نظرات في المذاهب

21

الواضح طبقًا لمنهجنا

الجدول

واضح الدلالة من النصوص هو ما دلّ على المراد منه بنفس صيغته من غير توقف ظاهري على أمر خارجي، والمقصود بـ(ظاهري) التأكيد على أن النص مستقلا يعبر عن المعنى، ولكن هذا المعنى ذاته يكون بالضرورة مترتبا على ما تراكم في ذهن من علم النص من علوم بالقرءان وباللسان، ففقه اللفظ يكون من حيث كل ذلك.

وهناك في منهجنا مرتبتان رئيستان فقط للواضح، وليس أربع مراتب كما يقول الأصوليون:

1. الظاهر، وهو واضح الدلالة ويحتمل التأويل الاصطلاحي.

2. المحكم، وهو واضح الدلالة ولا يحتمل التأويل الاصطلاحي.

والمقصود بالتأويل الاصطلاحي صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنىعليه دليل شرعي أو منطقي أو عرفي ولا يأباه اللفظ ولم يعارض نصًّا صريحا، ذلك لأن التأويل قد يُطلق على المعاني الأخرى التي يحتملها اللفظ والتي لم يجرِ بها عرف، كما يطلق على انكشاف الأمر للإنسان لأي سبب من الأسباب.

ويجب العلم دائما بأن المنهج القرءاني أولى بالاتباع، فالمنهج القرءاني يقدم الأمر (العنصر، الحُكْم، القول) الديني أولا، ويحاول استخلاصه من القرءان ككتاب كلي واحد، وهو لا يحاول أن يتقيد بنظرة جزئية إلى العبارات القرءانية محاولا وضعها تحت التقسيمات التراثية.

وقد قالوا إن المحكم هو ما دل بنفسه على معناه الظاهر الذي لا يقبل إبطالا ولا تبديلا دلالة واضحة لا تحتاج إلى تأويل، فهو لا يحتمل التأويل أو إرادة معنى آخر غير ما ظهر منه، لأنه مفصل ومفسر تفسيرا لا مجال معه للتأويل، فهو كالظاهر في وضوح دلالته، ولكنه أقوى منه دلالة على المعنى، والحق هو أن الذي يتصف بالإحكام المذكور هو المعنى الذي يشير إليه اللفظ إشارة مباشرة، هذا المعنى المحكم هو الذي لا يحتمل التأويل، ولكن ليس ثمة ما يمنع أن يكون للعبارة المحكمة المعنى معانٍ أخرى، مثال، قال تعالى:

{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير} [المجادلة:1]

القول 

{إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير} 

هو نصٌّ ظاهر محكم قطعي الدلالة؛ أي أن ما يدلّ عليه هو مقطوعٌ به، فهو محكم من حيث المعنى الظاهر المباشر الذي لا يحتاج إلى تأويل، وهو المعنى الأصلي والذي من لوازمه ما هو مذكور في نفس الآية في العبارة، وهو: 

{وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا}

، فالله تعالى يسمع الحوار البشري سمعا، ولا يجوز تأويل ذلك بصرفه عن معناه بالقول بأن القول 

{يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا}

 يعني "يعلم تحاوركما"، فهذا التأويل يعني الكفر بالمعنى الظاهر المباشر وبسمةٍ إلهية مذكورة وبفعل إلهي، وهذا هو التأويل المؤدي إلى زيغٍ وفتنة، ولا يوجد ما يمنع من أن الله تعالى يعلم أيضًا الحوار، وحتى بالنسبة للإنسان المخلوق لا توجد مشكلة في القول بأنه يسمع حوارا ويعلم أيضًا هذا الحوار.

ولكن القول 

{إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير}

 يتضمن معاني أخرى بحكم أنه من الآيات المتشابهات التي تتحدث عمَّن له الغيب المطلق، ولا يمكن لمخلوق أن يحيط بحقيقة السمات المنسوبة إلى الله تعالى.

فهذا القول ظاهر ومحكم من حيث دلالته على أن اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير وعلى أنه يسمع حوارات الناس، ولكنه متشابه أيضًا، ذلك لأن الإنسان بالضرورة لا يدري كنه الذات الإلهية ولا حقائق لوازمها من الأسماء والسمات، وإذا كان الإنسان مركبا في جسمه ولديه أجهزة للسمع والبصر فإن الله يتعالى علوا كبيرا فوق ذلك ويسمو فوق كل تصورات الإنسان، ولا يجوز لأحد هاهنا الحديث عن كيفٍ أو كم ولا تقديم بعض العبارات اللغوية التي هي تحصيل حاصل.

إنه يجب العلم بأن الله تعالى سَمِيعٌ بَصِير ولكن حقيقة ذلك فوق كل إدراك وتصور إنساني، وليس لدى الإنسان من وسائل ولا مناهج للتعرف على أمثال تلك الحقائق، ويكفي أن يوطن الإنسان نفسه على الشعور والإحساس الصادق بأن الله يسمع كلامه الظاهر والخفي، فلا يمكن معرفة كل شيء باتباع الوسائل الروتينية المألوفة حتى على مستوى بعض طبقات عالم الشهادة.

وهناك عبارات محكمات من حيث المعنى الظاهر، ولا تشابه فيها، ومنها آيات الأحكام مثل الآية:

{وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ .....} [البقرة:43]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ....} [المائدة:6]، {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِين} [النور:2].

وقد يقول قائل، إنهم اختلفوا في أحكام الوضوء، كما أنه توجد تفاصيل مسكوت عنها بخصوص هذه الأحكام، والحق هو أن العبارات محكمات، أما الزيادات فهي أمور ثانوية مثلها مثل النوافل كما هو معلوم، ولا يجوز لأحد القول بأنها من التفاصيل التي لم يبينها القرءان، ولا يجوز الاختلاف بشأنها، والأمر "اغسلوا" هو كالأمر "كلوا" يدرك معناه كل إنسان بالبداهة ولا يحتاج ذكر أية تفاصيل في القرءان، ولما كان القرءان تبيانا لكل شيء فقد كان يجب العلم بأن ما سكت عنه ليس بشيء، ولم يكن يجوز الاختلاف بشأنه ولا الانشغال به عن أركان الدين الكبرى ومقاصده العظمى.

ويجب العلم بأن النص قد يكون محكما من وجه، ولكن له مرتبة أخرى مثل أن يكون مجملا مثلا من وجهٍ آخر، ومن ذلك أن يكون اسما شرعيا مثلا، فالعبارة "أَقِيمُواْ الصَّلاَةَ" نص محكم، ولكن "إقامة الصلاة" هي اسم أو مصطلح شرعي يستلزم بيانا من صاحب الأمر.

والجلد ثمانين جلدة هو أمرٌ محكم، ولكن طبيعة ومادة أداة الجلد مفوضة إلى أولي الأمر وظروف العصر، فهي أمرٌ مجمل.

وبالطبع لا مجال لإقحام القول بالنسخ في تصنيف الواضح أو غيره لثبوت بطلانه، والقرءان كتاب أحكمت آياته؛ فلا نسخ فيها بمعنى أنه لا وجود لآيات أو لعبارات قرءانية منسوخة.

أما الجهاد الذي يضربون المثل به على تأبيده بمروية "الجهاد ماضٍ إلى قيام الساعة" فهو ليس حكما فرعيا جزئيا، وإنما هو أمرٌ قرءاني كبير وركن من أركان الدين، فهو ثابت بأوامر قرءانية قطعية الثبوت والدلالة، فالأمر به أمرٌ محكم ثابت، وكلام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ هو بيان لما جاء في القرءان وليس إنشاءً لحكم جديد ولا تأبيدا لأمر عارض.

ومع أن العبارات التي تتحدث عن أمور الدين الأخرى محكمة بالنسبة للمعاني الظاهرة الشائعة إلا أن ذلك لا ينفي عنها معانيها الأخرى؛ أي تأويلها بالمعنى الحقيقي للتأويل والذي يتلقاه من الناس أكثرهم استعدادا عندما يكون العصر قد أصبح مهيأً لذلك.

والتأويل الذي لا يقبله المحكم هو التأويل الذي هو وفق اصطلاحهم، وهو صرف النظر عن المعنى الظاهر للفظ إلى معنى آخر غير ظاهر فيه مع احتمال له بدليل يعضده.

أما التأويل في اصطلاحنا فهو ما يترتب على ظهور معانٍ جديدة أو فقه جديد لآية أو مجموعة آيات إما باطراد التقدم ورقي الإنسان وإما بانكشاف الحقيقة وتجليها لمن هو قادر على تقبلها وفقه تجليها، وكلمة "تأويل" هي مصدر يطلق على مجال الفعل كما هي العادة في اللسان العربي، وهذا يعني أن المعنى الجديد للعبارة الناتج عن فعل التأويل هو تأويل لهذه العبارة.

والمعنى الإشاري لابد أن في العبارة القرءانية من اللفظ ما يشير إليه، وذلك مثل كلمة "مُوسِعُون" في الآية: 

{وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون} [الذاريات:47].

فالمحكم لا يقبل التأويل الذي اصطلحوا عليه، ولكنه يقبل التأويل بالمعنى الذي ذكرناه كما أنه يمكن أن يتضمن إشارات بالمعنى المذكور هنا أيضا، والفرق بينهما أن التأويل هو معنى للعبارة في كليتها، ولا يوجد من الألفاظ ما يشير إليه، أما الإشارة فيوجد من الألفاظ ما يشير إلى المعنى الجديد.

*******

"الظاهر" يعني في اصطلاحنا ما يقصدون به الظاهر والنص، فلا فرق بينهما عندنا، ونفضل أن نسميه بالظاهر حتى يظل لكلمة "نصّ" معناها الحقيقي، فالنص هو محض اللفظ أو العبارات القرءانية؛ أي هو The Qur'ânic text ، فالاسم "نصّ" يُطلق على القرءان كله أو على أي عبارة منه باعتباره وثيقة موثوق بها تماما A fully-reliable document، ويجب على المسلم أن يؤمن بذلك كمسلمة As a postulate.

ويمكن أن يُطلق النصّ أيضًا على المعنى المقطوع به الذي ينطق به النص اللغوي؛ أي منطوق العبارة اللغوية حتى وإن لم يعلم الناس كيفية تنفيذ ما فيها، لذلك فعندما نقول إن عبارة قرءانية تنص على أمرٍ ما فهذا يعني أن هذا هو معناها الظاهر المنصوص عليه الذي لا يحتاج إلى الرجوع إلى أمورٍ خارجية لإدراكه، وعلى سبيل المثال فالعبارة 

{اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا}

 هي من حيث صيغتها نص قرءاني، وهي كذلك نصٌّ على وجوب ذكر الله ذكرا كثيرا حتى وإن لم يعلم الناس من هذا النص مأخوذا لوحده كيفية القيام بهذا الأمر، ولكن من حيث المنهج القرءاني لابد أن يتضمن القرءان وما يصدقه من سنة الرسول سبل ذلك.

وكذلك العبارة 

{وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} 

هي نصّ قرءاني، وهي تنصّ مأخوذة لوحدها على حل البيع وحرمة الربا وإن لم تبين ما هو هذا الربا المحرم، ولذلك يجب التماس معناه في آيات القرءان الأخرى وما يصدقها مما هو منسوب إلى الرسول.

ولكن يجب العلم بأن العبارات المتشابهات التي تتحدث عن الله تعالى وتنسب إليه جوارح وأفعالا لها مدلولات بشرية وحسِّية لا ظاهر لها أصلا ليتم صرفها عنه، ولذلك كان تأويلُها معزولةً عن سياقها مذموما، قال تعالى:

{هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَاب}[آل عمران:7]

وما يسمونه ظاهرها يكون بافتراض إنها منسوبة إلى غيره، أي هم يعتبرونها ظاهرة أو معلومة طبقًا للاستخدام الدارج المألوف، وهذا لا يليق، فالقول "الاستواء على العرش معلوم" يعني أنه معلوم حين يكون هذا الاستواء منسوبا إلى إنسان، أما الاستواء على العرش المنسوب إلى الله أو الرحمن فهو من الأمور المتشابهات التي لا يمكن للإنسان فقهها في ذاتها معزولة عن سياقها لعلوها فوق مداركه وتصوراته ومفاهيمه، ولكن لهذا الاستواء على العرش لوازمه وتفاصيله ومقتضياته، ومن مقتضياته وجوب الإيمان بما ذكره الله تعالى بنصه ولفظه واستشعار معانيه ذوقا، فلدى الإنسان ملكاته القلبية الوجدانية، وعليه أن يستعملها كما يستعمل ملكات القلب الذهنية، فلا يجوز حذف الجانب الوجداني من الدين.

والمقتضيات الأخرى مذكورة في الآيات وفي سياق الآيات التي تذكر الاستواء على العرش.

وقال تعالى: 

{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح:10]

فالقول "يد الله" لا ظاهر له ليُصرف عنه، ولا يجوز إعطاؤه معنى ظاهرا من حيث اللغة الدارجة، والظاهر الذي يقولون به هو نسبة اليد للمخلوق، فلا ظاهر للعبارة منسوبةً إلى الخالق، وهذا الظاهر المنسوب إلى المخلوق هو الذي يجب صرفه بالتأويل.

ولا يجوز عزل القول "يد الله" عن سياقه ومحاولة تفسيره مأخوذا في ذاته بمثل ما أنه لا يجوز محاولة فرض التصور العامي الدارج عليه، ولو صح التفسير الدارج للزمهم القول بأن الرسول هو الله!!! فالعبارة اللغوية تؤكده تأكيدا شديدا.

أما المطلوب من المؤمن فهو معرفة لوازم القول وفحواه ومقتضياته، وهي وجوب الوفاء بالعهد مع الله، والآية تهدد وتتوعد من ينكث، وتبشر من أوفى بالأجر العظيم.

ومن المعلوم أنهم بايعوا على ألا يفروا، وكان ذلك أمرا شديد الأهمية، خاصة وأنه ثبت أنهم كانوا كلما اشتد البأس فروا من حول الرسول وتركوه في نفر من أهل بيته!

ولقد رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ منهم، وليس عن غيرهم، فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا.

واللفظ قد يدل على معناه دلالة قطعية لا احتمال فيها، وقد يدل عليه دلالة فيها قدر من الاحتمالية؛ فيكون قابلا للتفسير أو التأويل، وهذا يعني احتمال المطلق التقييد واحتمال العام التخصيص واحتمال المشترك معنىً أو أكثر من معانيه المتعددة واحتمال الحقيقة المجاز، ويمكن أن يكون الاحتمال المذكور بدليل قطعي فيصبح اللفظ محكما (في اصطلاحنا) أو بدليل ظني فيصبح مؤوَّلا.

والمقصود بالتفسير التبيين المحكم؛ أي بيان المراد من اللفظ بدليل قطعي، أما التأويل فهو بيان للفظ بدليل نسبي احتمالي، وقد يستلزم أمرًا ذاتيا مثل ذوق وجداني أو خبرة سابقة، وكل ذلك قد لا يمكن التعبير عنه للناس تعبيرا دقيقا.

ويجب على من يريد التعامل مع نصوص القرءان أن يدرك أن للقرءان حقيقته الخاصة ومنهجه المحكم ونظمه الفريد، فهو لا يتبع أسلوب التأليف المعاصر الذي يفرد لكل موضوع بابا خاصا، كما أن القرءان لا يستعمل الخيال المجنح مثل الأدباء والشعراء، ولكنه حقٌّ من لدن حق، فهو بنظمه يؤدي بتلاوته وقراءته إلى تغييرات حقيقية في كيان من يقرأُه، لذلك قد تتضمن الآية مثلا حقيقية غيبية وقيمة أخلاقية وسنة إلهية واسما إلهيا.

*****

المقصود بالظاهر في اصطلاحنا ما يسمونه بالظاهر وكذلك ما يسمونه بالنص، والمقصود بالمحكم ما يسمونه بالمفسر وما يسمونه بالمحكم، والمقصود بالتأويل في اصطلاحهم هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنىعليه دليل شرعي أو منطقي أو عرفي ولا يأباه اللفظ ولا يعارض نصا صريحا، ولكن لا ريب في أن للكثير مما يسمونه بالمحكم تأويلات فوق تصوراتهم ومداركهم، ولكن تعريفاتهم تأتي دائما في سياق اختزال الدين إلى أحكام خاصة بشكليات العبادات والمعاملات والعقوبات.

ويجب الإشارة هاهنا إلى أن اختيار لفظ "ظاهر" للتعبير عما يسمونه ظاهر أو نصّ بدلا من "نصّ" هو لأن اللفظ "نصّ" يعني أصلا محض العبارة أو العبارات اللغوية Text مما سيُسبب لبسا لدى المتعاملين مع النصوص الدينية، لذلك يُفضَّل أن يظل هذا المصطلح دالا على العبارات القرءانية كعبارات بألفاظها وحروفها، وكذلك دالًا على المنطوق المباشر الثابت للنص.

وكل نصّ واضح الدلالة يجب العمل بما هو واضح الدلالة عليه، ولا يصح تأويل ما يحتمل التأويل منه إلا بدليل، فحكم الظاهر أنه يجب العمل بما ظهر منه أي بمدلوله حتى يقوم دليل على تفسيره أو تأويله، لأن الأصل عدم صرف اللفظ عن ظاهره إلا إذا اقتضى ذلك دليل.

وفي كل الأحوال لا يجوز لأحد أن يقول عن عبارة قرءانية إنها ليست مسوقة بالأصالة لكذا أو مسوقة بالأصالة لكذا إلا إذا كان لديه دليل قطعي على ذلك من أسس الدين ومن العبارة وسياقها، أما استعمال هذا القول جزافًا فهو فضلا عما فيه من سوء أدب هو حكم بالظن على نصٍّ قطعي الثبوت والدلالة.

وأدلتهم لبيان وشرح "الظاهر" مفتعلة وغير صحيحة، ولا فرق بينه وبين النصّ، ولذلك نسمي النص بالظاهر حتى لا يحدث لبس بين النص بالمعنى المقرر في الأصول وبين النص بمعنى محض العبارات اللغوية في وثيقةٍ ما A text.

والظاهر يحتمل التأويل أي صرفه عن ظاهره وإرادة معنى آخر منه، فإن كان الظاهر عاما يحتمل أن يخصص، وإن كان مطلقا أن يقيد، وإن كان حقيقة يحتمل أن يراد به معنى مجازي، وغير ذلك من وجوه التأويل.

وما يقدمونه من عبارات تتحدث عن الأحكام وتقول بوجوب تأويلها لا يوجد فيها ما يوجب تأويلها، وإنما يقدم النصّ النماذج التي يمكن النظر فيها وإدراك مضمونها ومفهومها، وكل نص هو محكوم أصلا بمصطلحات القرءان وبمنهجه وبقيمه وبمقاصد الدين العظمى وقيمه الكبرى، وإلا فإنه يمكن القول بأن من يملك مليار دولار لا تجب عليه زكاة لأنه لم يرد للدولار ذكر في مصادر التشريع.

ولما كان القرءان ذا سمات عالمية فإنه يجب أخذ ذلك في الاعتبار دائما، فلسماته الثابتة الحكم على العبارات والأحكام، وعلى سبيل المثال فإنه في المجتمعات البدائية التي لا تعرف النقود يمكن التعامل بالأشياء العينية وأداء الحقوق بها، أما في المجتمعات الحديثة فلا حرج في استعمال ما هو شائع من أوراق نقدية، بل إن الحرج والمشقة فيما هو بخلاف ذلك.

ويجب تذكر دائما أن القرءان يخاطب قوما يفقهون ويعقلون ويعلمون، فليس المقصد من إطعام المسكين مثلا أن يضع المطعم الطعام في فمه كما هو لازم كلام الحرفيين والظاهريين!

فلا يجوز أبدًا إلزام نصوص القرءان بالمعاني العامية الدارجة أو الحرفية بمعزل عما هو ثابت من سمات الدين وأسسه وقيمه وسننه.

وقد يكون للظاهر معان أخرى يمكن التوصل إليها بتدبر القرءان أو بالذوق المباشر مثل أكثر الظاهر الذي يتحدث عن أمور غيبية أو خارج نطاق الخبرة البشرية، والمعنى الملزم للناس هو الذي يمكن إقامة الدليل عليه ببرهان مبين.

ولا وجود لآيات قرءانية منسوخة، ولا يحق لأحد ان يقول واصفا عبارة قرءانية بأن المراد منها ليس هو المقصود أصالة من سوقها إلا إذا كان لديه برهان مبين، وجلّ ما زعموا أنه ليس مسوقا بالأصالة له مقاصده ودلالاته الواضحة، فلا يجوز تصنيف العبارات من حيثيات كهذه.

أما النوع الذي يسمونه بالمفسَّر فهو أوضح من الظاهر لأجل قرينة في النص أو لدليل خارجي أخرجه من الإجمال إلى الوضوح، أو من احتمال التأويل إلى عدم احتماله، فهو مثل المحكم إلا إنه عندهم يحتمل النسخ، ولا وجود في القرءان لآيات أو لأحكام منسوخة، وبذلك يكون المفسَّر هو عين المحكم.

وكل نصّ واضح الدلالة (الظاهر، المحكم) يجب العمل بما هو واضح الدلالة عليه، ولا يصح تأويل ما يحتمل التأويل منه إلا بدليل، فكل من جاء بتأويل لابد من أن يقدم بين يديه ما يلزم من برهان مبين، وإلا فليعتبره أمرًا ذاتيا خاصًّا به.

ولا وجود لأي تعارض في القرءان يستلزم تقديم محكم على ظاهر، ولا ينشأ التعارض إلا عند من وقعوا أسر تعريفاتهم ومصطلحاتهم ومنهجهم وفقههم، ولا يحق لهم اقتطاع عبارة من كل سياقاتها الممكنة ليتسنى بها إثبات قاعدة أصولية لغوية، ولا يجوز ليّ عنقها لكي يتسنى من بعده القول بأن عبارة أخرى قد قيدتها أو خصصتها أو نسختها، وهذه العبارة يجب أن تُفسَّر في إطار عناصر وقيم وسنن دين الحق ذات الصلة، ومن يعمل وفق المنهج القرءان لن يجد ابدًا أي اختلاف أو تعارض بين آياته، وكيف يمكن أن يجد اختلافا وهو قد استخلص القول في مسألة بالنظر في كل الآيات التي تتحدث عن نفس المسألة؟

وكما سبق القول لا يمكن الزعم بأن العبارة مسوقة لكذا وغير مسوقة لكذا، العبارة مسوقة لتعطي معانيها الظاهرة والمحكمة ولتقرر ما فيها من أحكام، فلا فرق بين الظاهر وبين النص.

*******

وبالطبع لا مجال لإقحام القول بالنسخ في تصنيف الواضح أو غيره لثبوت بطلانه، والقرءان كتاب أحكمت آياته؛ فلا نسخ فيها بمعنى أنه لا وجود لآيات أو لعبارات قرءانية منسوخة.

*******

فلا يجوز أبدًا إلزام نصوص القرءان بالمعاني العامية الدارجة أو الحرفية بمعزل عما هو ثابت من سمات الدين وأسسه وقيمه وسننه.

والتأويل المقبول هو ما لا يلغي المعاني الأصلية الثابتة بل يثريها، ويلقي مزيدا من الضوء على معانيها ولا يأباه اللفظ؛ بل يحتمل الدلالة عليه بطريق الحقيقة أو المجاز، ولم يعارض نصا صريحا ولا عنصرا من عناصر الدين الثابتة.

وقد يكون للظاهر معان أخرى يمكن التوصل إليها بتدبر القرءان أو بالذوق المباشر مثل أكثر الظاهر الذي يتحدث عن أمور غيبية أو خارج نطاق الخبرة البشرية، والمعنى الملزم للناس هو الذي يمكن إقامة الدليل عليه ببرهان مبين.

ولا وجود لآيات قرءانية منسوخة، ولا يحق لأحد ان يقول واصفا عبارة قرءانية بأن المراد منها ليس هو المقصود أصالة من سوقها إلا إذا كان لديه برهان مبين، وجلّ ما زعموا أنه ليس مسوقا بالأصالة له مقاصده ودلالاته الواضحة، فلا يجوز تصنيف العبارات من حيثيات كهذه.

أما النوع الذي يسمونه بالمفسَّر فهو أوضح من الظاهر لأجل قرينة في النص أو لدليل خارجي أخرجه من الإجمال إلى الوضوح، أو من احتمال التأويل إلى عدم احتماله، فهو مثل المحكم إلا إنه عندهم يحتمل النسخ، ولا وجود في القرءان لآيات أو لأحكام منسوخة، وبذلك يكون المفسَّر هو عين المحكم.

وكل نصّ واضح الدلالة (الظاهر، المحكم) يجب العمل بما هو واضح الدلالة عليه، ولا يصح تأويل ما يحتمل التأويل منه إلا بدليل، فكل من جاء بتأويل لابد من أن يقدم بين يديه ما يلزم من برهان مبين، وإلا فليعتبره أمرًا ذاتيا خاصًّا به.

1

1.png