مصادر ومراجع الدين

مصادر الدين الأخرى

الجدول

مصادر الدين الأخرى


من مسلمات دين الحق التي يجب الإيمان بها والعمل بمقتضاها أن القرءان الكريم هو المصدر الأوحد للأمور الدينية الكبرى والمصدر الأعلى للأمور الثانوية، ومنه وحده يجب استخراج الدين بمقاصده وقيمه وأركانه وسننه، ولا يجوز أن يوضع أي مصدر آخر معه في نفس المرتبة، أو يُقرن معه في نظم واحد، وللقرءان الهيمنة والأسبقية والتقدم على كل المصادر الأخرى، وهذه المصادر إنما تستمد شرعيتها منه، وهي لا تنفرد إلا بتقديم وبيان ما هو ثانوي في الدين؛ أي بما يمكن الاستغناء عنه بما هو ماثل في القرءان، فيوجد منهج قرءاني للتعامل مع كل مصدر من هذه المصادر، لذلك من البديهي ألا يُقبل من أي مصدر ما تعارض تعارضًا مطلقًا مع ما ورد في القرءان، ولكن من البديهي أيضًا تجنب المبادرة برفض ما لم يثبت تعارضه المطلق مع القرءان.

والمصادر الأخرى للمعرفة الدينية هي:

1- ملة إبراهيم عليه السلام، والأصول اللازمة منها مذكورة في القرءان مثل إقامة الصلاة والحج والدعاء بأسماء الله الحسنى، وما ليس مذكورا هو أمور ثانوية مثل الختان، قال تعالى: {قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين} [آل عمران:95]، {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا} [النساء:125]، {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين} [النحل:123]، وملة إبراهيم قد بيَّنها الرسول للناس بقوله وفعله، هي التي حُفظت وانتقلت بالتواتر العملي المجتمعي من مئات إلى ألوف إلى مئات الألوف إلى أن دوَّنها أئمة (الفقه).

2- ما وصل إلى الأمة بالتواتر الفعلي الحقيقي من معلومات تتعلق بالأمور المجملة أو المفتوحة المذكورة في القرءان مثل الأوامر بذكر الله والاستغفار والتسبيح والدعاء.... الخ، وكذلك ما حفظ من أمور السيرة النبوية.

3- الآثار المنسوبة إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ من سيرة وأقوال وأفعال وتقريرات ورسائل والمدونة في كتب المرويات، ولا يجوز اعتبار تلك الآثار صادرة عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ بطريقة قطعية، ولا يملك أحد أن يقطع بذلك ولا أن يلزم أحدا بما يعتقده بهذا الخصوص، ذلك لأن من أكبر كبائر الإثم الكذب على الله ورسوله، فالأثر لا يؤخذ به إلا إذا توفرت قرينة إضافية، وهي أن يكون من الممكن اندراجه في الإطار العام لدين الحق الذي يتضمنه القرءان، ولابد من تمحيص كل ما نُسب إلى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ باستخدام منهج علمي صارم يفيد من تقدم أساليب البحث الحديثة، هذا مع العلم بأن أكثر ما صدر عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَبالفعل كان موجها بصفة أساسية إلى قومه وصدر جزء كبير منه قبل اكتمال الدين، ولا يمكن اعتباره نصوصا مطلقة لها نفس مرتبة الآيات القرءانية؛ فالقرءان كلام الله فليس كمثله كلام وهو العليّ الحكيم.

4- الآيات النفسية والكونية، فهي من مصادر المعرفة الذوقية بالسمات والأفعال والسنن الإلهية، وهي كذلك مما يبين للناس سبل تحقيق المقاصد الوجودية.

5- الآثار المنسوبة إلى السابقين الأولين الحقيقيين من المهاجرين والأنصار الذين لم يبدلوا تبديلا، ولا بد أيضًا من تمحيصها، ولا يُقبل منها إلا ما يكون من الممكن اندراجه في الإطار العام لدين الحق الذي يتضمنه القرءان، أما ما ثبتت نسبته إلى أئمة الفئة الباغية من سلوك وعمل فيجب أيضًا أن يؤخذ في الاعتبار حتى يمكن اجتناب التحريف وسوء التأويل الذي أحدثوه في الدين، ولابد من تمحيص كل ذلك باستخدام منهج علمي صارم.

6- كتب الله المذكورة في القرءان: التوراة والإنجيل والزبور وأسفار الأنبياء، فالمسلم مأمور بالإيمان بها، وبما يصدقه القرءان مما ورد فيها.

7- الوقائع التاريخية الثابتة.

8- ما وصل إليه الصفوة من أولي الألباب على مدي العصور ويجب عرضه على الكتاب وتمحيصه، كما يجب ألا يقبل إلا ببرهان مبين.

أما آليات استنباط الأحكام التي يأخذون بها كالقياس والإجماع والاستحسان والاستصلاح وسد الذرائع...إلخ فكلها وسائل بشرية لا يتوفر دليل شرعي حقيقي للأخذ بها، فهي لا تُعتبر من مصادر العلوم الدينية، ولا أصلا من أصول التشريع كما يزعمون، فلا يجوز أبدًا أن تقارن بمصادر العلوم والمعارف الدينية ووثائقها.

فتلك الآليات إنما هي وسائل يمكن لأولي الأمر إعمالها كمناهج بشرية للنظر واستنباط القول الأمثل في مسألة ما، وما يتمخض عن هذا الإعمال ليس بأمرٍ أو حكمٍ شرعي ديني وإنما هو حكم بشري وضعي، ذلك لأنه لا يجوز الإحداث في الدين.

فلا يحق لأحد أن يزعم أن رأيا أو حكما جزئيا توصل إليه بإعمال آلية من آليات الاجتهاد هو حكم أو أمر ديني، أما مصادر المعلومات الدينية الحقيقية فتقدم له البينات والمسلمات والمصادرات والمعلومات المسبقة، ولقد تم في كتبنا الحديث عن تلك الآليات وبيان حقيقتها، ومن يزعم لنفسه وللناس أن حكما توصل إليه بإعمال آلية بشرية هو حكم إلهي أو حكم الإسلام فقد نصَّب نفسه ربا مشرعا، ومن ارتضى له ذلك فقد وقع في الشرك، وآليات دين الحق تغني في الحقيقة عن كل ذلك.

*******

1

1.png