عن تعريف الصحابي

عن تعريف الصحابي


الصاحب لغويا هو الملازم والمعاشر لصاحبه، فالصحبة تكون بين كائنين، وهي لا تستلزم أي تشابه بينهما، بل قد تكون بين مؤمن وبين كافر، أو بين إنسان وبين جماد.

ولكن سدنة الدين الأعرابي الأموي اختلقوا تعريفًا للصحابي ليفتحوا به ثغرة هائلة في جدار الدين، وليضيفوا إليه ما ليس منه، وليبطلوا منه ما لا يتفق مع المجرمين المتسلطين، قال أحد أربابهم، وهو ابن حجر: "الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، ومات على الإسلام؛ فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض".

من هو ابن حجر؟ هو شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن أحمد الكناني العسقلاني المصري الشافعي، مُحدِّث وعالم مسلم، شافعي المذهب، لُقب بعدة ألقاب منها شيخ الإسلام وأمير المؤمنين في الحديث، ولد الحافظ ابن حجر العسقلاني في شهر شعبان سنة 773 هـ في الفسطاط في القاهرة، وتوفي في القاهرة سنة 852 هـ، أي إنه عاش بين القرنين الثامن والتاسع الهجريين في عصر الدولة المملوكية، ولي قضاء قضاة الشافعية بالدِّيار المصرية، وذلك بتفويض من الملك الأشرف برسباي، وتولى مناصب عديدة أخرى في الدولة المملوكية.

من أين أتى ابن حجر بهذا التعريف؟ لم يأت به من القرءان الكريم، ولكن أتى به عمَّن سبقه من سدنة مذهبه.

هذا التعريف مقوض تقويضًا ذاتيا ومتهافت منطقيا، لما يلي:

1. تعريف خطير كهذا يترتب عليه وجود ما لا يقل من ثلاثة أرباع الدين الخاتم الملزم للعالمين إلى يوم الدين كان يجب أن يكون منصوصًا عليه في القرءان الكريم، ولكن لم يرد في القرءان بخصوصه إلا ما يقوضه وينسفه نسفا.

2. كيف كان يمكن أن يعلموا أن شخصًا ما من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، ومات على الإسلام؛ أو أن يعلموا مدة مجالسته للرسول، أو أنه روى عنه أو لم يروِ، أو غزا معه أو لم يغزُ، أو رآه رؤية وجالسه أو لم يجالسه، ... الخ، ليس لديهم إلا المرويات والتراث، أما المرويات فالاستدلال بها هو الدور الباطل أو الاستدلال الدائري، وهو خُلف ومغالطة، فمن شروط صحة المروية أن ينسبوها إلى من يقولون بأنه صحابي، أما الاستدلال بما هو أقل من ذلك مثل التراث والآثار، فهو أشد بطلانا.

3. أما الموت على الإسلام فلا يعني شيئا، فالأعراب مثلا، وقد كانوا هم الغلبية الساحقة أسلموا ولم يؤمنوا، ولا يمكن ائتمان غير المؤمن على أمور الدين، كما كان يوجد بنص القرءان منافقون لا يعلمهم الرسول نفسه، وهؤلاء ماتوا بالطبع مسلمين.

4. ما لديهم من مرويات زعموا لها الصحة فيها ما يقوض تعريفهم للصحابي، ولا حرج في الاحتجاج بها عليهم طالما أنهم يجزمون بصحتها.

وهناك من قالوا إن الصحابي هو من مات على الإيمان، فجعلوا كلمة الإيمان بدلا من الإسلام، ولم يوضحوا للناس كيف يمكن التأكد، في عصر جمع المرويات، أن شخصًا مات منذ أكثر من قرنين على الإيمان؟!

ويُلاحظ أنهم عمليا زعموا لمن يسمونه بالصحابي، وهي كلمة محايدة، كل معاني الصديق والرفيق والخلّ والخليل والأنيس والنجي والقرين والصفي، فكيف بعد ذلك يجعلون من النساء والأطفال أصحابًا للرسول؟ ماذا يظنون بالرسول؟

وحاجتهم إلى تعريف الصحابي هي ليشرعنوا ما ينسبونه إلى الرسول من المرويات، فمصداقية المرويات معلقة بتعريفهم للصحابي، والتعريف نفسه معلق بمصداقية المرويات، بل وبما هو أوهى من المرويات!

وهم بقولهم بعدالة من زعموا له الصحبة جعلوه واقعيا وعمليا ربًّا مشرعًا في الدين، والمشكلة أن من نسبوا إليهم أكثر المرويات كانوا شخصيات هامشية أو مثيرة للجدل وذات توجهات خاصة.

أما الواردون في سلاسل الرواة من غير (الصحابة) فهم من رضي عنهم شياطين الأمويين والعباسيين من بعد أن فرقوا الدين واستأصلوا السابقين الأولين ومن اتبعوهم بإحسان، وحكموا الأمة بالإرهاب المجنون، أو على الأقل، هم الرواة الذين آثروا الخضوع للطغاة المجرمين لأي سبب من الأسباب.

وتعريف الصحابي عند الأصوليين أكثر تحفظًا، فالصحابي عندهم "من لقي الرسول مؤمنا به ولازمه زمنا طويلا"، وهو لا يغني شيئا.

ولقد اختلف الجهابذة في شأن الملائكة والجن، وخاضوا في هذه المسألة الرهيبة، واختلفوا كعادتهم فيها.

*******

الرسول لم يُرسل إلى أرباب أو ملائكة، بل إلى قومٍ كانوا من قبل في ضلال مبين، ولم يكن مطلوبًا منه أن يجعل منهم ملائكة، مهامه مذكورة في القرءان، بعضها خاص به، وقد حققها كاملة، وشهد له ربه بذلك، وأشهدهم هو على ذلك، وهناك مهام كان نجاحهم يعتمد عليهم هم، وقد نجح هو فيها، أما هم فقد اختلفت النتيجة بالنسبة لهم، ومنها التعليم والتزكية مثلا، فلا يمكن أن يستووا فيها جميعًا، كان من من سبقوا وحققوا نجاحًا باهرًا، وكان منهم من سقطوا سقوطًا مزريا شنيعا، والدرجات بين هذين الطرفين عديدة.

وحتى من نجحوا في العصر النبوي فقد افتتن كثير منهم بالدنيا من بعده، رغم التحذير القرءاني ورغم تحذير الرسول الشديد لهم في خطبة حجة الوداع، فهو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ليس مسؤولا عن ذلك.

والسور المدنية، وخاصة سورة التوبة، حافلة بذكر ما لهم وما عليهم، أما السور المكية فقد أعلنت النتيجة مسبقًا {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُون} [يس:7]، {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين} [يوسف:103]

ولقد أكدت السور المدنية تلك النتيجة: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} [الحجرات:14]، {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم} [التوبة:101]

أما سدنة الدين الأعرابي الأموي فقد كفروا بأكثر القرءان، ووضعوا تعريف (الصحابي) ليلحقوا الأسافل بالأعالي، والمجرمين بالمؤمنين، والمنافقين بالمخلصين، وأهل الجور بأهل الحق، وليتمكنوا من اختلاق دين بديل يجعلون فيه أهل البغي والمنافقين أربابًا مشرعين، ويوافق أهواء الطغاة المجرمين، الأمويين والعباسيين الذين تسلطوا على الأمة.

وهم أحرار فيما اختاروه لأنفسهم من الضلال المبين، ولكن من الواجب على عباد الله أن يكشفوا الحقائق للناس، وأن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر وأن يدعوا إلى سبيل ربهم بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ والجدال بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وبذلك يمكن أن يتحقق ظهور دين الحقّ على الدين كله، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.

*******

عدد المنشورات : 452