الشمس والقمر لازمان للعلم بعَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ

الشمس والقمر لازمان للعلم بعَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ، القمر وحده غير كافٍ، وكل الشعوب القديمة تعلمت الحساب من دورات الشمس والقمر، وليس من القمر فقط، بل إن الحضارة المصرية، وهي أعرق وأرقى الحضارات القديمة اكتفت بالشمس.

فطبقًا للقرءان لابد من الشمس لمعرفة عدد السنين.

قال تعالى:

{هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون} [يونس:5]

الآية تقول بكل وضوح أنه لجعل الناس يعلمون "عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ" جَعَلَ اللهُ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ، فتعلُّم الإنسان عدد السنين والحساب من مقاصد خلق الشمس والقمر وكل ما يتعلق بهما من حركة، هذا هو المعنى الذي ثبت على مدى التاريخ، فكل الحضارات الكبرى تعلمت عدد السنين والحساب من الشمس والقمر وما يتعلق بهما من حركات، وليس من حركات القمر فقط.

واسم الإشارة ذَلِك المذكور بعد "لتعلموا" يشير إلى كل ما هو مذكور في مطلع الآية؛ أي جَعل الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَتقديره مَنَازِلَ، فكل ذلك مخلوق بالحق، وليس اعتباطًا أو جزافا.

والضمير في "قَدَّرَهُ" يعود على القمر، فهو الذي قدره الله منازل، أما ما يلزم لعلم "عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ" فهو ما هو مذكور في الآية: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ"، فحرف اللام المذكور في "لِتَعْلَمُواْ" هو لبيان القصد الوجودي من كل ما هو مذكور قبلها وليس لجزء منه فقط، فلا يوجد أي مبرر لقصره على جزء دون جزء، وهذا ما ثبت على مدى التاريخ البشري الذي كان مصدقا للآية، والتي هي ليست خاصة بالأعراب فقط بالطبع، وكل الشعوب العريقة في الحضارة تعلمت عدد السنين والحساب من حركات الشمس والقمر التي قدَّرها العزيز العليم بحسبان كما ذكر في القرءان.

وبعض (المفسرين) يقصر العلم بعدد السنين على تقدير منازل القمر فهل تقدير منازل القمر كان هو وحده سبب العلم بالحساب؟ كلا بالطبع، فللعلم بعدد السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ذكر الله تعالى أنه فعل ما يلي:

1. جعل الشمس ضياء.

2. جعل القمر نورا.

3. قدَّر القمر منازل.

فلا يجوز حذف أول شيء مذكور، والخطاب موجه للبشرية جمعاء، وليس للأعراب فقط لكي يحتجوا بفعل نسبوه للأعراب دون علم من هؤلاء الأعراب.

والنحاة وأكثر المذاهب يسمون اللام في "لِتَعْلَمُواْ" لام التعليل، وهي لام التعليل نحويا بالفعل، ولكن لا يجوز أن تُسمَّى بـ(لام التعليل) عندما تُنسب إلى الله تعالى، ولقد قرر الأشاعرة أن أفعال الله لا تُعلل حتى بالحكمة، وهم حاولوا استشراف الحقيقة، ولكنهم ضلوا، وأدى ضلالهم إلى نفي السببية.

أما نحن فنقول إن هذه اللام هي "لام بيان القصد"، فبها يظهر الله ويبين مقصده من أوامره للناس، أما الناس فهم كائنات مخيرة، لن يتحقق القصد فيهم وبهم إلا بمقدار ما يبذلونه من جهد في الاتجاه السليم، المسمَّى بالصراط المستقيم.

ولم يحدث أبدًا أن كان القمر ومنازله فقط سبب العلم بالحساب، ومن يحاولون قصر سبب العلم بعدد السنين والحساب على القمر ومنازله لن يكون لديهم أي مبرر لذكر الشمس في الآية، هذا فضلا عن تجاهلهم لما حدث على مدى التاريخ البشري بالفعل، وتجاهلهم أيضًا لكون حركة الشمس هي أساس تحديد مواقيت الصلاة، وهم بالفعل لن يكونوا إلا آلات للشيطان لصدّ الناس عن سبيل الرحمن، فسيقول لهم من هو غير مسلم: (دينكم يقول أن الإنسان تعلم عدد السنين والحساب من منازل القمر المقدرة فقط، بينما الحقيقة التاريخية الدامغة أنه تعلمها أساسًا برصد حركات الشمس، وكان القمر عاملا مساعدا).

فلو كان جعل القمر نورا وتقديره منازل هو السبب الوحيد للعلم بعدد السنين لكان أيضًا السبب الوحيد للعلم بالحساب، وهذا باطل تماما، فالشعوب المتحضرة تعلمت الحساب أساسا من مراقبة حركات الشمس، وأتباع أديان عديدة كانوا يعتمدون على الشمس لحساب توقيتات صلواتهم وأعيادهم، والمسلمون أنفسهم يعتمدون على الشمس لمعرفة حساب وتوقيتات الصلوات الخمس وبداية الصيام اليومي ونهايته.

وزعمهم تدحضه أيضًا الآية: 

{فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} الأنعام96، 

فجعل الشمس والقمر معًا حسبانا يعني أنهما معا كانا لازمين للعلم بالحساب.

ومن المعلوم أن حساب اليوم إنما يكون بالشمس، وحساب توقيتات الصلاة إنما يكون أيضا بالشمس،وحساب نهار الصيام هو أيضًا بالشمس، وبذلك يكون احتجاجهم بهذه الآية لجعل القمر هو وحده أساس الحساب باطلا من كافة الجوانب، ويجعلهم مكذبين بحقائق قرءانية وتاريخية، وبالتالي يكون قولهم بأن القمر فقط هو المستعمل لبيان عدد السنين باطلا أيضا، فالحكم واحد.

وكذلك قال تعالى:

{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا} [الإسراء:12]، {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَان} [الرحمن:5]

فالآيات تتضافر لتبين أنه لابد من الشمس والقمر معًا لمعرفة عدد السنين والحساب، وهذا يعني أن التقويم يجب أن يكون شمسيا قمريا.

إنه لابد من دخول الشمس والقمر معًا في حساب التقويم، لذلك فجَعْل القمر وحده أداة لحساب السنين هو خطأ جسيم ومخالفة للأوامر القرءانية، قال تعالى: 

{فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} الأنعام96، {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} يونس5، {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَان} [الرحمن:5]، {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12)} الإسراء، 

فللعلم بعدد السنين والحساب لابد من الشمس والقمر، وهذا ما ثبت بالتاريخ البشري وبتاريخ العلوم والحساب.

عدد المنشورات : 458