حكم الأشياء المسكوت عنها

حكم الأشياء المسكوت عنها


قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} [البقرة:29]، وقال: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} [الجاثية:13]

الآيات تشير إلى أن الإنسان هو العلة الغائية لخلق الأرض وما فيها، وأن كل الأشياء في عالم الشهادة مسخرة له، وأن ما هو في الأرض بصفة عامة هو للإنسان بصفة عامة، ولكنها لا تجعل كل ما في الأرض مباحا لكل إنسان على حدة، فالأصل في الدماء والفروج والأموال هو الحرمة إلا ما أُحلَّ منها، وكل إنسان وكل ما هو له محرم على غيره.

وقال تعالى: { يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)} [الأعراف]

الآية تنص على أن زينة الله والطيبات من الرزق حلال، وأنه ليس من حق أحد أن يحرمها، وأن المحرم إنما هو الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ والشرك وَأَنْ يقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ.

وقد رووا أن الرسول قال: "إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحدّ حدودا فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء - رحمة لكم غير نسيان - فلا تبحثوا عنها"

لم يصرح القرءان بأحكام بعض الأمور، ولا يمكن قياسها على أمر آخر محرم أو مباح، فلا شرعية لهذا القياس أصلا، وليس كل شيء مباحا للإنسان، بل إن هناك أمورًا الأصل فيها هو التحريم، ومن ذلك كل ما هو خاصّ بإنسان آخر، فدم أي إنسان وماله وعرضه محرم على كل إنسان آخر، وكل ما هو محرم من ذلك الباب يجمعه الآن مصطلح حقوق الإنسان، فكل حقٍّ ثبت لإنسان هو محرم على الآخرين، ولا يجوز انتهاكه.

فالأصل في الدماء والفروج والأموال الحرمة، والنص على تحريم بعضها هو للتأكيد، فلا استحلال لشيء منها إلا بحق منصوص عليه.

ومن أمثلة الأشياء المسكوت عنها:

1- الحيوان الذي لم يأتِ نص شرعي بتحريمه ولا يمكن إلحاقه بالمحرم، والحق هو أن كل ما يأكل (الأَبّ) هو من الأنعام؛ أي كل آكلات العشب مباحة للإنسان، أما الخيل والبغال والحمير فقد ذكر القرءان في معرض الامتنان أنها لتركب وتحمل الأثقال، كما أن الخيل للقتال، وهذا يبين أن أكلها ممنوع للزومها لاستعمالات أخرى، كما يبين أن النهي عن أكلها ليس بقوة النهي عن أكل الميتة والدم ولحم الخنزير مثلا.

2- النبات الذي تجُهل سميته مباح بالطبع أكله، أما إذا ثبت ضرره فيجب منعه بقانون وضعي وليس بتشريع ديني إلا إذا أمكن اندراجه تحت اسم شرعي معلوم حكمه كالخمر مثلا.

3- والعقود المالية المعاصرة التي لم تعرف قديما يكون حكمها الإباحة إلا إذا ثبت أنها تتضمن إلحاق ظلم بالطرف الأضعف.

إن كل حقوق الآخرين محرمة على الإنسان فليس له أن ينتهك أو يمس شيئا منها إلا بالحقّ.

*****