الميزان

إن الكتاب يتضمن الميزان، والميزان هو جماع الموازين الجزئية والتفصيلية التي تُقدَّر بها وتقوم الأمور أو الكيانات الأمرية، فهو يناظر ما يسمي بالمنطق، بيد أنه يتفوق عليه من حيث المدى والعمق والإحاطة ويتضمنه، وتلك الموازين تتضمن المقاييس المركوزة استعداداتها في الملكة الإنسانية الذهنية ومن ذلك إدراك التماثل وإدراك الاختلاف وامتناع التسوية بين المختلفين وطرق الاستدلال والاستنباط انطلاقا من مقدمات يقينية، ومجال الموازين يتضمن الكيانات الأمرية اللطيفة والمعنوية.

والذي اقتضى الميزان هو:

1. ترتب الأسماء الإلهية في أنساق يقتضي كل نسق منها منظومة من القوانين والسنن، فللسنن التي اقتضاها النسق الأعلى والأكثر إحكاما التقدم والسيادة على السنن التي اقتضاها النسق الأكثر تفصيلا، وهذا يقتضي أيضا أن يكون للسنن المتعلقة بالكيان الإنساني الجوهري التقدم على سائر مكوناته الأخرى، وللسنن التي اقتضاها الكيان الأكبر كالأمة التقدم على السنن الخاصة بالفرد مثلا، وللسنن الخاصة بالأمر الكلي أو المقصد الأعظم التقدم على السنن الخاصة بالأمر أو المقصد الجزئي.

2. وجود المثاني والحلقات الإلهية، وهي التي اقتضت الارتباطات الإيجابية بين الأمور وما يمكن أن ينشأ بينها من علاقات متعددة.

3. الارتباطات والتداخلات بين الأسماء والمثاني والحلقات الإلهية، والارتباطات بين الأسماء التي تتضمنها المثاني والحلقات الإلهية، وهي التي اقتضت الكلمات والسنن التي لا تبديل لها ولا تحويل.

فالميزان هو جماع ما تضمنه الكتاب من معايير للحكم على الأمور وتقدير القيمة الحقيقية لكل أمر أو نهي ولترتيبها فيما بينها، فالموازين والمعايير من مقتضيات مقاصد الدين العظمى والفرعية ومنظومة القيم الرحمانية، فبمعرفة كل ذلك يمكن ترتيب الأولويات وإعطاء الوزن الملائم لكل أمر فلا يعطى الإنسان وزنًا لأمر ما على أسس غير موضوعية أي غير حقانية ولا يتضخم أمر جزئي أو فرعى على حساب أمر كلى أو أصلى.

ومن ذلك مثلا يتبين أن أعظم الأمور الدينية وزنا هو معرفة الله تعالى بأسمائه الحسنى الواردة في الكتاب لأنها الأساس الذي ينبغي أن تبنى عليه سائر الأمور الأخرى، فالأسماء الحسنى هي الأسماء التي أمر الله تعالى الناس أن يدعوه بها أي أن يعرفوه ويعبدوه بها، فمن دعاه بأسماء من عنده فما عبد الإله الذي أنزل القرءان وما أخلص له الدين فكيف يرجو خيرا من عبادة كهذه؟

فلأمور الدين الكبرى الأساسية مثل موازين الأمور الدينية مصدر وحيد هو كتاب الله تعالى، فهو النص الوحيد الذي تكفل الله تعالى بحفظه للعالمين وألزمهم باتباعه وكل مصدر آخر إنما هو كذلك فيما يتعلق بالأمور الثانوية فقط وهو إنما يستمد شرعيته مما ذكره كتاب الله، فتلك المصادر الأخرى إنما هي لخدمته وللمساعدة على تدبره وفقهه أو لمساعدة أولي الأمر على استنباط ما يتفق معه مما يحتاجه كل عصر ومصر.

أما سبل صياغة المعلومات الدينية أو استنباط ما يحتاجه الناس من الأحكام فهو بإعمال الملكات القلبية في مصدر الدين الرئيس، ويمكن الاستئناس بالمصادر الثانوية إن وُجدت، ويتم ذلك بطريقة فردية أو جماعية، والآلية اللازمة لتنظيم ذلك والوصول إلى الحكم الأمثل من بين الأحكام التي توصل إليها أولو الأمر هي الشورى، ولكن كل حكم يستنبط بهذه الطريقة ينبغي أن يظل رأياً بشرياً يأخذ به الناس من باب طاعة أولي الأمر وليس باعتباره من أحكام الدين، ومن البديهي أن الصياغات الدينية التي تمت في عصور الفتن والمحن والتي بدأت رسميا بالانقلاب الأموي المشؤوم واستوت على سوقها في العصر العباسي لا تصلح لهذا العصر ولن تسهم إلا في تكريس تخلف وضعف المسلمين وكذلك في صد الناس أجمعين عن دين رب العالمين.

ومن البديهي أيضا أن الصياغة ترقي برقي العصر، ويجب القول بأن ما تعاني منه الأمة هو النتيجة الطبيعية والمنطقية لفشل تلك الصياغات وقصورها وأن القلة القليلة التي فازت ونجت هي التي أفلحت في تجاوز تلك الصياغات والتي لا تصلح إلا لتسمح للناس بالتعايش كيفما اتفق مع النظم الطاغوتية المجرمة.

وكان من أكبر النكبات التي حاقت بتلك الأمة أن تمت صياغة الدين بعد تجريده من جوهره ومقاصده وأموره الكبرى، وهذا يعنى تحويله إلى علم تقنى أجوف يختص بكيفية الأداء الشكلي لمجموعة من الطقوس وكذلك يختص بالصياغة الدقيقة لمدونات قانونية تعنى أساسا بالشكليات والاجراءات، إن صعوبة ضبط الأمور الجوهرية الوجدانية كالقيم والأخلاق وأعمال القلوب والمشاعر والأحاسيس لا يبرر استبعادها أو الزهد في تناولها، ولقد دفعت عبادة الأسلاف الناس إلى توهم أن الدين هو ما تحدث عنه الرجال التقنيون كأئمة ما يسمى بالمذاهب الفقهية أو الكلامية، ولقد تناسي الناس أن هؤلاء الأئمة لم يظهروا إلا بعد أن قضى الأمويون على بقايا خير أمة أخرجت للناس وبذلوا كل ما في وسعهم لمحو كل ما يذكر الناس بهم ومن ذلك لعن أئمة الهدي على المنابر وسبهم في المساجد وحث الشعراء على هجاء الأنصار، ولم يبقوا للناس من متنفس إلا في متابعة حركة الفتوح والتي استغلوها هم لمصلحتهم المادية البحتة لا لصالح الدعوة، وكذلك بعد استخدامهم الوضاع والقصاصين لشغل الناس بلهو الحديث عن كتاب الله.

ولقد تمت صناعة مؤسسات كهنوتية شيطانية على أعين الشياطين والمتسلطين تسهر على حفظ ورعاية ونشر وتقديس تراث الأسلاف، هذه المؤسسات توهم الناس أن الدين مجموعة من الطقوس والتقنيات والقواعد الجوفاء وقوانين تحليل وتحريم، ولقد دفع تقديس الأسلاف الناس إلى توهم أن هؤلاء المتخصصين التقنيين هم رجال الدين الحقيقيون أو أهل الذكر هم ومن عكف على آثارهم، وهؤلاء بالطبع لا يمكن أن يكونوا أندادا حقيقيين لرجال الدين في الملل الأخرى الذين يتلقون عادة قدرا هائلا من الإعداد والتأهيل الروحاني الباطني والوجداني، بل إنهم –هم وأتباعهم- من أسوأ الناس أخلاقا وأكثرهم تدهورا على المستوى الجوهري، لذلك لا غرو أن انصرف عامة الناس عما يسمى برجال الدين في الإسلام، بل وأصبحوا موضع سخريتهم وتندرهم، هذا في حين أنهم التفوا حول أئمة التصوف ومشايخه بل وحول رهبان النصارى ومن شابههم من الملل الأخرى كاليوجيين مثلا، فلقد وجدوا في هؤلاء الرقي الوجداني الذي لم يجدوه في "أرباب الاختصاص وأصحاب الشأن وأهل الذكر" المزعومين.

والمقصد من كل كتبنا هو إظهار دين الحق الذي أنزله أرحم الراحمين على من أرسله رحمة للعالمين؛ ذلك الدين الذي حاول الشياطين والسلاطين والمغضوب عليهم والضالون والمفسدون في الأرض والكهنوت والطواغيت والفاسقون الظالمون إخفاءه على مدي القرون.

ويظن الكثيرون أن انصلاح حال المسلمين لن يتم إلا بامتلاء المساجد بالمصلين، وهذا غير صحيح، ولقد توعد الله في كتابه المصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون وتلك الصفات تنطبق تماما الآن على أكثر المسلمين، إن إصلاح أحوال المسلمين لن يتم إلا بإدراكهم للمقاصد العظمي والأركان الحقيقية للدين وعملهم على تحقيقها والقيام بها، وهذا يتضمن معرفة منظومة القيم الإسلامية والتزكي بالتحلي بها والتطهر مما يناقضها.

والكتاب العزيز مصاغ بطريقة إعجازية محكمة ففيه المحكم والمتشابه، وآياته أحكمت وفصلت بحيث لا تنسخ، فهي تتضمن أنباءً وأخبارا في مجالات عديدة متنوعة، وبه تحدَّى الله سبحانه الإنس والجن، لذلك فإن إعجازه عميق وواسع المدى وشامل، وهذا الكتاب يتضمن الدين كله وهو الرسالة الواجبة الإتباع والملزمة للخلق أجمعين، فهو يتضمن الدين والشريعة والسنن، والشريعة هي الدين كله مترجماً إلى أنساق من التعليمات والمبادئ المحددة والسنن الواجبة الإتباع والقيم والسلوكيات والأخلاق التي يلزم التحلي بها.

ولابد من توافق كل مصادر العلوم الدينية واتساقها، فإذا ما تحدثت تلك المصادر عن ظاهرة واحدة فلا يمكن أن يكون ثمة تناقض فيما بينها، ذلك لأن الذي خلق الظاهرة هو الذي تحدث عنها في الكتاب، وهو الذي أوحى إلى رسوله بما ذكره عنها، والله سبحانه هو الهادي المطلق، وهو لا يضل إلا من أراد الضلال لنفسه وسعى إليه بفعله، فهو سبحانه يخلق له ما اختار لنفسه من حيث أنه هو الفعال والمؤثر المطلق ولا قدرة لأحد على الفعل خارج نطاق قوانينه وسننه أي خارج نطاق مشيئته، فإذا ما كان ثمة تناقض فإنه يرجع إلى أمر مما يلي:

1. إن الناس في كل عصر لا يدركون من معاني النصوص القرءانية ودلالاتها إلا ما تسمح به إمكانات عصرهم ومعارفهم وسقفهم الحضاري، ثم يأتي من بعدهم من يعمل على تقديس وتوثين معارف وكتابات وآراء أسلافهم، ولا يسمحون أبدًا بمراجعتها ويجعلون من أسلافهم حججا على الحق، وقد يكذِّبون حتى ما يرونه بأعينهم في سبيل ألا يخطِّئوا أسلافهم.

2. أكثر الناس لا يأخذون تعهد الشيطان بأن يضل أكثر الناس على محمل الجد رغم أنه مذكور أكثر من مرة في القرءان، ذلك لأنهم أعرضوا من قديم عن القرءان مع المغالاة في الترديد الآلي له، فقد كفروا في الحقيقة به، وقدموا عليه أي شيء دونه، فأكثر الناس في الحقيقة كافرون، وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين، والشياطين لا يكفون عن الإلقاء في الأديان والرسالات، ويتلقى هذه الإلقاءات من هم أقرب إليهم من الإنس، والآثار التي أُلحقت بالدين في عصور سالفة نتيجة للإلقاءات الشيطانية تصبح بذلك للخلف تراثا مقدسا، يخرون لها ساجدين، وعليها يعكفون ويهرعون، وهي ليست إلا ألغاما موقوتة تنفجر في وجوه المؤمنين كلما تقدم العصر وكشف التطور زيفها وبطلانها فيذهب الكثيرون ضحية لها ويُصدّ الكثيرون عن سبيل الله بسببها.

3. وجود آثار موضوعة بفعل شياطين الإنس الذين أرادوا عن عمد الكيد لهذا الدين، ولقد بدأ ذلك بفعل الشعوب المقهورة بعدما روعتها انتصارات الإسلام الباهرة وكذلك بعدما أثار حنقهم النزعات العربية العدوانية والعنصرية التي استفحلت بعدما استولى الأمويون على ولاية الأمر.

4. وجود آثار وضعتها الشيع المختلفة لمناصرة مذاهبهم، ومن ذلك إقحام البعض لكلمة السنة في نصوص لم يرد فيها ذكر إلا للكتاب العزيز، أو ما روي من فضائل أو مناقب مفتعلة لبعض الأسلاف مثلما فعل أهل السنة أو ما روي من آثار فيها غلو في أمر أهل البيت مثلما فعل الشيعة.

5. وجود آثار بنيت على أصل صحيح ثم حرفت من حيث المعنى أو أدرج فيها ما ليس منها انتصاراً لمذهبٍ أو لرأيٍ ما مثل إدراج عبارة (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) في الحديث بدلًا من عبارة (حدثوا عني ولا حرج)، أو إدراج الترمذي لقائمة بأسماء أوهم الناس أنها هي الأسماء الحسني المطلوب إحصاؤها.

6. النقل عن أهل الكتاب بغير حرج ولا حساب فتسربت أساطيرهم إلى التراث الإسلامي.

7. النقل عن الأديان والملل السابقة لما ظن البعض أنهم يستكملون به الدين خاصة بعد أن اختزل كما هو معلوم، بالإضافة إلى حرص الشعوب التي اعتنقت الإسلام على الإبقاء على ما هو عزيز عليها من تراثها القديم بعد إكسابه ثوبًا إسلاميا.

8. إهمال إعمال النهج القرءاني الداعي إلى تزكية وتنمية الملكات وإعمالها في مجالاتها المذكورة في الكتاب وهي آيات الكتابين المقروء والمشهود.

9. ويجب على الإنسان ألا ينكر المعلومات المتعلقة بأمور غيبية أو بأمور لا يمكن أن يعلم تأويلها إلا الله تعالى خاصة بعد أن علم بمدى محدودية ملكاته وضيق نطاقها، ولذا فعليه أن يؤمن بكل ما جاء في الكتاب العزيز وبكل ما يتفق معه من الآثار والمرويات.

إن الصدق المطلق للقرءان يظهر في الأثر المباشر لآياته ومعلوماته وأوامره ونواهيه، فالأشياء المنهي عنها لابد أن لها آثارها السيئة على الإنسان والأشياء المأمور بها لابد أن لها آثارها الحسنة، والمعلومات التي يتضمنها لابد من صدقها المطلق الذي يظهر شيئا فشيئا ولا يمكن أن تكتشف حقيقة علمية تناقض شيئا ذكره القرءان.

*******

عدد المنشورات الفرعية : 65