نظرات في تاريخ السلف

العقيدة القبلية وقريش

الجدول

القبيلة بالنسبة لسكان الجزيرة العربية كانت هي كل شيء، كان ذلك بسبب ظروف الحياة القاسية هناك، وصعوبة تكوين دولة مركزية وغريزة حبّ البقاء، وهكذا أصبحت القبيلة للعربي أو للأعرابي بمثابة الوطن والدين، بدونها لا يساوي شيئا، وأصبح التفاني في خدمة القبيلة هو الواجب ومناط المجد والشرف، كما أصبح الطرد من القبيلة أشد قسوة وخطورة على الفرد من عقوبة الحرم التي كان يوقعها پاپاوات روما على المتمردين على سلطانهم.

وكان وضع قريش وضعًا فريدًا ومتميزا، فهي بالنسبة لباقي العرب والأعراب كانت شبه مقدسة، وكان الأعراب، وهم الذين يحترفون عمليات النهب والسطو على بعضهم البعض، يؤمِّنون لقريش قوافلها التجارية الضخمة.

فلم تكن قريش قبيلة همجية بدائية، وإنما كانت قبيلة متفوقة ذات وضع متميز، وكان زعماؤها مُرحبًّا بهم في قصور ملوك العصر، فقد كانوا يسيطرون على التجارة بين اليمن وجنوب آسيا من ناحية، وبين منطقة الشرق الأوسط من ناحية أخرى، ولذلك اكتسبوا معلومات كثيرة عن حقيقة الأوضاع في المنطقة، وخبرة في التعامل مع كافة الشعوب فيها.

ولذلك جمعت قريش بين عنجهية الأعراب وغلظتهم وغطرستهم وولعهم بالظلم والقوة والعدوان وبين أخلاق التجار ورجال المال البراجماتية والذرائعية، وتمرسوا بدهائهم وسعة حيلتهم، ولذلك أيضًا كان مجتمعهم منحلا من الناحية الأخلاقية، وكانت مراكز الدعارة الرسمية منتشرة في مدينتهم وحولها، ولم يكونوا يرون في ذلك ما يشين، ولذلك كان بعض كبارهم مجهولي الأب، أو مشكوكًا في انتسابهم إلى من يتبنونهم.

أما الاستثناء الضروري من كل ذلك فكان بنو هاشم، كانوا أهل طهر وكرم ونخوة، باستثناءات قليلة لأسباب معلومة.

وهكذا نشأ من هو أعظم البشر رحمة وسط أشد الناس قسوة وغلظة، وهذا من سنن الوجود.

أما الأعراب فكان دينهم هو القبيلة والمنظومة المعنوية الأعرابية التي يمكن تلخيصها في كلمة واحدة؛ الجاهلية، ولكنها كانت أقل تعقيدًا من جاهلية قريش.

لكل ذلك لم يكن من السهل أبدًا أن يتحرر كل هؤلاء تحررا تاما من إرثهم الجاهلي الثقيل، بل إنهم إلى الآن لم يتحرروا منه تحررا تاما، بل نشروه في البلاد التي هاجروا إليها مثل صعيد مصر، وفيه تثأر العائلة الكبيرة من العائلة الصغيرة بقتل اثنين أو ثلاثة مقابل كل قتيل لهم.

فليس من السهل أن يتخلى المرء عن دين آبائه وأجداده، وها هم أتباع الدين السلفي مازالوا معتصمين به ويدافعون عنه بشراسة رغم أن سادتهم قد تخلوا عنه، ورغم ثبوت بطلانه وتهافته، ورغم الكوارث التي تضربهم بسببه.

أما قريش نفسها فلم تكن بطونها أو قبائلها الفرعية على درجة واحدة، كان هناك الذؤابة العليا مثل بني هاشم وبني أمية وبني مخزوم، وكان هناك بطون رذيلة ذليلة.

رووا أنه لما بويع لأبي بكر جاء أبو سفيان إلى الإمام علي فقال: "غلبكم على هذا الأمر أذلّ أهل بيت في قريش، أما والله لأملأنها خيلا ورجالا"، قال له الإمام علي: "مازلتَ عدوًّا للإسلام وأهله".

وفي رواية الاستيعاب: المطبوع بهامش الإصابة:

((لما بويع لأبي بكر جاء أبو سفيان بن حرب إلى علي فقال: غلبكم على هذا الأمر أرذل (أو أرذل) بيت من قريش)).

وفي مستدرك الحاكم جاء أبو سفيان بن حرب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: ما بال هذا الأمر في أقل قريش قلة وأذلها يعني أبا بكر، والله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجالا فقال علي: لطالما عاديت الإسلام و أهله يا أبا سفيان.

بل إن أبا قحافة قد تعجب يوم بويع ابنه أبو بكر للخلافة، فقال: كيف ارتضى الناس بابني مع حضور بني هاشم؟! قالوا: لأنه أكبر الصحابة سنا، فقال: والله أنا أكبر منه، وذلك كما جاء في الصواعق المحرقة لابن حجر.

ومن المعلوم أن أبا بكر وعمر بادرا باسترضاء أبي سفيان بتعيين ابنه يزيد قائدا لأحد الجيوش المتجهة إلى الشام.

وهكذا كان المنتمون إلى البطون الذليلة من قريش يبجلون المنتمين إلى الذؤابة العليا منها، ويغبطونهم، أو يحقدون عليهم، أو يشعرون تجاههم بالنقص والدونية.

وهذه القصة تبين ذلك:

قال مسلم في صحيحه رقم (2540): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو: " أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ، أَتَى عَلَى سَلْمَانَ، وَصُهَيْبٍ، وَبِلَالٍ فِي نَفَرٍ .

فَقَالُوا: وَاللهِ مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللهِ مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ اللهِ مَأْخَذَهَا.

قَالَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ؟

فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: « يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ» فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ أَغْضَبْتُكُمْ ؟ قَالُوا: لَا ؛ يَغْفِرُ اللهُ لَكَ يَا أُخِي " 

فتلك المروية تبين ما يلي:

1. أن من لا ينتمون إلى الجنس العربي كانوا أقرب إلى تفهم عالمية الإسلام وأكثر تحررا من أوهام الجاهلية.

2. يُلاحظ أن أبا بكر لم يقل لهم إنه أخوكم في الدين!!

3. أنه إلى ذلك الحين أي بعد السنة الثامنة من الهجرة لم يكن أبو بكر الصديق -وهو من هو- قد تحرر تماما من أوهام الجاهلية فقد كان لا يزال يعتقد أن أبا سفيان هو شيخ قريش وسيدها وكأن الإسلام لم يغيِّر هذه الأوضاع، ولقد كان هو أحق الناس بأن يدرك أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو سيد قريش وشيخها بل سيد العالمين، وإذا كان يريد مجاملة أبى سفيان فكان عليه ألا يفعل ذلك بالمساس بمكانة سيده ومعلمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، ولقد أثبت بموقفه هذا حاجته إلى المزيد من التزكية النبوية ولهذا عنفه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، واضطره إلى الاعتذار إلى السادة الحقيقيين الجدد الذي عرفوا الحق فعلت مكانتهم، لقد كان على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يستكمل تزكيته فتجاهل ما أخبره به ولم يعره أدني اهتمام ولم يهتم بالتعليق عليه واضطره إلى الذهاب إلى أهل الصفة لاسترضائهم، ولقد وعي أبو بكر هذا الأمر، وعندما تولي أمر المسلمين لم يكن يبالي بأبي سفيان وكان يرفع صوته فوق صوته حتى أن أباه استغرب الأمر كما سيرد، وأنبه هو أيضا إذ لم يكن هو الآخر قد تحرر تماماً من آثار الجاهلية.

4. لم يبال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بأبي سفيان فلم يكن له أية كرامة تستدعى الحفاظ عليها، فلقد رضي هذا لنفسه أن يكون من المؤلفة قلوبهم ولو تسرَّب الإيمان إلى قلبه لرفض ما يؤدى إليه من مال لتأليف قلبه ولأنفق من ماله الخاص لنصرة الإسلام حتى تصح توبته، ولكنه ظل حريصا على هذا المال حتى منع.

5. والمروية تبين شيئا من كرم أخلاق النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، فهو لم يغضب لنفسه، وإنما غضب لأولئك المؤمنين الحقيقيين الذين كانوا ممن أُمر أن يصبر وجهه معهم.

6. وهذه المروية تلقى ضوءا على أسلوب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ في تزكية أصحابه فهو لم يكن يداهن أو يساوم أو يجامل، ولا شك أيضا أن كثيرا من أمثال هذه الآثار قد اندثر ولم يدون، وقد تشمئز قلوب عبيد الأسلاف من أن يسمعوا مثل هذا الكلام وما ذلك إلا لإعراضهم عن القرءان ولجهلهم بقدر الرسول الأعظم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؛ ولقد كان عليهم أن يعلموا أن الأميين كانوا من قبل في ضلال مبين وأن الله تعالي قد أناط بالرسول أن يعلمهم وأن يزكيهم وأن يخرجهم من الظلمات إلي النور.

ولقد حدث أن كان الخليفة أبو بكر يصيح على أبى سفيان فسمعه والده فقال له: (أعلى أبى سفيان تصيح وترفع صوتك؟ لقد عدوت طورك وجزت مقدارك)، فهذا رجل يُعدّ عندهم من الصحابة لم يكن يعلم ما يعلمه أي طفل مسلم الآن وهو أن ابنه أبا بكر كان أفضل مما لا يحصي عدده من أمثال أبى سفيان، وهذا يدل علي أنه لا يمكن الاحتجاج بتصرفات من أسموهم بالصحابة ولا إلزام الناس كافة بها، وهذا يدل أيضا على مدى تغلغل الإرث الجاهلي في نفوسهم وأنه كان لابد من مرور عشرات السنين ومعاناتهم المريرة من آثار الجاهلية حتى يتحرروا منها، ولكن الذي حدث بالفعل هو أنه تمت صياغة المعطيات الدينية وفق ما لم يستطيعوا التخلص منه من إرث الجاهلية، فلم يستطع العرب والأعراب من بعد القرن الأول أن يرتفعوا بالإسلام وإنما أنزلوا الصياغة الدينية إلى حضيضهم، أو بالأحرى اختلقوا دينا بديلا هو الدين الأعرابي الأموي لم يأخذ من الإسلام إلا قليلا وأكثر ما أخذه الشكليات.

ولم يستطع أهل القرن الأول التخلص من العقيدة الجاهلية دفعة واحدة أو فقه مغزى ومعنى عالمية الإسلام بالقدر الكافي، إلا قليلا منهم.

ومن أوضح الأمثلة السيدة عائشة، فهي لم تستطع أبدًا، كما هو معلوم، ان تتقبل أهل بيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، وتطور موقفها تجاههم إلى عداءٍ سافر تورطت بسببه في معركة الجمل، وكذلك ربَّت ابن اختها عبد الله بن الزبير على ذلك، فكان هو أحد الأسباب الثلاثة التي أدت إلى توريطها هي، من بعد، في تلك المعركة المشؤومة، والسبب الثاني رغبتها في أن يتولى قريبها طلحة الخلافة، وبسبب ذلك حرضته على أن ينكث بيعته للإمام وعلى الخروج المسلح عليه، ذلك الخروج الذي تسبب في هلاكه، وكانت رغبتها هذه من أسباب تورطها هي في التحريض على عثمان، الذي خرجت من بعد مقتله مطالبة بثأره ممن حاول بكل طاقته إنقاذه.

ومن الأمثلة الأخرى السيدة أم حبيبة ابنة أبي سفيان، فرغم أنها كانت من السابقين إلى الإسلام، ومن أفضل نساء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ إلا أنها لم تستطع أن تتغلب على نزعتها القبلية، وعندما قتل الأمويون، ومنهم (صحابة أجلاء) أخا السيدة عائشة عطشًا وحرقًا ومثلوا به حرصت على إهدائها لحمًا مشويا تشفيا فيها، فحرمت السيدة عائشة أكل اللحوم المشوية على نفسها، كان ذلك لأن أخا السيدة عائشة كان من الثائرين على عثمان الأموي قريب أم حبيبة!!

أما عبد الله ابن الزبير فحرم على نفسه الصلاة على النبي في خطبه، حتى لا تشرئب بذلك أعناق الهاشميين، ثم بلغ به العتو أن جمعهم وقرر أن يحرقهم، وكاد يحقق بغيته لولا أن أنقذتهم سرية أرسلها المختار إلى الحجاز.

وبذلك يمكن فقه سبب أن السابقين الأولين من أهل القرن الأول كانوا ثلة قليلة، وأن أكثرهم كانوا ممن خلطوا عملًا صالحا بآخر سيئا، أما الأعراب فأكثرهم أسلموا ولم يؤمنوا.

وقد ألمح الرسول في خطابه إلى القرشيين أنهم سيحملون العلم إلى من هم أفقه منهم، وأن أهل اليمن، ومنهم الأنصار، أرقّ أفئدة منهم، وهذا ما أثبتته وقائع التاريخ.

*******

1

1.png