لحوم مسمومة 2

أخذت سنوات الدراسة تمضي بهما، تلقيا قدرا هائلا من العلم بالتراث، كان كل ما يريده مبروك مما يدرسه

أن يلتقط منه ما يؤدي إلى تزكية نفسه والرقي بذاته وتحسين إمكاناته الحقيقية؛ الذهنية والوجدانية.

عندما كانوا يضربون المثل بمن كان متصفا بخلق كريم معين لم يكن يكتفي بإبداء الإعجاب الظاهر بل كان يبادر على الفور إلى السعي إلى التحلي بهذا الخلق، كان يوحي إلى نفسه دائما بهذه الرسالة:

"واجبي أن أقوم بكل وجباتي الدينية وأن أحقق المثل العليا في نفسي قبل أن أشتغل بأمر غيري".

وهكذا كانت أمور العبادة عنده أمورا جادة، يحاول أن يمارسها بكل كيانه وأن يتفاعل معها إلى المدى الأقصى، ولم يكن يغتفر لنفسه أية غفلة أو هفوة، بل كان يحاول أن يجعل من كل أفعاله عبادة يؤديها بأعلى درجة ممكنة من الإتقان.

أما حشاد فلم يجد فيما يقرأ ما يلفت نظره أو يلزمه على تغيير نفسه، كان راضيًا تماما عن نفسه ويعرف جيدا هدفه.

كان كل همه استيعاب ما يتلقاه والتمكن منه والتفوق فيه، ساعده على ذلك حافظته القوية التي تلتقط بسهولة كل ما تسمعه فضلا عن قدرات تمثيلية هائلة.

هو يعلم جيدًا أن التمكن من العلوم التي يدرسها هو سبيله ليخرج من العدم الذي يحيا فيه إلى الوجود الحقيقي من وجهة نظره، لذلك تعلم أن ينظر إلى ما يدرسه بحيادية تامة، تعلم كذلك كيف ينحي عقله ومشاعره جانبا، كان يوحي إلى نفسه دائما بهذه الرسالة:

"واجبي هو حفظ واستيعاب كل ما أتلقاه من معلومات والتمكن التام منها، يجب ألا يشغلني أي شيء عن ذلك، في سبيل هذا الواجب يجب تسخير كل إمكاناتي".

وهكذا أصبح دور كل ملكاته هو الوصول إلى أفضل السبل للتمكن مما يتلقاه من معلومات والسيطرة عليها والمناورة بها، لم يكن غريبا إذًا أن يتفوق على كل أقرانه تفوقا شجعه على التمادي فيما هو فيه.

وهكذا أيضًا أصبحت ممارساته الدينية محض أعمال آلية، لقد كان يقتل في نفسه في الحقيقة الوجدانيات والمشاعر والقدرة على الفقه الصحيح والتفكير السليم، تلاشى في نفسه أي إحساس بالمشاعر السامية، أخذ كيانه الإنساني الجوهري يتلاشى لحساب صورة يريد أن يبدو بها للآخرين.

لم يخطر بباله أبدا وهو يصلي أنه يخاطب إلهًا حيًّا عليما بالسر وأخفى وأن الصلاة هي وسيلته لتوطيد صلته به، كان أداء الصلاة بالنسبة له هو منتهى الأمر، هي عمل روتيني يؤديه كما يؤدي أي موظف وظيفته ليحصل على الأجر في نهاية مدة معلومة.

كان يستثمر وقت صلاته أيضا في التفكير في خططه المستقبلية أو مراجعة معلوماته الدينية، وهكذا كان صيام رمضان مجرد امتناع عن الطعام والشراب لوقت معلوم، من بين ما احتفظ به من ذكريات طفولته الفرح بقدوم رمضان، ولكن اختلف سبب الفرحة، كان رمضان بالنسبة له هو الموسم الذي يشتد الطلب عليه فيه وترتفع قيمته فيه، كان ذلك أساسًا بسبب صلاة التراويح وحاجة المساجد الماسَّة إلى من يؤم الناس فيها.

كان يدرك مدى جدية وصدق وإخلاص صاحبه مبروك، أدرك أيضًا تفوق صاحبه عليه في الأخلاق والذكاء والملكات الذهنية والوجدانية والشفافية، كان يلجأ إليه دائما لشرح ما استعصى عليه فقهه من كلام المدرسين، رغم أنه كان يفوقه من حيث المقدرة على حفظ المعلومات إلا أنه كان يجد حفظها أسهل والقدرة على تذكرها أسرع عندما يشرحها له مبروك، هذا فضلًا عن انتفاعه الشديد بفقه وفهم مبروك للنصوص.

كان هذا الانتفاع يظهر في إجاباته على أسئلة المدرسين وحضوره الذهني معهم، وهذا هو الذي لفت أنظار المدرسين إليه، وهو الذي ميزه عن أقرانه الذين يتمتعون مثله بحافظة قوية، لذلك سلَّم بينه وبين نفسه بحاجته الماسة إلى مبروك رغم كل الاختلافات فيما بينهما.

وكان مبروك يراقبه وهو يتباهى أمام المدرسين بما تعلمه منه في صمت، ويمنعه حياؤه من تبيين الحقيقة للناس، وهو لم يتوقع أبدًا من حشاد أن ينصفه أمام الناس أو أن يقر له بفضله عليه، ولكن لم يحمله ألمه وازدراؤه لتصرفات حشاد على الامتناع عن مساعدته، كان يقول دائما لنفسه: "إذا اضطررت لمعاملته بالمثل سأجعله بذلك إماما لي ومتقدما عليّ، وسأعطيه زمام المبادرة والفعل، وأجعل من نفسي مجرد تابع وردّ فعل، وسأتدهور إلى مستواه، يجب أن يكون ردّ فعلي من وسائلي للرقي بنفسي، لذلك يجب أن أتحلى بالحلم والصفح والإغضاء والترفع".

*****

ولقد لمس حشاد مدى تغير نظرة الناس إليه عندما التحق بالمعهد الديني، وعندما كان يسافر إلى قريته كان لا يمل من استعراض معلوماته عليهم، كان يستدرج الناس للدخول في جدال بخصوص موضوعات دينية أصبح متمكنًا منها.

كان يبزهم بكمية محفوظاته التي يجيد توظيفها لإبهار الآخرين، اكتسب مكانة كبيرة عندهم، وجد من كانوا يستمتعون بصفعه على قفاه أو لطمه على خديه أو ركله في مؤخرته يقبلون يديه وربما قدميه، لقد عرف الطريق للوصول إلى أعلى درجات الوجاهة والثراء، يجب ألا يسمح لأي شيء أن يجعله يحيد عنه قيد أنملة، عليه هو نفسه ألا يتلكأ في سيره، عليه أن يسير بأقصى ما يستطيع من سرعة، وعليه أيضًا أن يوسع نطاق الإعجاب به والطلب عليه.

لكل ذلك لم يكن يكتفي بما كان يلقيه عليهم المشايخ في قاعات الدراسة، كان يتودد إلى بعض المشايخ الطيبين لكي يجودوا عليه بالمزيد من المعلومات في مواضيع ذات صلة بما يدرسه من مناهج، كان هؤلاء بالطبع يسعدون به وبحرصه على طلب العلم ولا يبخلون عليه بأي شيء يطلبه، بل ويبادرون إلى إرشاده إلى ما يشبع طموحاته.

أدرك جيدًا مدى قوة تأثير الدين على الناس، إنه مرتبط بذكريات آبائهم وطفولتهم.

إن تعصب الناس للدين أقوى بكثير من رغبتهم في العمل به، وهم يعانون بالطبع من الضعف البشري المعلوم، وهم يعتبرون أن فشلهم في العمل بالدين سيجلب عليهم العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، هذا ما تمَّ برمجتهم عليه منذ فجر طفولتهم، وذلك يسبب لهم نوعا مما يمكن تسميته بالمازوشية الجماعية، وتعويضا عما يظنونه تقصيرًا هائلا منهم في حق الدين لم يكن أمامهم إلا سلوك الطريق الأسهل؛ أركان هذا الطريق هي:

الاستمتاع بجلد الذات، الاستمتاع بسماع من يندد بقصورهم في العمل بالدين، الاستمتاع بسماع السير المزعومة للسلف الصالح وما يصاحبها من تهاويل أسطورية، سكب الدمع الهتون إظهارا للتقصير، التعصب الشديد للدين، الكراهية الشديدة لكل من يخالفهم في شيءٍ من الدين، تصور وجود مؤامرة كونية عاتية ضد الدين وضد كل من يزعم أنه يمثل الدين، التعصب الشديد لكل رموز الدين ولمن جعلوا من أنفسهم رموزا له، تقبل كل ما يُلقَى عليهم كأمر ديني أو معلومة دينية بدون أدنى نقاش، تقديس المؤسسة الدينية وطلب مضاعفة سلطاتها عليهم، التعصب ضد كل ما يقول لهم المشايخ إنه خطر على الدين.

والخطر على الدين لا يتمثل لدى المشايخ فيما يهدد الدين أو مصالح الناس بل فيما يهددهم هم أنفسهم، أي ما يهدد مكانتهم ووجاهتهم وموارد رزقهم، وما يهددهم هو كل ما يختلف عن مذهبهم، ولذلك أصبح لهم طابور من الأعداء والاتجاهات يشمل ما لا حصر له من الأديان الأخرى والمذاهب الإسلامية الأخرى والاتجاهات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلا عن كل رموز الثقافة والفلسفة والأدب والفن وكل مظاهر الحضارة الإنسانية، وهم بذلك أصبحوا حلفاء لإبليس وأعوانًا له على بني آدم.

والعامة، كما خبرهم، يجدون راحتهم في أن يجدوا من يتملق عقدهم النفسية ويداعب غرائزهم ومركبات النقص لديهم ويزودهم بما يجعلهم يتطاولون على نجوم المجتمع والشخصيات العامة ويسلقونهم بألسنةٍ حداد، وهم لا يتشدقون بالسير المختلقة للسلف إلا ليضربوا بها خيار الخلف، ولا يؤلهون السلف إلا ليبرروا لأنفسهم استحالة التأسي بالصالحين منهم أو تحقيق إنجازات كإنجازاتهم.

وبذلك أدرك جيدا من هم جمهوره الحقيقيون؛ إنهم قطعان الجهلة المتخلفين، وكذلك الطلبة المراهقون المغيبون، عرف نفسياتهم جيدا بنقاط ضعفها وقوتها، وتعلم وأجاد كيف يمكن أن يسخرهم لتحقيق مآربه.

كما أدرك بغريزته وذكائه أن ثمة عقدا غير مكتوب بين نظام مبارك الاستبدادي وأجهزته وبين النظام الذي يدافع عنه مشايخه ممن سبقوه على الدرب؛ بموجب هذا العقد هم لا يذكرون من قريب أو بعيد أي شيء يهدد جديا هذا النظام، ويحرمون ويجرمون أي خروجٍ عليه، ولكن عليهم أن يشغلوا الناس دائمًا بما لا جدوى منه ولا طائل من ورائه.

وبذلك أدرك معنى المعارك المفتعلة مع كل شيء والقضايا الخرافية التي يشغلون الناس بها بين الحين والآخر، وتعلم كيف يتربص بالكتاب المشهورين والمثقفين وقادة الفكر وكيف يتسقط كلامهم ويؤلب الدهماء والغوغاء عليهم ليتخذها النظام الاستبدادي الإجرامي الفاسد ذريعة ليظهر بمظهر حامي حمى الدين أمام البهائم والمتخلفين.

إن عليه أن يستثمر كل ذلك لصالحه، هو يعلم جيدا أنه يستند إلى أعتى القوى على الساحة: قوى التعصب الديني لدى العامة والدهماء، وقوى الجهل والانحطاط والتخلف لدى هؤلاء، وقوة النظام الشيطاني المتسلط عليهم.

وهكذا انقلبت كل الأمور أمام ناظريه، لم تعد مقاصد الدين عنده توثيق الصلة بالله وتزكية الأنفس وتنقية الضمائر وتعليم الناس مكارم الأخلاق بل أصبحت تكريس وترسيخ كل ما يخدم قضيته وقضية طائفته، أي تكريس الشعور بالنقص والدونية لدى الناس، منعهم من استعمال عقولهم في الأمور الدينية، حملهم على تقديس السلف وكل الأوهام والخرافات المتعلقة بهم، شغلهم بكل تافه وشكلي من أمور الدين.

*****

عدد المنشورات الفرعية : 63

عدد المنشورات : 419