الأموي يظنون أنه لا يجوز الحديث في الدين إلا لمن اطلع على قائمة مطولة مما يسمونه بأمهات كتب هذا الدين! ولو اشتغل المرء فعلا بإدمان النظر في كل هذه الكتب لخرج من هذا العصر ولتودع منه الدين ولتحول إلى محض بهيم.

قال أمجد: في الحقيقة لا يجوز لأحد بالفعل أن يصدر أي فتوى في نطاق الدين الأعرابي الأموي إلا بعد دراسة أمهات كتبه وإجادة أساليبه ومناهجه ومصادره بغض النظر عن مدى حقانيتها، بل إنه داخل هذا الدين توجد مذاهب متعددة، وبالتالي لا يجوز إصدار أي فتوى طبقًا لمذهبٍ ما إلا بعد الإلمام بأصول ومناهج هذا المذهب.

سمير: غريب كلامك، ظننا أنك ستؤيد كلامنا.

قال أمجد: كلامكم أيضًا صحيح! فلا يوجد أي إلزام لأحد بأن يتبع الدين الأعرابي الأموي أصلا، بل إنه لا يجوز لمسلمٍ أن يتبعه طالما تبين له الحق، وعرف دين الحقّ.

محسن: هل هذا لغز؟ نرجو المزيد من الإيضاح!

قال أمجد: في نطاق الدين الأعرابي الأموي لا يجوز أن تصدر أي فتوى إلا استنادًا إلى أسسهم وأصولهم، فهي من النواتج الطبيعية لها، وإلا فكيف تصدر فتوى استنادًا إلى هذا الدين وأنت تجهل أصوله؟ أو لا تعترف بها؟ ولذلك من حق سدنة هذا الدين أن يتصدوا لك وأن يتهموك بالتطفل عليهم، هذا مع العلم بأن الدين الأعرابي الأموي هو دين باطل مليء بالشركيات والكفريات والنفاقيات! وأنت غير ملزمٍ باتباعه أصلا!

قال سمير: هل من أمثلة؟

قال أمجد: خذ هذا المثال الظريف، صناعة الطرابيش فنّ قائم بذاته، كان منتشرًا عندما كان ارتداء الطربوش لازمًا، ولكن بالتطور اندثر هذا التقليد فاندثرت أكثر مصانع الطرابيش، بافتراض أنه لم يتبق إلا مصنع واحد لتلبية احتياجات من تمسكوا بالطربوش، فهل يجوز لمن لا يعلم شيئا عن صناعة الطرابيش أن يفتتح مصنعًا لصناعتها؟

من حق من تمرس بصناعة الطرابيش أن يدافع عن مهنته التي يسترزق منها، ولكن لا توجد أي ضرورة في وجود الطرابيش ولا في وجوب إجادة صناعتها أصلا، فلابد من انقراض المتمسكين بها، فلا توجد أي فائدة من الطربوش أصلا!

وخذوا أمثلة وأمورًا أكثر جدية:

1. من أصول الدين الأعرابي الأموي أن السنة هي باختصار مرويات البخاري ومسلم وغيرهما، ولديهم منهج للتعامل مع هذه المرويات، به يأخذون ببعضها ويتركون بعضها! فطالما أنك تزعم أنك من أتباع هذا الدين فإما أن تعلم منهجهم وتلتزم به وإما أن تسأل من هو أعلم به منهم! هذا مع أنك غير ملزمٌ أصلًا بشيء من ذلك، وهذه القاعدة من القواعد المضادة لدين الحقّ، فلا يجوز لمن يزعم أنه مسلم أن يأخذ بها أصلا، فالسنة مصطلح قرءاني لا يجوز لأحد تحريفه ثم البناء على هذا التحريف، أما المرويات فهي ليست مصدرًا مستقلًا للدين، فلا شرعية لها إلا باتساقها التامّ مع دين الحق الماثل في القرءان الكريم.

2. كما أن من مسلماتهم الإيمانية أن لما يسمونه بالسنة الحكم على الكتاب والقضاء عليه، وهم يعملون بمقتضى هذه المسلمة لاستخلاص رأي (الدين) في أي مسألة، فطالما أنك تزعم أنك من أتباع هذا الدين فإما أن تعلم منهجهم وتلتزم به وإما أن تسأل من هو أعلم به! وأنت هاهنا ملزم بألا تأخذ بكلامهم هذا طالما تزعم أنك مسلم.

3. وهم يستعملون بعض الآليات كأصول لاستخلاص رأي (الدين) في بعض المسائل، وهي غير مجمع عليها بينهم، ومن ذلك مثلًا: الاستحسان مفهوم المخالفة، ...الخ، فلا يؤخذ بها حتى داخل هذا الدين عند من لا يأخذون بالاستحسان أو بمفهوم المخالفة، ويجب أن تعلم ذلك، وأن تعمل به طالما أنك تزعم أنك من أتباع دينهم.

لذلك فمن يُطالبهم بما يسميه بالإصلاح يعيش في وهمٍ كبير، فكل دين من الأديان التي حلَّت محلّ الإسلام، ومنها الدين السني والدين السلفي والدين الشيعي ... الخ هو بنيان مكتمل في ذاته، ومقفل على نفسه، بغض النظر عن مدى حقانيته ككل واحد أو حقانية كل عنصر من عناصره على حدة.

وكل دين منها مليء بما لا حصر له من الفرعيات والتفاصيل، ففي مثل هذه الأمور الفنية، لا يجوز أن يتحدث فيها إلا من تمرس بها! ولكن لا ضرورة في ذلك أصلا!

لذلك فهم يُقاتلون بشراسة دفاعًا عن كل عنصر، فهم يعلمون جيدًا أن الدين كالنظرية العلمية، يسقط ببطلان أي عنصر من عناصره أو بثبوت بطلان أي قولٍ ثابت له في أي مجال من مجالات عمله.

فالمطالبة بإعادة النظر في أي أصلٍ من أصولهم لا تعني إلا جعل بنيانهم الديني موضع شك، بينما هم يؤمنون بأنه الحقّ المطلق.

لذلك من المضحك أن يطالبهم بعض المجتهدين بتنقية كتبهم ومراجعهم!!

ويجب العلم بأن ميدان رجال الدين الأعرابي هو الفتاوى الجزئية المستندة أساسًا إلى ما اختلقوه من أصول جعلوها واقعيا وعمليا بمثابة أنداد للقرءان، وجمهورهم هو الدهماء والبهائم والجهلة والبقريين الجبناء الهلوعين أمام كل ما له علاقة بالدين، فهذه الفتاوى هي سلاح رجال هذا اللادين ومصدر رزقهم.

ولكن لا علاقة لرجال الدين الأعرابي الأموي بدين الحق أصلا، فهم لا يكادون يعلمون شيئا عنه، وبالتالي فليس لهم أن يتدخلوا في أي شأن من شؤونه ولا شؤون أتباعه.

وطالما لا يستطيع الشافعية مثلا أن يملوا أي شيء على الحنفية ولا أن يجبروهم على الأخذ بفتوى لا تتفق مع أصولهم فليس لرجال الدين الأعرابي الأموي أن يجبروا أتباع دين الحق على الأخذ بفتاواهم أو بمقولاتهم.

فدين الحقّ هو بنيان راسخ مستقل، له أصوله وإيمانياته وقيمه وسننه ومنهجه، فلا يعنيه في شيء تلك المذاهب والأديان التي حلَّت محل الإسلام، وقد يحدث تشابه شكلي بين عنصر من عناصر دين الحق وبين عنصر من عناصر الدين الأعرابي الأموي، ولكن يجب العلم بأن طريقة ثبوت العنصر ستكون مختلفة في الحالتين، وكذلك وزنه النسبي في البنيان والمقصد منه.

قال سمير: وكيف يمكن أن يتعايش الفريقان؟

قال أمجد:

كما نكرر دائمًا، ليس لدى أتباع الدين الأعرابي الأموي الإقصائي قيم أو سنن أو أسس أو آليات تسمح لهم بالتعايش مع أتباع دين الحق، فهم يعتبرون أنفسهم الفرقة الناجية والشعب المختار الذي يستأثر بربّ العالمين لنفسه، والذي لا يعمل رب العالمين إلا لمصلحته، أما كل من هم غيرهم من المسلمين الآخرين فلا حقَّ لهم في الوجود أصلًا، فهم لا مكان لهم عندهم، ولا محلَّ من الإعراب، فمن ليس منهم هو متهم عندهم، ولديهم له اسمٌ ازدرائي تحقيري إقصائي، لذلك أول ما يتبادر إلى أذهانهم إذا ما سمعوا ما لم يألفوه في الدين أن يضعوه تحت اسمٍ من الأسماء التحقيرية التي يعرفونها، فإذا لم يتأتَّ لهم ذلك أحدثوا له اسمًا جديدًا يُصبح من ألقاب التحقير ومن الألقاب المجرَّمة لديهم، هذه هي طبيعة الدين الأعرابي الأموي العدواني الإجرامي الهمجي، ولا سبيل بالطبع إلى إصلاحه؛ فأي محاولة لإصلاحه ستؤدي إلى تقويضه من القواعد.

أما دين الحقّ فمن قيمه وسننه حرية الدين والبرّ والإقساط، فهو يلزم متبعيه بالتعبد إلى ربهم ببرّ الآخرين والإقساط إليهم، بما في ذلك أتباع الدين الأعرابي الأموي، بل إنه يعتبر أتباع الدين الأعرابي مسلمين إسلام الأعراب؛ أي الإسلام الشكلي الظاهري، ويعطيهم كافة حقوق المسلم في الأمة الإسلامية.

قال سمير: وماذا عن خطب الجمعة وإمامة الناس في الجمع والجماعات؟

قال أمجد: بداية أرجو أن يقتنع الناس أن المسلمين في مصر وغيرها ليسوا بحاجة إلى من يدعونهم إلى الإسلام.

وأرجو أن تقتصر خطب الجمعة على تلاوة القرءان وشرح معاني مفرداته بحيث يفقه الناس المعاني المباشرة الظاهرة لآياته، أليس ذلك من أهم أمور هذا الدين؟ لماذا لا يعملون بهذه الآيات:

{إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُور} [فاطر:29]، {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون} [العنكبوت:45]، {.... فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقرءان عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} [المزمل:20]

وليت كليات الدعوة تقتصر على من تلقوا تعليما عاليا ويريدون أن يدعو الناس في الدول الأجنبية إلى الإسلام، وفي هذه الحالة يجب أن يتعلم الداعية إحدى اللغات الأجنبية مع اللغتين الإنجليزية والعربية بالإضافة إلى كل ما يلزم الداعية من علوم إنسانية وطبيعية، فضلا عن تاريخ البلد الذي سيدعو الناس فيه إلى الإسلام وعاداتهم وتقاليدهم، ويجب أن يتم تمويل هذه الكليات والدعاة من أموال من أراد القيام بواحد من أهم أركان الدين: الإنفاق في سبيل الله.

قال خليل: وماذا عن الأزهر؟

قال محسن:

نتيجة لطبيعة الشعب المصري المبرمج على الانقياد لمؤسسات كهنوتية منذ آلاف السنين فإنه كان لابد له من اختلاق مؤسسة كهنوتية تؤدي بالنسبة له أمورًا متعددة، فهو يحتمي بها من غضب (الآلهة)، ويُلقي عليها عبء التفكير في الأمور الدينية، ويعيش كدابة لا هم لها إلا المنكح والمأكل والمشرب والمسكن.

لذلك كانت مصر هي الدولة الوحيدة التي تمكنت فيها المؤسسة الدينية من البقاء والاستفحال، رغم أنها المؤسسة التي لم يكن لها أي إضافة أو إسهام في الفكر الديني.

قال توفيق: غريب هذا الكلام!

قال محسن: الأزهر يعيش أساسا على ما ألفه بعض الفرس وقلة من العرب في القرون الإسلامية الخمسة الأولى، لم يُضف أي شيء، لم يترك أي بصمة، كل عمل مشايخه على مدى حوالي ألف سنة تجميع وشرح واستظهار ما تركه هؤلاء وكتابة الحواشي وحواشي الحواشي عليها.

تضاعفت كمية العلوم وتحسنت نوعيتها آلاف المرات، ارتقت الحضارة البشرية وتألقت وتطور الفكر السياسي والاجتماعي والفلسفي، والأزهر لا يتطور من نفسه، ولا يريد أن يحدث أي تطور، هو لا يتطور إلا رغم أنفه وبأمر السلطة، قارنوا بين الأزهر وبين الجامعات الدينية الغربية التي نشأت بعده، مثل السوربون وأكسفورد وغيرها، وجود هذه المؤسسة هو أكبر خطر على أمن مصر ومستقبلها.

قال سمير: والمشكلة أن الجماهير العريضة بسبب فسقها وعصيانها وفسادها وعدم قدرتها على التجاوب مع المثل الدينية الرفيعة أو العمل بأوامر الدين الكبرى تحاول مضاعفة سلطات الأزهر عليها، وكأنها بذلك تكفر عن سيئاتها، وفي الحقيقة فإن المؤسسة الدينية لا تقصر في اهتبال الفرصة، فهي بـ(تنكيدها عليهم) و(تطيينها عيشتهم) تكفر بالفعل سيئاتهم.

ضج المجلس بالضحك، ولكن ماهر قال:

- أما بالنسبة لي فلابد كما تعلمنا من أن أحترم التخصص، كل ماله علاقة بالإسلام هو شأنٌ أزهري خاص، الأزهر وحده هو المنوط بالبتّ فيه، ونحن ما علينا إلا الاتباع!

- هل أنت جادّ؟

- نعم بكل تأكيد! ما قام به غيرك لماذا تتحمله أنت؟

- أنت تعلم أكثر من أي واحد من هم الذين التحقوا بالأزهر من زملائك!

- أعلم جيدًا، ولكن هؤلاء انضموا إلى مؤسسة عريقة، وحتى إن كانوا مجرد أبواق جوفاء صدئة، فالذي يصدر عنهم هو رأي الأزهر، بكل ما يعنيه ذلك، إنه رأي تمَّ تمحيصه عبر القرون.

- في الحقيقة كنت أتوقع أن يكون حصولك على شهادة الميلاد كإنسان قد جعلك لا تردد كلام الغوغاء!

ضج الحضور بالضحك!

كتم ماهر غيظه، وقرر أن يردّ الضربة، قال:

- وما الذي يضطرني أن أترك كلام الأزهر المتخصص المحترف، وآخذ بكلام هواه متطفلين، مثل أي واحدٍ فيكم؟

- الذي يضطرك هو المنهج العقلاني العلمي الذي تستعمله أنت في مهنتك، ولو تنكرت له لما حققت ما حققته!

- العقيدة هي أهم شيء في أي دين، أليس كذلك؟!

فوجئ ماهر بهذا القول، أيقن أنه يُستدرج به إلى فخ خطير، ولكنه كان مضطرًا لأن يجيب، قال:

- نعم، بكل تأكيد!

- قل لنا بصراحة، هل تعلم ما هي عقيدة الأزهر؟!

وُجِم ماهر، أدرك أنه هو الذي أوقع نفسه في الفخ، بل في نسق من الأفخاخ، ولكنه وجد نفسه مضطرًا إلى قول أي شيء، فهو الذي أقحم نفسه في الحوار، قال:

- أليست عقيدة كل المسلمين واحدة؟

- كلا بالطبع، إن الخلافات، مثلا، بين مذهبين يدعي كل منهما أنه أهل السنة والجماعة الحقيقيون أكبر بكثير من الخلافات بين الكاثوليك وبين البروتستانت، أليس كذلك يا سيد خليل؟

- لا أعلم ما هي الخلافات بين الكاثوليك وبين البروتستانت، ولكني أعلم أن علماءنا يسمون الأشاعرة بمخانيث المعتزلة ويفسقونهم.

- وكفى بذلك ذمًّا للمعتزلة أيضًا وإشارة إلى حكم السلفية عليهم!

صرخ ماهر: ما لي أنا ومال المعتزلة والأشاعرة ومخانيث المعتزلة، لا وقتَ لديَّ للتهريج!

ضج الحضور بالضحك، ظل ماهر يحملق متعجبا، إلى أن قال له أحدهم:

- طالمًا أنك متبع للأزهر، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، فأنت من مخانيث المعتزلة؛ أي أشعري!

همَّ ماهر بأن يسبَّ السلفية والمعتزلة والأشاعرة والأزهر، ولكنه تراجع حتى لا يحكم الحلقة حول رقبته، قال:

ولكني لم أسمع بكلمة أشعري من قبل!

قال محسن: أنت بذلك أقمت الحجة على نفسك، الأزهر لن يؤمن لك بالنيابة عنك، الإيمان شأنٌ قلبي خاصّ بك، والجهل بالقانون لا يعفي من العقوبة، أنت على خطر عظيم إذا كان السلفية الضالون هم المحقين!

صرخ خليل: يا للتناقض، ها أنت في شكٍّ من أمرك!

حانت لماهر فرصة للإفلات، ولكن محسن كان أذكى من أن يدعه يفلت، تجاهل خليل، وقال له:

قل لنا بصراحة، ما ذا تعبد؟

- وهل هذا سؤال أعبد الله

- جلّ الأديان والمذاهب يقولون ذلك، هل تتصور أن الله شخص مثلك مثلا، ولكن مادة جسمه أرقى، وأبعاده أضخم مثلا، وأن له جوارح، ولكن بلا كيف، كما يقول السلفية؟

صرخ خليل: لا تتجنَّ علينا!

أكمل محسن:

- في الحقيقة أنت لا تعبد إلا ما لديك من تصور أو مفهوم عن الإله، هذا المفهوم هو محلّ اختلاف شاسع بين شتى الأديان والمذاهب، وأنت بحكم أنك أزهري الدين فيجب، على الأقل، أن تعلم المفهوم الأشعري عن الإله، وأن تحيا بمقتضاه، فمقتضيات المفهوم تتغير.

كان ماهر يتميز غيظًا من الداخل، ويقول في نفسه "ما لي أنا ومال هؤلاء الفارغين؟ أخذ يفكر في صياغة شتيمة أو إهانة لمن يتصدون له، ولكنه رأى أن الأمثل هو انتظار فرصة أفضل، تماسك وتراجع، قال:

- في الحقيقة، لم أفكر من قبل في مثل هذه الأمور، ولم أرَ أيضًا أحدًا من قبل يشغل نفسه بها، وما أريد أن أقوله ببساطة هو أنه ما دام الأزهر هو المنوط به الأمور الدينية فلماذا أحمل نفسي أعباء وربما أوزار ما يقوم به غيري؟ خاصة وأن هذا عملهم ومصدر رزقهم، أنا لا أقبل أن يتدخل طبيب ليس له نفس تخصصي في عملي، هذا فضلًا عن غيره، فلماذا أرضى لهم ما لا أرضاه لنفسي؟

- أنت مصرّ على اعتبار الدين مهنة لكسب العيش مثل مهنتك، أو مثل أي مهنة أخرى، تلك مشكلة، والمشكلة الأكبر أنك بذلك تبرر لنفسك تجاهلك شبه التام لدينك وعدم أخذك له بالجدية اللازمة.

أراد أمجد أن يُلقي إليه بطوق نجاة، دون أن يحيد عن الحقّ، قال:

في الحقيقة هم متخصصون فيما يظنون أنه الدين؛ أي في الدين كما تسلموه عن أسلافهم؛ أي في تلك المومياء التي تمَّ تحنيطها في القرن السابع الهجري، فعملهم الأساسي مجرد الحفاظ على هذه المومياء، وهم بالطبع أدرى بدينهم، وبأسسه، وبكل تفاصيله، وبأسماء كل من ساهم في تشييده، وبالسير الذاتية لكل واحدٍ فيهم، ولذلك لا يمكن بالطبع قبول أي كلام لأي متطفل عليهم!

أما القيمة الحقيقية ومقدار الضرورية ودرجة المصداقية لكل ذلك فتلك مسألة أخرى، وبالطبع لا يجوز التسليم لهم في تقييمهم لدينهم، أو لما يظنونه عن أنفسهم، أو عملهم، فلا يجوز اعتبار كلامهم بمثابة أحكام مطلقة، ولا فهمهم بمثابة حقائق مطلقة، فمن الواضح تمامًا أن مجال تخصصهم لا يندرج أصلًا في فئة العلوم المنضبطة.

وكما يمكن أن يتخصص المرء في أي شيء مما يُسمَّى بالعلوم الإنسانية كذلك يمكن أن يتخصص فيما يسمونه بالدين، حتى وإن كان لا يؤمن به، وأبسط دليل على ذلك أنهم يبجلون مشايخهم الحاصلين على الدكتوراة في أمور دينية من جامعات غربية، فهؤلاء المشايخ تتلمذوا في دينهم على أيدي من لا يؤمنون به، فالأمر تقني محض، وبذلك فليس لأحدهم أن يطلب لنفسه قداسة أو تبجيلا كالتي يحصل عليها الزعماء الروحانيون في الأديان الأخرى، فهم لم يتلقوا أي إعداد روحاني، وليس لأحد أن يتبرع من عنده ليزعم لهم أي زعامة على المستوى الروحاني.

ولكونهم موظفين مهنيين فهم غير معنيين إلا بمهنتهم كمهنة، وكما ترون هم تركوا الساحة والفضائيات للسلفية رغم موقف السلفية منهم، وهذا فضلًا عما يجلبه لهم من مكاسب طائلة من الرعاة الدوليين للسلفية، يرفع عنهم كافة الأعباء الدينية الأخرى، والشيطان الذي يرعاهم يدرك تمامًا أن كنزهم الاستراتيجي هو كمية الجهل والتخلف ووجود الجهلة والمتخلفين.

رغم أن تدخل أمجد كان بهدف تخفيف الضغط الواقع على ماهر، إلا أن كلامه الأخير كان يمسه بطريقة مباشرة، ومما زاد الطين بلة أن سمير لم يُقصر في اغتنام الفرصة، فقال:

أقول دائمًا إن المشكلة أن الدراسات العملية لا تكفي لنزع التخلف المتجذر في النفوس، والجهلة والمتخلفون هنا ليسوا فقط الغوغاء غير المتعلمين، لذلك قد تجد أستاذا جامعيا في الطبّ أو الهندسة يمكن أن يخرّ ساجدًا لصبي غرّ يعتقد هو أنه متخصص في الدين أو من (أهل الذكر) أو يقدس أعرابيا مجرمًا كان مولعا بسفك الدماء وسبي النساء وبنكاح الصغير أو مدمنًا لبول البعير.

ضج الحضور بالضحك، لم يستطع أحد أن يتمالك نفسه، أما الأستاذ ماهر الذي كان الفريسة فلم ينسَ ما حدث أبدا.

قال محسن:

إن مصر لا تعاني من المذهب الوهابي فقط، ومكانة المرأة تدنت وتدهورت في مصر منذ أن هجرت دينها القديم واعتنقت الأديان والمذاهب الوافدة من خارجها، ولم تعرف مصر الإسلام بصورته الحقيقية أبدا، ومن قبل ظهور المذهب الوهابي خضعت مصر للمذهب الأعرابي الأموي العباسي، ولكن المصريين فرضوا عليه حب أهل البيت والنزعة التصوفية، وهذا ما أكسبه نوعا من الرقي والتسامح، أما الأزهر فكان في العصر العثماني مركز الجهل والتخلف والانحطاط الحضاري، ومن بعد محاولة حكام مصر الأخذ بأسباب الحضارة كان عقبة رهيبة في سبيلها، واستعادة المرأة في مصر لحريتها تمت رغم أنف الأزهر ورغم مقاومته الشديدة، ويمكن لمن يرغب في التعمق أن يقرأ شيئا عن المعركة الهائلة التي ترتبت على أعمال قاسم أمين والتي اندلعت في مصر وامتدت إلى الشام والعراق، ولم يتحقق أي تقدم حضاري في مصر إلا رغم أنف ما فيها من أديان، وكان التقدم متناسبا مع مقدار البعد عنها تناسبا طرديا، والهجمة السلفية والوهابية الشرسة على مصر في عهد السادات كانت رد فعل لمحاولتها التحرر من قبضة التخلف في العصور السابقة.

*******

1

1.png