top of page

كتب أ.د. حسني المتعافي

من كتابنا رقم 113، منظومة القيم الإسلامية، طبعة ثانية، 2017، (1)

*المثل الأعلى

إن المثل الأعلى في أي دين أو مذهب أو عند أي طائفة أو أمة هو التجسيد العملي لمنظومة القيم والمعاني السائدة والحاكمة، وهو في كل مجتمع يشكل حافزا وضاغطا على هذا المجتمع بحيث يحاول الأفراد تقمصه وتجسيده، والمثل الأعلى في الأمة الخيرة هو الإنسان الرباني الفائق الصالح المفلح الذي هو التجسيد الحي للمنظومة الأمرية الرحمانية؛ أي منظومة القيم الإسلامية، أي المنظومة التي عناصرها هي مقتضيات الأسماء الحسنى الإلهية، وعلى المستوى الأممي فإن الأمة الخيرة الفائقة الصالحة هي المثل الأعلى.

وقد كان المثل الأعلى للشعوب المحسوبة على الإسلام في القرون الوسطى هو المتسلط الطاغية الذي يبطش بالمعارضين بكل قوة؛ يقطع الأعناق ويرفعها على الرماح ويصلب الأجساد ويتفنن في القهر والتعذيب.

وكذلك كان من المثل العليا: "الحافظ"، وهو الذي يحفظ الكتب الستة أو التسعة ... الخ وشرحها والحواشي على شروحها .... الخ.

أما المثل الأعلى الآن فمعلوم!

*******

إن الله سبحانه جعل مناط التفاضل هو التقوى ومناط الرفعة هو العلم الحقيقي الذي أُمر الرسول بطلب الاستزادة منه عندما قال تعالى: {.... وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}[طه:114]، فمناط التفاضل ليس بأن يكون الإنسان قرشيا أو حسيبا أو نسيبا، ولا بارتداء زي معين، ولا بحفظ واستظهار مذاهب السلف وأقوالهم التي فرقت الدين ومزقت الأمة وجعلتها شيعا يستضعف بعضها بعضا ويتربص بعضها بالبعض والتي ألقت بالمحسوبين على الإسلام في جهنم الجهل والتخلف، وإن زعْمَ الناس لأنفسهم أو لبعضهم أنهم رجال دين لا يلزم الله تعالى بشيء، ولقد جاء الدين الخاتم الكامل ليجعل من كل الناس رجال دين.

والأمة التي ترفع أقدس الشعارات وتتخذ من طاغية مجرم أو من (شاعر) فاسق أو هجَّاء أو من إمعة تافه مثلها الأعلى لا تنتمي بكل تأكيد إلى الشعارات التي ترفعها ولا إلى منظومة القيم التي تتضمنها وإنما تنتمي إلى المنظومة التي وجد بشرطها تلك المثل المذكورة بالإضافة إلى النفاق الذي دفع الأمة لتظهر خلاف ما تبطن.

إن الصياغة الدينية السائدة خلقت جوا عاما وقدمت للناس مثلا أعلى بحيث لا يمكن السماح بظهور أناس ذوي عقليات علمية ناضجة ناقدة، إن المثل الأعلى كان المتبع المقلد الحافظ ذا الذاكرة الحديدية التي تلتقط كل ما تسمعه ولا تنساه أبدا، ولم يكن هذا المناخ ليسمح لأولى الألباب العلميين بالنمو والتجمع والازدهار وتربية من يخلفونهم ويكملون مسيرتهم، لقد كان العلماء يظهرون كومضات مفاجئة تحت تأثير الحث القرءاني ورغبة الإنسان الفطرية في العلم والمعرفة، وكان أكثرهم في أطراف العالم الإسلامي، ثم يمضون إلى حال سبيلهم مشيعين من العامة والخاصة بالازدراء والإهمال أو الشك والريبة.

*******

إن تطور العلوم الطبيعية كان يستلزم أن يتلقفها من روادها وأن ينميها سلسلة متصلة من الباحثين الجادين المتبتلين، ولكنها في الجو الذي خلقه الدين الأعرابي الأموي ما كانت تبدأ إلا لتنتهي فلا يجد العالم الرائد من يتلقف منه الراية ويتابع أبحاثه، ولقد كان المثل الأعلى على مدي التاريخ الإسلامي إما أن يكون حافظا مقلدا أو طاغية مستبدا أو ثريا مترفا أو (شاعرا) سليط اللسان هجاءة مداحة أو زاهدا راهبا متبتلا أو مشعوذا، وكم من إنسان فذ قد أضاع نفسه ولم ينفع الناس بمواهبه وزجَّ بنفسه في ميادين لا تليق بإمكاناته وقدراته، وإن من يقارن ما تركه المتنبي والبحتري وغيرهم مثلا من شعر أكثره في مدح وهجاء أشخاص بما أبدعه الفردوسي أو الرومي أو سعدي أو ابن الفارض وغيرهم من شعر في أمور راقية سامية رفيعة فلسوف يأخذه الأسى ويعرف في أي طريق مسدود كان العالم الإسلامي يتابع خطاه.

وبالمقارنة بالغرب في عصر النهضة مثلا فإن المرء يذهل من تنوع المثل العليا أمام الغربي، كان هناك العلماء الطبيعيون والرياضيون والفلاسفة والشعراء والأدباء والموسيقيون والمعماريون والقادة العسكريون والساسة والاقتصاديون وعلماء النفس والاجتماع والأطباء والمغامرون ... الخ.

*******

إن المثل الأعلى هو التجسيد العملي لمنظومة القيم والمعاني السائدة والحاكمة في مجتمعٍ ما، وهو في كل مجتمع يشكل حافزا وضاغطا وعامل جذب بالنسبة إلى هذا المجتمع بحيث يحاول الأفراد تقمصه وتجسيده، والمثل الأعلى في الأمة الخيرة هو الإنسان الرباني الفائق الذي هو التجسيد الحي للمنظومة الأمرية الرحمانية، أما على المستوى الأممي فإن الأمة الخيرة الفائقة هي المثل الأعلى.

ولهذا المثل الأعلى تفاصيله اللازمة، وكل واحد منها تتأكد فيه بعض لوازم المثل الأعلى بحيث يصبح هو تجسيدًا لها، ولكن كلهم يشتركون في التفوق الجوهري مقارنة بغيرهم.

وكلما اطَّرد التقدم صارت الصفات اللازمة للمثل الأعلى أكثر لطفًا، فالمثل الأعلى الآن هو من تمثل فيه الرقيّ على المستوى الذهني بصفة خاصة.

*******

1

bottom of page