بطلان عقيدة البداء الشيعية 1

بطلان البداء


أحدث الشيعة هذا المصطلح للتغلب على مشكلة خاصة بالإمامة، وكان عندهم يعني بكل صراحة أن الله سبحانه قد بدا له أمرٌ آخر فيمن هو أحق بالإمامة!

ولما استبشع هذا بعضهم ونتيجة للهجوم عليهم من المذهب المعادي لهم غلوا في أمره غلوًّا شديدا حتى زعموا أنه واحد من أمرين بُعث كل الأنبياء بهما، وأنه ما عُظِّم الله بشيءٍ مثله.

ولكن لم يُغنِ عنهم ذلك شيئا فأخذوا مجموعة من الأفعال الإلهية الثابتة، والتي لا خلاف عليها بين المسلمين، وأطلقوا عليها جميعًا لفظ البداء، هذه الأفعال يجمع بينها أنها كل ما جُعلت أفعال الناس سببًا ظاهرًا له بمقتضى السنن، أفعال الناس هذه منها: الدعاء، أعمال البرّ مثل صلة الرحم، الاستغفار، التوبة ......

كما جعلوه يشمل بعض الأفعال والتدبيرات والتصريفات الإلهية، ومنها: محو الباطل، محو أعمال الكفار والمفسدين، محو آية الليل، محو بعض الأشياء، تغيير بعض الشرائع من قومٍ لقوم أو من زمنٍ لآخر ... الخ.

كما ضموا إليه النسخ بكافة معانيه الصحيحة والباطلة.

كما أخذوا بعض الآيات القرءانية وحاولوا تأويلها ابتغاء جعلها تنطق بهذه العقيدة.

وبالطبع لا علاقة لكل ذلك بمفهوم البداء، والأمر الذي عند الله بخصوص مسألة محددة هو واحد، فالتقدير الإلهي حقٌّ مطلق، أما الذي يمكن تغيره فهو تقديرات من هم من دونه مثل تقديرات الملائكة الموكلين، وتقديرات عباده الصالحين، وتقديرات سائر الناس.

أما الأفعال الإلهية فهي ثابتة ومنصوص عليها، ومجالات عملها معلومة، ولا يحق لأحد تغيير مجالات عملها لإثبات أمرٍ محدث أو لتمرير مصطلح يتضمن مفاهيم خاطئة.

ويجب تذكر دائما العلوّ الإلهي المطلق فوق الزمان والمكان والأكوان.

أما النسخ فهو مسألة أخرى، وفيه ما هو حق وباطل، والحق فيه ثابت بآيات القرءان، فالحق هو نسخ أحكام شريعة سابقة بشريعة جديدة، أو نسخ بعض الآيات الكونية، أو نسخ أسلوب التعامل مع أقوام الرسل.

أما التشبث بعقيدة البداء فهو يتضمن انتقاصًا من طلاقة وكمال السمات الإلهية وإخضاعًا له سبحانه للأمور الزمنية وتشبيهًا له بخلقه وتقولا عليه بالباطل، وسوء تأويل للآيات القرءانية وإحداث عقيدة في الدين لا أصل لها في كتاب الله العزيز.

*******

أحد الشيعة يظن أن القدرة الإلهية تعني أن يغير الله تعالى ما يقدِّره هو، وهذا مثال لما يمكن أن يؤدي إليه التشبث بالباطل!

الله تعالى لا يناقض نفسه، ولا يغير تقديراته، تقديراته تستند إلى ما هو له من الكمال الذاتي الواجب المطلق، الله تعالى يغير تقديرات غيره، ولا يغير تقديرات نفسه.

*******

منذ أن نشرنا قولنا عن البداء والشيعة لا يملون من اتهامنا بأننا حكمنا عليها بناءً على كلام الآخرين، وليس بالاطلاع عليها من مراجعهم هم، وأرسلوا إلينا أقوالهم فيه من الكتب المعتمدة، فضلا عن شرائط فيديو، ولم نجد فيها جديدا، بل وجدنا ما يؤكد حقانية قولنا وخطورة الأخذ بهذه العقيدة الباطلة، وقد فندنا هذه الأقوال جميعًا، وأكثر أقوالنا فيها منشورة، فنرجو من المتابعين المولعين بالبداء أن يوفروا مجهوداتهم وألا يضيعوا وقتنا بلا جدوى وألا يطلبوا قبول صداقة أحد ليجادلنا فيه، ونقول لهم:

البداء مهما قلتم أو زعمتم يتضمن انتقاصًا من الكمال الإلهي الواجب المطلق، ومن الأولى أن تغضبوا لربكم، وليس لما ألفيتم عليه أسلافكم.

*******

أرسل أحدهم عقيدتهم في البداء، وها هي كما أرسلها مع تصحيح بعض الأخطاء الإملائية:

(((البداء في الانسان: أن يبدو له رأي في الشيء لم يكن له ذلك الرأي سابقا، بأن يتبدل عزمه في العمل الذي كان يريد أن يصنعه، إذ يحدث عنده ما يغير رأيه وعلمه به، فيبدو له تركه بعد أن كان يريد فعله، وذلك عن جهل بالمصالح وندامة على ما سبق منه.

والبداء بهذا المعنى يستحيل على الله تعالى لأنه من الجهل والنقص وذلك محال عليه تعالى ولا تقول به الإمامية، قال الصادق عليه السلام:

(من زعم أن الله تعالى بدا له في شئ بداء ندامة فهو عندنا كافر بالله العظيم) وقال أيضا (من زعم أن الله بدا له في شئ ولم يعلمه أمس فأبرأ منه).

غير أنه وردت عن أئمتنا الأطهار عليهم السلام روايات توهم القول بصحة البداء بالمعنى المتقدم، كما ورد عن الصادق عليه السلام: (ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني) ولذلك نسب بعض المؤلفين في الفرق الإسلامية إلى الطائفة الإمامية القول بالبداء طعنا في المذهب وطريق آل البيت، وجعلوا ذلك من جملة التشنيعات على الشيعة.

والصحيح في ذلك أن نقول كما قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب). ومعنى ذلك أنه تعالى قد يظهر شيئا على لسان نبيه أو وليه أو في ظاهر الحال لمصلحة تقتضي ذلك الإظهار، ثم يمحوه فيكون غير ما قد ظهر أولا، مع سبق علمه تعالى بذلك، كما في قصة إسماعيل لما رأى أبوه إبراهيم أنه يذبحه، فيكون معنى قول الإمام عليه السلام أنه ما ظهر لله سبحانه أمر في شيء كما ظهر له في إسماعيل ولده إذ اخترمه قبله ليعلم الناس أنه ليس بإمام، وقد كان ظاهر الحال أنه الإمام بعده لأنه أكبر ولده.

وقريب من البداء في هذا المعنى نسخ أحكام الشرائع السابقة بشريعة نبينا (ص)، بل نسخ بعض الأحكام التي جاء بها نبينا))).

الردّ

لا علاقة لكلامهم بالآية التي استشهدوا بها، فمجال المحو والإثبات ليس التقديرات الإلهية، وإنما هو أمور كونية مثل آية الليل، أو ذنوب المستغفرين طالب العفو، أو أعمال الكافرين، ... الخ، أما موضوع الإمامة، فهو خاصّ بهم، لا تُقام به حجة على غيرهم، وهو، على كل حال يدينهم، ويكشف المعنى الباطل لعقيدتهم في البداء، فاستشهادهم بما حدث يكشف المفهوم الحقيقي للبداء عندهم.

وقولهم ((أنه تعالى قد يظهر شيئا على لسان نبيه أو وليه أو في ظاهر الحال لمصلحة تقتضي ذلك الإظهار، ثم يمحوه فيكون غير ما قد ظهر أولا، مع سبق علمه تعالى بذلك)) لا يجوز الاستدلال به، فالفعل الإلهي هنا لا يمكن أن يوصف بالبداء، هم يجعلون البداء بمعنى إبداء، وهذا غير صحيح، فالفعل "بدا، يبدو" ليس هو الفعل "أبدى، يبدي"، وفاعل الفعل "بدا" هو الأمر الذي ظهر، أما فاعل الفعل المتعدي "أبدى" فهو الذي أظهر الأمر.

مثال: بدا لفلان أن يأكل، فالمصدر المؤول "أن يأكل" هو الذي بدا لفلان.

أما قصة إسماعيل، فلا يحق لهم الاحتجاج بها، إن إبراهيم رأى رؤيا، فأخذ بظاهرها دون أن يطلب تأويلها، وكل رؤيا تستلزم تأويلا، فلفرط تقواه وخشيته من ربه وامتثاله لأمره وحبه له أخذ بظاهرها، ولكن لم يكن هذا الذبح هو المقدر عند الله تعالى، ولذلك فدا الله تعالى إسماعيل بذبحٍ عظيم.

فالأمر كان ابتلاءً لإبراهيم، والأمر المقدر هنا هو أن إبراهيم سيبادر بطاعة ما تصور أنه أمرٌ من ربه.

سيقولون إن رؤيا الأنبياء لا تحتاج إلى تأويل، وهذا غير صحيح، رؤى المنام تحتاج دائمًا إلى تأويل، وقد يتركهم الله تعالى وما تبادر إلى أذهانهم ابتلاءً لهم وللناس، وقصة رؤيا يوسف عليه السلام حجة عليهم.

وهم يجعلون استجابة الدعاء من البداء، ومن الغريب أن يضعوا فعلا إلهيا ثابتًا تحت فعلٍ أحدثوه!

إنه يجب العلم أن الدعاء هو من الأسباب الوسائل المعلنة في القرءان للحصول على شيءٍ مما عند الله، واستجابته تتم وفق السنن الإلهية.

مثال: الله تعالى يبتلي الناس، فبافتراض أنهم ركبوا الفلك فهاجمتها العواصف والأمواج، فدعاه بعضهم مخلصين له الدين، ولم يدعه الآخرون، فنجى الله تعالى من دعاه، ونجى بعض من لم يدعوه، وكذلك نجى بعض من يجيدون السباحة.

فالأمر كله كان مقدرًا عند الله تعالى، ومن سننه أنه جعل الدعاء وإجادة السباحة من أسباب النجاة في مثل هذه الحالة، فلا مفاجآت بالنسبة إليه.

وهذه الأسباب قد لا تكون الأسباب الكافية، فربما كان لابد من توفر أسباب أخرى.

وبالنسبة لله تعالى يتطابق الأمر المتحقق مع الأمر المقدر، وذلك بمقتضى الإحاطة الإلهية المطلقة، أما بالنسبة للملائكة مثلا فقد لا تتحقق تقديراتها تحققا تاما لكون علمهم لا يرقى إلى مستوى العلم الإلهي.

*******

الدعاء هو الوسيلة

الدعاء وسيلة وعبادة، وكل المسلمين مأمورون بأن يدعوا الله مخلصين له الدين، وألا يدعوا أحدًا من دونه، وصيغ الدعاء القرءاني معلومة، وقد أجراها الله تعالى على ألسنة عباده المصطفين الأخيار، وذكرها في القرءان، فهي أولى من غيرها، ويليها ما يصدقها من صيغ الدعاء المأثورة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، ومن الصيغ القرءانية:

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار، رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيم، لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين، رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا، رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير، رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم .......

*******

الدعاء عبادة، لذلك يجب أن يكون موجهًا إلى الله تعالى، فالسؤال يكون موجهًا صراحة إلى الله تعالى، هذا واضح، والتوسل إليه يكون باسمٍ من أسمائه الحسنى.

والتوسل إليه هو سبحانه برسوله لا حرج فيه، وكما قلنا يمكن استعمال الصيغ المأثورة عن الرسول في الدعاء.

أما غير المشروع فهو توجيه الدعاء إلى عبدٍ مخلوق، فالدعاء عبادة.

*******

عدد المنشورات الفرعية : 63