من خصائص التزكي الإسلامي

إن التزكي الإسلامي لا يكون عبر قمع الحواس الظاهرة والإعراض التام عن العالم الظاهر وإنما يكون عبر استعمال ملكات الإنسان إلى المدى الأقصى وبخوض أمور الحياة بقوة وإيجابية.

إن النهج الرهباني لا يمكن أن يكون وسيلة للتزكية ولا للمعرفة في الإسلام، ذلك لأن الإنسان لا يمكنه مهما فعل أن يتحرر من العقائد التي ألفها وتغلغلت في جذر نفسه والمعلومات التي انطبعت علي لوح قلبه، وإنه لابد -وإن اختلي في الصحراء وانقطع تماما عن الناس قامعا كل حواسه- أن يبنى كل أفعاله علي عقيدة أو معلومات ماثلة في قلبه، وكل ذلك يولد لديه استعدادات غير متفقة بالضرورة مع الحقيقة لاستقبال ما هو متسق معها من المعارف والمعلومات والعقائد، لذلك فإن كل المتريضين مهما كانت عقائدهم يتلقون من الأمور ما يثبتهم علي ما هم عليه، ولذلك أيضًا فإن الدين الحق ينأى بنفسه وبمتبعيه عن مثل هذا النهج وإنما يجب على الإنسان الالتزام بما يلي:

1- أن يجعل الله تعالى شغله الشاغل وأن يوطن نفسه على الإحساس بحضوره الدائم معه مرددا سرا وجهرا الآيات القرءانية التي تزكي هذا الإحساس عنده.

2- أن يكرس حياته كلها لله رب العالمين فيجعل من كل أقواله وأفعاله وسائل للتقرب إليه.

3- أن يواظب على قراءة القرءان وتدبره والتعلم منه وأن يعتصم به وأن يعلم أنه لا يمكن بعد إنزاله ابتغاء الهدي في غيره وأن يعلم أنه النهج الإلهي الكامل المتسق مع نفسه فلا يمكن أن يكون ثمة اختلاف فيه.

4- أن يتلقى عقائده رأسا من القرءان دون أية إعادة صياغة فلا يلتفت إلى العقائد المنسوبة إلى الأشخاص بل يعمل على أن يعايش وأن يتذوق الآيات التي تقدم له المعرفة بعالم الغيب وأن يرددها سرا وجهرا.

5- أن يتعلم كيف يتأسى بالرسول الأعظم من حيث إنه كان المثل الأعلى للكمال الإنساني وكيف مارس عبادة الله عن طريق كل عمل قدمه في حياته وأن يعمل على توطيد صلته به عن طريق تذكره بالصلاة والتسليم عليه.

6- أن يوطن نفسه على أن يعمل بمقتضيات ما علم وبذلك تدخل العلوم العليا في صميم كيانه الجوهري وتعمل على الرقي به وتكتب في قلبه بحيث يجد نفسه مبرمجا للعمل وفق مقتضياتها.

7- أن يتعرف على السنن الكونية من حيث هي مقتضيات للسنن الإلهية وأن يعمل على أن يتفقه فيها.

8- أن يسعى بكل قوى وجوده إلى طلب الحق ومعرفته وأن يعقد العزم على اتباع الحق كلما ظهر له.

9- أن يجتنب أي باطلٍ أو إثم.

10- أن يمارس العبادات بسماحة ويسر، وألا يشدد على نفسه وألا يظن أن الوصول إلى الله تعالى يقتضي ركوب الأهوال أو الاعتصام بقمم الجبال، ذلك لأن الله تعالى  أقرب إلى عبده من نفسه.

11- أن يحاول اكتساب كل خلق نبيل أشاد به القرءان الكريم وأن يحاول التطهر من كل خلق ذمه.

*******

إن الإنسان مطالب بالتحقق بالإحسان الذي هو شعبة كبرى من شعب دين الحق، والإحسان هو من مراتب التحقق بذكر الله والتقوى، ولكي يتم ذلك لابد من التزكي؛ أي تزكية الكيان الإنساني، وهذا يستلزم معرفة أن الشعائر إنما شُرِعت لمقاصد معلومة ومنصوص عليها في الكتاب العزيز، ولابد للإنسان من دوام استحضار تلك المقاصد وتصورها وتصحيح نواياه بهدف تحقيقها، فالعمل المحض ليس بكافٍ في حد ذاته، فالمصلي مثلا يجب أن يستشعر الحضور الإلهي فيناجي رباً هو معه ويؤدي واجب الحمد له والشكر له والثناء عليه والتسبيح بحمده ويخشع لذكره ويخبت إليه.

*******

إن الطبيعة الذاتية للإنسان تجعل له كيانا جوهريا أوليا قابلا للتغير والتطور، ولقد أُعطي الإنسان فرصة ممتدة بطول عمره لكي يزكي كيانه الجوهري لذلك فلا بد من أن يعمل الإنسان ليحقق الازدياد المطرد لكماله الإنساني، فنمو الكمال الإنساني من طبيعة ولوازم هذا الكمال، فمن الكمال أن يزداد الإنسان كمالا، وذلك أيضا لأن الكون ذاته يتطور ويترقى، فالعالم ليس في حالة سكون، فمن حاول البقاء على حاله (وهذا غير ممكن أصلا) فهو مسبوق لا محالة، ولذلك لابد له من السعي والعمل الصالح.

*******

إن التزكي المعوَّل عليه هو تزكية الكيان الجوهري الإنساني، وكما يمكن بالتريض والغذاء الجيد زيادة قوة وحجم الجسم يمكن بتريض من نوع آخر زيادة قوة وكفاءة ومدي وشمول حواس الإنسان الباطنة أي ازدياد قوة وعلو وعظمة الكيان النفسي، ولكن كما أنه ليس ثمة ارتباط ضروري بين قوة الجسم وبين قوة النفس فليس ثمة ارتباط ضروري بين قوة النفس وبين قوة وسمو الكيان القلبي الجوهري، فتزكية القلب هي تزكية لب الكيان الإنساني الجوهري، وهي لب ركن التزكي، ولا بد لها من عقيدة صحيحة وقابلة للتطور والترقي، ذلك لأنه قد يكون لدي الإنسان عقيدة بدائية صحيحة ولكنه لا يبغي عنها حولا ويتشبث بها ويعض عليها بالنواجذ ولا يعلم بإمكان اتساعها ونموها ورقيها، فيغلق بذلك الطريق على نفسه ويوصد الباب في وجه كل حقيقة تريد أن تلج في قلبه، فلا يستقبل من العالم حوله ولا يتأثر إلا بما يتوافق مع عقيدته.

*******

عدد المنشورات الفرعية : 65

عدد المنشورات : 457