التشريع الديني

التشريع في الدين هو بالأصالة لله تعالى، فالشريعة تكون بالأمر الإلهي وبالجعل الإلهي، وليس باجتهاد بشري، وهذا يتضمن أن يوكل إلى رسله الأنبياء ضبط بعض التشريعات العملية، فذلك من التشريع بإذنه عن أمره، وقد خُتِم ذلك بختم النبوة.

فالشريعة تكون بالأمر الإلهي وبالجعل الإلهي، وليس باجتهاد بشري، قال تعالى:

{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ }الجاثية18، {....لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}المائدة48، {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ }الشورى13، {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }الشورى21.

فالتشريع في الدين هو شأنٌ إلهي خاص، وأول من هم ملزمون به هم رسل الله، فليس لأحد أن يتخذهم أربابًا معه، وبالأحرى لا يجوز لأحد أن يتخذ من هم من دونهم شركاء، فاتخاذ مشرعين في الدين بدون إذن إلهي هو شرك، بل هو من أكثر أنواع الشرك ذيوعا وانتشارا.

والدين واحد، وهو الإسلام، قال تعالى:

{إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ }آل عمران19،  {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }آل عمران85، {...الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً....}المائدة3،  {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} الصف7.

فالإسلام هو الدين الذي شرعه الله لعباده ووصَّاهم به، وهو الذي بلغ ذروة كماله بالرسالة المحمدية، فخُتِمت بذلك النبوة.

أما الشرائع والمناهج فهي قابلة للتعدد، ذلك لأن أتباع النسخ القديمة من الدين -والتي تجاوز التطور بعض عناصرها وأوامرها وأحكامها، والتي لم يعد فيها عناصر كافية لسدّ حاجة الإنسانية- قد يظلون متشبثين بما ألفوا عليه آباءهم، أو ربما لم تصلهم الرسالة الجديدة بطريقة سليمة قويمة، أي لم يتحقق لهم البلاغ المبين، فيظلون مطالَبين بما لديهم من شرعة ومنهاج.

والإسلامُ لم يبدأْ من الصفر في العصر النبوي؛ ذلك ظن الذين كفروا، ولكن الرسالة المحمدية كانت تتويجًا لرسالات الأنبياء السابقين التي تتضمن أوامر بالإيمان بالله وحده وبإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصيام والركوع والسجود والتوبة والتقوى والاستغفار والشكر لله....الخ، والرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ لم يكن النبي الوحيد، وإنما كان خاتم النبيين بكل ما يتضمنه ذلك من معنى، وقد كان مأمورا في القرءان باتباع ملة ابيه إبراهيم عليه السلام، وكيفيات أداء بعض العبادات كالصلاة والحج ترجع إلى هذه الملة، وقد تم إجراء بعض التعديلات فيها بالرسالة المحمدية، ولقد انتقلت العباداتُ العملية بالتواتر العملي المجتمعي الجماهيري، فلقد أدَّاها مع الرسول عشرات الألوف نقلوها إلى مئات الألوف، نقلوها إلى ملايين، ودونها أئمة "الفقه" قبل أن يولد جامعو الآثار والمرويات، ولم يكن للمتسلطين أية مصلحة في المخاطرة بتحريف كيفيات الصلاة ولم يرو التاريخ أن أيهم حاول ذلك إلا ما كان من فعل بعض مجرمي الأمويين، وقد تصدَّت الأمة لهم في حينه.

بل كان للمتسلطين مصلحةٌ مؤكدة في حمل الناس على الغلو في أمر العبادات العملية وتوثينها وحث الناس على تفريعها والتفنن في تفصيل حركاتها، وكانوا يقولون عندما يسمعون عن أحد الصالحين الذي يخشون بأسه أنه انشغل بأمور العبادات التقليدية: "نِعْم ما شغل به نفسه"، أما القرءان فقد تضمن علومًا وأوامر جديدة بخصوص العبادات.

ومع كل ذلك فلابد من معرفة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ كان منوطًا به مهام عديدة بالنسبة لقومه، وهي ثابتة بنصوص آيات القرءان الكريم، فهو كان يعلِّم قومه ويزكيهم ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون ويبشر وينذر ويدعو إلى الله ويحكم بينهم ويبين لهم ما غمض عليهم، وقد كان منوطا به أن يحقق فيهم وبهم المقصد الدين الأعظم بأن يجعل منهم الأمة الخيرة الفائقة، وقد كان بلا ريب وليّ أمر هذه الأمة، وقد كان بالفعل يتولى كافة أمورهم، فلابد أنه فعل أفعالا وقال أقوالا بمقتضى كل ذلك، وكان كل ذلك لازما له ليتحقق بكماله المنشود وليبلغ درجته الرفيعة.

وقد كان يعلمهم القولَ القرءاني في كل مسألة باعتبار أنه الأعلم بما نزل منه وأنه أعلمُ الخلق به وبمنهجه في إيراد الحقائق، فالقرءانُ بالفعل مبين ومبيِّن وتبيانٌ لكل شيء لمن كان على درجة عالية من العلم والرقي الذهني والوجداني، وكان الأرقى في كل ذلك هو الرسول، هذا فضلا عن أن حفظة كل ما أُنزل من القرءان كانوا دائما قليلين، لكل ذلك لابد أن الرسول كان يبيِّن لهم القرءان بالقرءان ويوضح لهم ما غمض عليهم.

وثمة أمر قرءاني موجه إلى الرسول والمؤمنين باتباع ملة إبراهيم، وكان الرسول يعمل بمقتضى ذلك، وأعماله وأقواله كانت مبينة لهذه الملة، وتفصيلها لم يرد في القرءان بحكم أنها كانت معلومة لهم، وهو بالتأكيد الذي طهرها مما لحق بها بهديٍ من ربه.

وآية الشورى 21 تلمح إلى أن التشريع ممكن ولكن بالإذن الإلهي، ولا يكون ذلك بالطبع إلا لمن يتلقى الوحي بالطريقة الشرعية الرسمية مثل الرسل الأنبياء والأنبياء المرسلين، فالرسول كان مأذونًا له بالاختيار لأمته في أمور العبادات العملية مثل الصلاة والحج فاختار الأيسر لأمته، ولقد أشار الرسول إلى ذلك بموقفه ممن قال في شأن الحج: "أفي كل عام يا رسول الله؟"، فأعرض عنه عدة مرات ثم قال ما معناه إن الحج مرة واحدة في العمر وأشار إلى إنه لو قال "نعم" لوجبت، وهذا التشريع يكون في إطار ما هو معلوم ومقرر ومذكور في القرءان.

وبعد ختم النبوة لم يعد ممكنا لأي مخلوق أن يأتي بقول أو رأي أو تشريع ثم ينسبه إلى الله تعالى، فكل رأي أو قول نتج عن استعمال الإمكانات الذهنية البشرية أو الآليات البشرية مثل الإجماع أو القياس أو الاستحسان أو الاستصلاح لا يجوز أن يُعتبر تشريعًا دينيا، وإنما تلزم طاعته من حيث وجوب طاعة أولي الأمر إذا كان صادرا عن أولي أمر حقيقيين، وذلك إلا إذا قدم أولو الأمر من البراهين ما يثبت أن الأمر الحادث أو المستجد هو من تفاصيل أمر شرعي متسع بحكم طبيعته وقابل للتنوع والتطور بمضي الزمن.

ولما كان من سمات الرسالة الخاتمة العالمية والشمول والصلاحية لكل زمان ومكان فإنه توجد أوامر قرءانية هي بالأصالة ذات طبيعة مفتوحة، فلم يتم لذلك النص على كل عناصر مجالاتها ومصاديقها وهي أنواع:

1. منها ما هو قابل للاجتهاد والإبداع والتنوع، ومنها الأوامر بذكر الله والتسبيح له، قال تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42)} الأحزاب، وقال: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26)} الإنسان، {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8)} المزمل،

سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)الْأَعْلَى، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52) الْحَاقَّةُ،

ولقد كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ باعتباره أول المسلمين وأول العابدين أول عاملٍ بهذه الأوامر الإلهية، لذلك صدرت عنه صيغ لذكر الله والتسبيح قياما بهذه الأوامر، وهي تحاكي ما هو في القرءان وتستلهم منه، وبعضها مجرد تكرار لما هو فيه، وقد نقلها الناس عنه، ومنها مثلا صيغ التسبيح في الركوع والسجود، وهي مجرد التزام بالأوامر القرءانية، لذلك فلا يوجد أي مبرر للإعراض عنها، ومن يأخذ بها يكون منفذا للأمر بالذكر، ومنفذا للأمر بطاعة الرسول ومنفذا للأمر بالتأسِّي به، قال تعالى:

{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56)} النور، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)} الْأَحْزَاب،

ويلاحظ أنه يوجد أمر صريح بالتأسي بالرسول في الذكر الكثير لله، كما يمكن التأسي به في عمله ذاته، بمعنى أن يذكر الإنسان ربه وأن يستغفره بالعمل بالأمر المباشر في آيات القرءان، أو بمحاكاة ما هو فيه.

2. توجد أوامر قرءانية تتنوع وتتسع وتتطور مصاديقها بمضي الزمن واطراد التقدم، وذلك بمعنى أنه تستجد أمور يمكن أن تكون من مجالاتها، ومنها العمل الصالح، ولقد بيَّنه الرسول لقومه بسلوكه، ويجب على المسلمين التأسي بجوهره ولبه، وكذلك الإنفاق في سبيل الله.

3. توجد أوامر قرءانية تتضمن مصطلحات تتنوع وتتسع وتتطور مصاديقها بمضي الزمن واطراد التقدم، وذلك بمعنى أنه تستجد أمور يمكن أن ينطبق المصطلح عليها، ومن ذلك المصطلحات: فقير، مسكين، الفاحشة، السارق، الخمر، .... الخ، ولقد بيَّن الرسول لقومه في عصرهم معانيها.    

إنه يجب العلم بأن الإسلام في أحدث صوره، وهي صورته المكتملة في نهاية العصر النبوي، هو أكمل الأديان والشرائع، وهو الدين العالمي الملزم للناس كافة، ولكي يظل دائما صالحا لكل عصرٍ ومصر وليواكب التطور قد استعمل بعض المصطلحات القابلة للاتساع واستيعاب أمور قد تستجد بسبب التطور، فهو مثلا قد قال إن الصدقات للفقراء، وترك التعريف الدقيق للفقير لكي يحددَه أولو الأمر من المؤمنين المؤهلين، فالفقير في الصومال ليس كالفقير في السويد مثلا، وأولو الأمر هنا هم علماء الاقتصاد والاجتماع والإنسانيات المؤمنون من الصفوة أولي الألباب.

والإسلام جعل الظلم من كبائر الإثم، ومن المعلوم أنه تستجد باستمرار صور جديدة من المعاملات، وعلى أولي الأمر تحديد ما قد يشوب هذه المعاملات من ظلم وسن ما يلزم من القوانين لمنعه، وهكذا.

والتشريع الإلهي يترتب عليه سنن كونية، بمقتضى هذه السنن يعاقَب العاصي ويثاب الطائع، ويكون تحقق ذلك -على الأقل- على المستوى الجوهري الذي يترتب عليه المصير الأخروي.

أما التشريع البشري فيجب طاعته في ظل وجود الأمة الإسلامية المالكة لأمورها لوجوب طاعة أولي الأمر، وهذا أمر قرءاني ملزم، وبالطبع فإن ثواب أو عقاب الإنسان لموقفه الاختياري الواعي من التشريع الإلهي أكبر بكثير.

ويلزم التأكيد على أنه لا يمكن لأية آلية بشرية أن تحول حكمًا بشريا وضعيًّا إلى حكم ديني، وإنما يمكن لهذه الآلية أن تبيِّن بالدلائل والبراهين أن أمرًا مستجدا يمكن أن يندرج تحت مصطلح شرعي من المصطلحات القابلة أصلا للاتساع، مع العلم بأن المرجع الأوحد لتحديد المصطلحات الشرعية هو القرءان وحده، كما يمكن إثبات أن أمرا مستجدا يندرج تحت حكم أمرٍ أو نهي قرءاني صريح، فيجب عندها العمل بمقتضى ذلك.

*******

عدد المنشورات الفرعية : 65

عدد المنشورات : 457