حب الصليبيين للأيوبيين وكراهيتهم للمماليك

الصليبيون أثبتوا فشل سياسة الدولة الأيوبية في التعامل معهم، كانت سياسة الدولة الأيوبية قائمة على التسامح الشديد مع الصليبيين والعداء المفرط للمسلمين المختلفين عنهم.

ولكن لأسباب عديدة كان آخر سلطان أيوبي حقيقي وهو الملك الصالح نجم الدين أيوب معاديا بشدة للصليبيين ولمن تحالفوا معهم من أمراء الشام الخونة.

وقد أنشأ نظام المماليك البحرية (نسبة إلى بحر النيل، فالنيل بحر، وليس نهرا) على غرار نظم الفرسان الأوروبية، وهؤلاء نشأوا على الولاء المطلق للإسلام والنفور الشديد من الصليبيين، وكان ذلك استجابة للشعور المصري العام ضد الصليبيين بعدما فعلوه في دمياط في الحملة الصليبية الخامسة.

يقول المؤرخ ابن واصل إن الصليبيين قالوا في اجتماع للتشاور عقدوه في عكا إن الملك صلاح الدين الأيوبي قد حقق إنجازاته بملكه ديار مصر وتقويه برجالها، لذلك قرروا أن يكون الاستيلاء على مصر هو هدف الحملة الصليبية القادمة.

هاجموا دمياط بجيش مكون من عشرات الألوف من الفرسان، وحوالي 200 ألف من المشاة (يوجد مبالغة بلا شك في هذا العدد، ولكن الحملة ساهمت فيها كل أوروبا من المجر إلى فرنسا)، صادفت الحملة وفاة الملك العادل وتولي ابنه الملك الكامل ملك مصر، وكما سيحدث في حملة لويس التاسع من بعد، انسحب الجيش بسبب الصراع الذي نشأ على السلطة بسبب تذمر الأمراء من تولي الكامل أمر البلاد.

استولى الصليبيون على معسكر الجيش بكامل عتاده وثرواته، وكان شيئا يجل عن الوصف كما يقول المؤرخون، ثم حاصروا دمياط.

ولكن أهل دمياط دافعوا عن مدينتهم لأكثر من 16 شهرا دون أن يمد لهم الملك الكامل يد العون حتى فتكت بهم المجاعة، لم يكن أمامهم إلا الاستسلام على أن يتعهد الصليبيون بحماية أرواحهم.

ولكن هؤلاء الهمج من عبيد الصليب نكثوا بعهودهم، وضعوا السيف في أهل المدينة، وأخذوا فتياتها وفجروا بهن في المسجد الذي حولوه من بعد إلى كنيسة!

أضاع الصليبيون وقتًا ثمينا في انتظار جيش ألماني، فلما وصل قرروا الزحف جنوبا، كان الملك الكامل قد أعدّ عدته وجمع جيوشه، وبنى مدينة المنصورة، واستعد لاستقبالهم، كان ميالًا للسلام، عرض عليهم، أن يعطيهم القدس وطبرية واللاذقية وجبلة وجميع بلاد ساحل الشام في مقابل دمياط، مما يبين أن دمياط كانت أهم عنده من القدس، كان براجماتيا أصيلا!

رفض العرض مندوب البابا وقادة فرسان الهيكل والإسبتارية، كان وراء الرفض رغبة قوى أوروبا التجارية الصاعدة في الاستيلاء على أهم ميناء بحري في الشرق في ذلك الوقت، لم يبق من حل إلا القتال، أرسل الأسطول المصري ليدمر أسطولهم وليحاصرهم، فنجح في ذلك، أطلق المصريون النيل في ميعاد فيضانه عليهم، فحوصروا، حاولوا الارتداد إلى دمياط، فوقعوا في كمائن قاتلة أعدها لهم أهل البلاد، قرروا التباحث من أجل النجاة بأنفسهم، عرضوا أن يجلوا عن دمياط دون قيدٍ أو شرط وتوقيع هدنة لمدة ثماني سنوات، لم يصدق الأسرى منهم حسن معاملة المصريين (الذين يعتبرونهم كفارا) لهم رغم ما فعلوه في دمياط، حتى ظنوا أنهم ملائكة!

رفض قادة الجيش المصري ذلك العرض وأصروا على وجوب إبادتهم واسترداد كامل ساحل الشام منهم، ولكن الملك الكامل قبل عرضهم!!

قام الملك الكامل من بعد بإهداء القدس إلى صديقه الإمبراطور الألماني المستعرب فريدريك الثاني الذي كان يقيم في صقلية، وكان مولعًا بالحضارة العربية وعدوا لدودا لبابا روما الذي كان قد أصدر قرار الحرم ضده ورماه بالهرطقة.

ولكي يعوض نفسه عن تضييعه للقدس زحف على دمشق، واستولى عليها، يُذكر له أنه عندما سمع بما فعله المغول والتتار بالدولة الخوارزمية وفارس زحف بكامل الجيش المصري إلى الموصل للتصدي لهم سنة 1231م، وقيل إن تسامحه مع الصليبيين كان ليتفرغ لقتال المغول والتتار.

ولكن المغول تراجعوا، فتأجل إلى حين الصدام المحتوم بين قوة المغول الصاعدة وبين القوة الوحيدة في المنطقة التي يمكنها التصدي لهم؛ قوة مصر.

أما المماليك فلم يبدوا تجاه الصليبيين أي تسامح أو تهاون أو تخاذل، اشتبكوا معهم في معارك مصيرية، كان الظاهر بيبرس لا يعقد معاهدة مع إمارة إلا ليتفرغ لتأديب إمارة أخرى أو القضاء عليها.

بعد القضاء على إمارة إنطاكية أرسل الظاهر بيبرس رسالة بالأسلوب المصري الساخر إلى أميرها الذي كان قد فرّ إلى قبرص يقول فيها:

"فلو رأيت خيّالتك وهم صرعى تحت أرجل الخيول، وديارك والنّهابة فيها تصول، والكسّابة فيها تجول، وأموالك وهي توزن بالقنطار، وداماتك وكل أربع منهنّ تباع، فتشتري من مالك بدينار

ولو رأيت كنائسك: وصلبانها قد كسرت، وصحفها من الأناجيل المزوّرة قد نشرت، وقبور البطارقة قد بعثرت، ولو رأيت عدّوك المسلم داس مكان القداس والمذبح، وقد ذبح فيه الراهب والقسيس والشماس، والبطارقة قد دهموا بــــ"طارقة"، وأبناء المملكة، وقد دخلوا في المملكة، ولو شاهدت النيران وهي في قصورك تحترق، والقتلى بنار الدنيا قبل نار الآخرة تخترق، وقصورك وأحوالها قد حالت، وكنيسة بولص وكنيسة القسيان وقد تركت كل منهما وزالت، لكنت تقول، يا ليتني كنت ترابا، ويا ليتني لم أوت بهذا الخبر كتابا، ولكانت نفسك تذهب من حسرتك، ولكنت تطفئ تلك النيران من ماء عبرتك.

ولو رأيت مغانيك وقد أقفرت من مغانيك، ومراكبك وقد أخذت في السويدية بمراكبك، فصارت شوانيك من شوانيك، لتيقنت أن الإله الذي أنطاك أنطاكية منك استرجعها، والربّ الذي أعطاك قلعتها منك قلعها، ومن الأرض اقتلعها.

ولتعلم أنا قد أخذنا بحمد الله منك كنت قد أخذته من حصون الإسلام، وهو دير كوش، وشقيف كفردوش، وجميع ما كان لك في بلاد أنطاكية، واستنزلنا أصحابك من الصيّاصي، وأخذناهم بالنواصي، وفرقناهم في الداني والقاصي، ولم يبقى شيء يطلق عليه اسم العصيان إلا النهر، فلو استطاع لما تسمى بالعاصي، وقد أجرى دموعه ندما، وكان يذرفها عبرة صافية، فها هو أجراها بما سفكناه فيه دما.

وكتابنا هذا يبشرك أن عَلمنا الأصفر نُصب مكان علمك الأحمر، وأن صوت الناقوس صار عوضه " الله أكبر" ومن بقي من رجالك أُطلقوا ولكن جَرحى القلوب والجوارح ، وسلموا و لكن من نَدب السيوف إلى بكاء النوايح، و أطلقناهم ليُحدثوا القومص بما جرى، و يحذروا أهل طرابلس من أنهم يغترون بحديثك المفترى، وليروهم الجراح التي أريناهم بها نفادا، و لينذروهم لقاء يومهم هذا، ويفهموكم أنه ما بقي من حياتكم إلا القليل، وأنهم ما تركونا إلا على رحيل، فتعرف كنائسك وأسوارك أن المنجنيقات تسلم عليها إلى حين الاجتماع عن قريب، وتعلم أجساد فُرسانك أن السيوف تقول إنها عن الضيافة لا تغيب ..."

*******

عدد المنشورات الفرعية : 63

عدد المنشورات : 412