أهل الذكر وأهل البيت والعترة

أهل الذكر وأهل البيت والعترة


قال تعالى:

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)} النحل، {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8)} الأنبياء

أهل الذكر المطلوب سؤالهم في الآية هنا هم أهل الكتب المنزلة الأولى؛ أي التوراة والإنجيل وما بينهما من أسفار الأنبياء، أما أهل الذكر من بعد الرسالة الخاتمة فهم أهل الكتاب المهيمن الذي هو القرءان الكريم، فهم الذين يتخذونه إمامًا ويجعلونه المرجع الرئيس والمنطلق الأساسي، فهم المتمسكون به وهم أهل الله تعالى وخاصته وهم أهل البيت الحقيقيون وأهل السنة الحقيقية، فأولئك هم الذين يجب أن يُسألوا في أمور الدين الحقيقية والجوهرية، وهم لا يتكسبون بالذكر وإنما يعتبرون انتفاع الناس بعلمهم خير ثواب لسعيهم.

فأهل الذكر هم من أصبح القرءان آيات بينات في صدورهم، وعلى العمل به والاستنباط منه بُرمجت قلوبهم.

والآيات تنص على أن الرسل كانوا بشرا يأكلون الطعام، وأنه لم يُكتب لأحد منهم الخلد، وتلك حجة على من قالوا إنه كان يوجد رسل لم يموتوا قبل العصر النبوي أو لن يموتوا بعده، فلا صحة لمروياتهم المختلقة عن المسيح وأنه لم يُتوف، وأنه سينزل من بعد ليتوفى .... الخ.

وقد ورد التعبير "أَهْل الْبَيْتِ" مرتين في القرءان:

قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)} هود، {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)} الأحزاب

وأَهْل الْبَيْتِ في الآيات هم أهل بيت الرسول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، وهو بالطبع منهم؛ هو، ومن يقول هو إنهم منه.

والقرب من أي نبي هو سلاح ذو حدين؛ إذ يترتب عليه مضاعفة التبعات، أي مضاعفة الثواب والعقاب على نفس العمل مقارنة بغيرهم، قال تعالى:

{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31)} الأحزاب

وأشد الناس صحبة لأي نبي هي صاحبته (زوجته)، ومع ذلك فلم تنتفع بهذه الصحبة اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ، قال تعالى:

{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِين} [التحريم:10]

وحتى أبناء الرسل الأنبياء قد لا ينتفعون بصحبتهم كما لم ينتفع بهذه الصحبة ابن نوح، قال تعالى:

{... وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)} هود، {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47)} هود

والفعل "يُرِيدُ" في آية الأحزاب يعبر عن المقصد الإلهي من التشريع مثلما هو الحال في الآية:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)} المائدة

والمقصد من التشريع يتحقق للإنسان بمقدار عمله بمقتضى الأمر الشرعي، وليس باعتباره قريبا من أحد الصالحين أو صاحبا له، ولو كانت القرابة أو الصحبة تنفع بدون إيمان وعمل صالح لكان أولى الناس بها ابن نوح وامرأته.

ولا يوجد أي مبرر لاستبعاد نساء النبي من الأوامر الواردة في آيات الأحزاب، فهن مخاطبات بها بالأصالة، وهذا أمر تكليف وتحميل لمسؤولية، وليس بالضرورة أمر تشريف.

ولقد وردت مرويات ذات أصل صحيح عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ تحث الناس على التمسك بعترته، وتقول إنهم لن يفترقوا عن القرءان،والعترة هم الصفوة من أهل البيت الذين أوصى الرسول بالتمسك بهم، وحيث أن أمر التمسك بالعترة كان المقصود به بصفة أساسية وعلى المستوى الظاهر قوم الرسول، فإنه لم يرد صراحة في القرءان، وإنما ورد تلميح، أما التصريح فقد جاء في كلام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، وكان ذلك من باب الرحمة بقومه وبالمسلمين من بعدهم، فقد كان معلوما مسبقًا أنهم سيخالفون عن هذه الأوامر.

ومن المرويات التي تحث على التمسك بالعترة:

جاء في صحيح مسلم -

36 - (2408) عن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيبا. بماء يدعى خما. بين مكة والمدينة. فحمد الله وأثنى عليه. ووعظ وذكر. ثم قال "أما بعد. ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب. وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ. واستمسكوا به" فحث على كتاب الله ورغب فيه. ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي.

وجاء في سنن الترمذي:

[ 3788 ] حدثنا علي بن المنذر كوفي حدثنا محمد بن فضيل قال حدثنا الأعمش عن عطية عن أبي سعيد والأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قالا: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنْ الْآخَرِ كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما".

[ 3786 ] حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي حدثنا زيد بن الحسن هو الأنماطي عن جعفر بن محمد عن أبيه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي"، قال وفي الباب عن أبي ذر وأبي سعيد وزيد بن أرقم وحذيفة بن أسيد قال وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه قال وزيد بن الحسن قد روى عنه سعيد بن سليمان وغير واحد من أهل العلم

أما أهل الكساء، فهم خاصة من خاصة:

جاء في مسلم:

61 - (2424) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبدالله بن نمير (واللفظ لأبي بكر). قالا: حدثنا محمد بن بشر عن زكرياء، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة. قالت: قالت عائشة:

خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل، من شعر أسود. فجاء الحسن بن علي فأدخله. ثم جاء الحسين فدخل معه. ثم جاءت فاطمة فأدخلها. ثم جاء عليّ فأدخله. ثم قال {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}

وجاء في الترمذي:

[ 3787 ] حدثنا قتيبة حدثنا محمد بن سليمان الأصبهاني عن يحيى بن عبيد عن عطاء بن أبي رباح عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم قال نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } في بيت أم سلمة فدعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة وحسنا وحسينا فجللهم بكساء وعليّ خلف ظهره فجلله بكساء ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله؟ قال أنت على مكانك وأنت إلى خير قال وفي الباب عن أم سلمة ومعقل بن يسار وأبي الحمراء وأنس قال وهذا حديث غريب من هذا الوجه.

واستبعاد أم سلمة هنا لأنها ليست من العترة، وبالتالي ليست من أهل الكساء، ولكنها من أهل البيت.

وفي تفسير الطبري:

حدثنـي عبد الكريـم بن أبـي عمير، قال: ثنا الولـيد بن مسلـم، قال: ثنا أبو عمرو، قال: ثنـي شدّاد أبو عمار قال: سمعت واثلة بن الأسقع يحدّث، قال: سألت عن علـيّ بن أبـي طالب فـي منزله، فقالت فـاطمة: قد ذهب يأتـي برسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاء، فدخـل رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخـلت، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى الفراش وأجلس فـاطمة عن يـمينه، وعلـيًّا عن يساره وحسنًا وحسينًا بـين يديه، فلفع علـيهم بثوبه وقال: "{ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } اللَّهُمَّ هَؤلاءِ أهْلـي، اللَّهُمَّ أهْلـي أحَقُّ " قال واثلة: فقلت من ناحية البـيت: وأنا يا رسول الله من أهلك؟ قال: " وأنت من أهلـي " ، قال واثلة: إنها لـمن أَرْجَى ما أرتـجي.

وجاء في صحيح مسلم؛ باب من فضائل علي بن أبي طالب:

30 - (2404) حدثنا يحيى بن يحيى التميمي وأبو جعفر، محمد بن الصباح وعبيد الله القواريري وسريج بن يونس. كلهم عن يوسف بن الماجشون (واللفظ لابن الصباح). حدثنا يوسف، أبو سلمة الماجشون. حدثنا محمد بن المنكدر عن سعيد بن المسيب، عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص، عن أبيه، قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي "أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي".

قال سعيد: فأحببت أن أشافه بها سعدا. فلقيت سعدا. فحدثته بما حدثني عامر. فقال: أنا سمعته. فقلت: آنت سمعته؟ فوضع إصبعيه على أذنيه فقال: نعم. وإلا فاستكتا.

31 - (2404) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا غندر عن شعبة. ح وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار. قالا: حدثنا محمد بن جعفر. حدثنا شعبة عن الحكم، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن سعد بن أبي وقاص. قال:

خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب، في غزوة تبوك. فقال: يا رسول الله! تخلفني في النساء والصبيان؟ فقال "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي".

31-م - (2404) حدثنا عبيدالله بن معاذ. حدثنا أبي. وحدثنا شعبة، في هذا الإسناد.

32 - (2404) حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن عباد (وتقاربا في اللفظ) قالا: حدثنا حاتم (وهو ابن إسماعيل) عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال:

أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال: ما منعك أن تسب أبا التراب؟ فقال: أما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلن أسبه. لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له، خلفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول الله! خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى. إلا أنه لا نبوة بعدي". وسمعته يقول يوم خيبر "لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله" قال فتطاولنا لها فقال "ادعوا لي عليا" فأتى به أرمد. فبصق في عينه ودفع الراية إليه. ففتح الله عليه. ولما نزلت هذه الآية: فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبنائكم [3/ آل عمران/61] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال "اللهم! هؤلاء أهلي".

فهذه هي الخلافة على الأمة، فهارون لم يكن ملكا، ولم يكن الملك في ذريته، وإنما في ذرية يهوذا، فداود وسليمان وكل من تلاهما إلى آخر ملك هاجم البابليون مملكته كانوا من سلالة يهوذا، ومسيحهم المنتظر -وهو عندهم ملك- هو من جذع يسَّى والد داود.

وهذه المرويات تحدد تماما ما هو المقصود بالعترة؛ علي وفاطمة والحسن والحسين فهم خيار من خيار، وهم الذين دعوا ليباهلوا وفد أهل الكتاب.

كما أنها تقوض كل ما أحدثه أهل اللاسنة فيما يختص بالصحابة، فها هو إمامهم معاوية الذي يعتبرونه صحابيا جليلا، وبعضهم يرفعه بلسان الواقع والحال إلى مرتبة الأرباب، ها هو يسبّ أحد السابقين الأولين ويؤنب أحد السابقين الأولين (المبشرين بالجنة) لأنه لم يلتزم بأوامره.

32-م - (2404) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا غندر عن شعبة. ح وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار. قالا: حدثنا محمد بن جعفر. حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم. سمعت إبراهيم بن سعد عن سعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال لعلي "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى".

33 - (2405) حدثنا قتيبة بن سعيد. حدثنا يعقوب (يعني ابن عبد الرحمن القاري) عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، يوم خيبر "لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله. يفتح الله على يديه". قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ. قال فتساورت لها رجاء أن أدعى لها. قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب. فأعطاه إياها. وقال "امش. ولا تلتفت. حتى يفتح الله عليك". قال فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت. فصرخ: يا رسول الله! على ماذا أقاتل الناس؟ قال "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم. إلا بحقها. وحسابهم على الله".

34 - (2406) حدثنا قتيبة بن سعيد. حدثنا عبدالعزيز (يعني ابن أبي حازم) عن أبي حازم، عن سهل. ح وحدثنا قتيبة بن سعيد (واللفظ هذا). حدثنا يعقوب (يعني ابن عبد الرحمن) عن أبي حازم. أخبرني سهل بن سعد؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر "لأعطين هذه الراية رجلا يفتح الله على يديه. يحب الله ورسوله. ويحبه الله ورسوله" قال فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها. قال فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. كلهم يرجون أن يعطاها. فقال "أين علي بن أبي طالب؟" فقالوا: هو، يا رسول الله! يشتكي عينيه. قال فأرسلوا إليه. فأتى به، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه. ودعا له فبرأ. حتى كأن لم يكن به وجع. فأعطاه الراية. فقال علي: يا رسول الله! أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا. فقال "انفذ على رسلك. حتى تنزل بساحتهم. ثم ادعهم إلى الإسلام. وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه. فوالله! لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم".

35 - (2407) حدثنا قتيبة بن سعيد. حدثنا حاتم (يعني ابن إسماعيل) عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، قال:

كان علي قد تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر. وكان رمدا. فقال: أنا أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم! فخرج علي فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم. فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله في صباحها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لأعطين الراية، أو ليأخذن بالراية، غدا، رجل يحبه الله ورسوله، أو قال يحب الله ورسوله، يفتح الله عليه" فإذا نحن بعلي، وما نرجوه. فقالوا: هذا علي. فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية. ففتح الله عليه.

36 - (2408) حدثني زهير بن حرب وشجاع بن مخلد. جميعا عن ابن علية. قال زهير: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم. حدثني أبو حيان. حدثني يزيد بن حيان. قال:

انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم. فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت، يا زيد! خيرا كثيرا. رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسمعت حديثه. وغزوت معه. وصليت خلفه. لقد لقيت، يا زيد خيرا كثيرا. حدثنا، يا زيد! ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: يا ابن أخي! والله! لقد كبرت سني. وقدم عهدي. ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فما حدثتكم فاقبلوا. وما لا، فلا تكلفونيه. ثم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيبا. بماء يدعى خما. بين مكة والمدينة. فحمد الله وأثنى عليه. ووعظ وذكر. ثم قال "أما بعد. ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب. وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله. واستمسكوا به" فحث على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال "وأهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي". فقال له حصين: ومن أهل بيته؟ يا زيد! أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته. ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: وهم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم.

36-م - (2408) وحدثنا محمد بن بكار بن الريان. حدثنا حسان (يعني ابن إبراهيم) عن سعيد بن مسروق، عن يزيد بن حيان، عن زيد بن أرقم، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وساق الحديث بنحوه، بمعنى حديث زهير.

36-م 2 - (2408) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا محمد بن فضيل. ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم. أخبرنا جرير. كلاهما عن أبي حيان، بهذا الإسناد، نحو حديث إسماعيل. وزاد في حديث جرير "كتاب الله فيه الهدى والنور. من استمسك به، وأخذ به، كان على الهدى. ومن أخطأه، ضل".

37 - (2408) حدثنا محمد بن بكار بن الريان. حدثنا حسان (يعني ابن إبراهيم) عن سعيد (وهو ابن مسروق)، عن يزيد بن حيان، عن زيد بن أرقم. قال:

دخلنا عليه فقلنا له: قد رأيت خيرا. لقد صاحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصليت خلفه. وساق الحديث بنحو حديث أبي حيان. غير أنه قال "ألا وإني تارك فيكم ثقلين: أحدهما كتاب الله عز وجل. هو حبل الله. من اتبعه كان على الهدى. ومن تركه كان على ضلالة". وفيه: فقلنا: من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا. وايم الله! إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر. ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها. أهل بيته أصله، وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده".

38 - (2409) حدثنا قتيبة بن سعيد. حدثنا عبد العزيز (يعني ابن أبي حازم) عن أبي حازم، عن سهل بن سعد. قال:

استعمل على المدينة رجل من آل مروان. قال فدعا سهل بن سعد. فأمره أن يشتم عليا. قال فأبى سهل. فقال له: أما إذا أبيت فقل: لعن الله أبا التراب. فقال سهل: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي التراب. وإن كان ليفرح إذا دعي بها. فقال له: أخبرنا عن قصته. لم سُمِّي أبا التراب؟ قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة. فلم يجد عليا في البيت. فقال "أين ابن عمك؟" فقالت: كان بيني وبينه شيء. فغاضبني فخرج. فلم يقل عندي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان "انظر. أين هو؟" فجاء فقال: يا رسول الله! هو في المسجد راقد. فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع. قد سقط رداؤه عن شقه. فأصابه تراب. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحه عنه ويقول "قم أبا التراب! قم أبا التراب!".

فها هو شخص من آل الوزغة مروان طريد الرسول يتطاول على الإمام علي، وهو من هو في الإسلام، ويأمر الناس بسبه!

*******

قال تعالى

{فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِين} [آل عمران:61]

رُوي أن أسقف نجران «لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً ومعه علي وفاطمة والحسنان رضي الله تعالى عنهم قال: يا معشر النصارى: إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله تعالى أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله فلا تباهلوا وتهلكوا».

فالذين اصطحبهم الرسول معه لمباهلة أساقفة نجران هم عترته من أهل بيته، وهم أهل الكساء، وهؤلاء هم الصفوة الذين أوصى قومه بالتمسك بهم.

فهذه الوصية كانت موجهة بالأصالة إلى قومه حتى لا يضلوا، وهم لم يأخذوا بها إلا جزئيا في الفترة الأولى ثم نبذوها تماما عندما أعلنوا الحرب على البقية من العترة.

وهم من قبل ذلك قد رفضوا ولايته عليهم، وهي الولاية الثابتة بمروية غدير خم الشهيرة:

جاء في مصادر عديدة:

يقول عبد الرحمن بن أبي ليلى:

أما بعد ألا أَيّها الناس إنّي قد دعيت ويوشك أن اُجيب وقد حان مني خفوق من بين أظهركم وإنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.

ثم قال: إنّ الله مولاي وأنا ولي كلّ مؤمن ومؤمنة. وأخذ بيد علي بن أبي طالب وقال: ألستُ أولَى بالمؤمنينَ من أنفسِهِم وأزواجِي أمهاتُهُم فقلنَا: بلَى يا رسولَ اللهِ قال: فمَن كنتُ مولاه ُفعليٌّ مولاهُ اللهمَّ والِ من والاُه وعادِ مَن عادَاهُ.

وجاء في الترمذي

[ 3713 ] حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن سلمة بن كهيل قال سمعت أبا الطفيل يحدث عن أبي سريحة أو زيد بن أرقم شك شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كنت مولاه فعلي مولاه قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح وقد روى شعبة هذا الحديث عن ميمون أبي عبد الله عن زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو سريحة هو حذيفة بن أسيد الغفاري صاحب النبي صلى الله عليه وسلم

وجاء في مسند أحمد:

- حدثنا عبد الله حدثني عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا يونس بن أرقم حدثنا يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: شهدت عليا رضي الله عنه في الرحبة ينشد الناس:

-أنشد الله من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم: من كنت مولاه فعلي مولاه لما قام فشهد قال عبد الرحمن: فقام اثنا عشر بدريا كأني أنظر إلى أحدهم فقالوا: نشهد أنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجي أمهاتهم فقلنا: بلى يا رسول الله قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.

هذه هي الولاية الدينية الجوهرية، وهذا هو الاستخلاف على الأمة، وليس توريث ملك أو رئاسة لدولة لم يكن لها وجود، والأمة هي مجتمع المسلمين المترابط دينيا بغض النظر عن الشكل السياسي الذي يجمعهم، فهي ليست بالضرورة دولة واحدة مندمجة، وهكذا كان الحال في العصر النبوي، فقد ترك الرسول كل وحدة سياسية على ما كانت عليه طالما أسلمت والتزمت بالقيام بواجباتها نحو الأمة ونحوه كرسول وولي أمرٍ للأمة.

فالعترة من بعد الرسول الذين كان يجب التمسك بهم هم السيدة فاطمة، والأئمة علي ونجلاه الحسن والحسين، وكان استشهادهم واحدا تلو الآخر حجة على الأمة ودليلا على رفضها العمل بالإسلام في الأمور الكبرى، ولذلك لم يأخذوا به إلا جزئيا في الحروب التي تأججت من بعد الرسول، وأخذ ذلك العمل بالإسلام يقل شيئا فشيئا إلى أن تلاشى تماما في العصر الأموي، وانقلب الأمر حروبا توسعية دنيوية بحتة على غرار ما كانت تقوم به كل دول وممالك العصور الوسطى ووفق منطق وأسس العصور الوسطى.

فكل هذه الحروب وما شابها من عدوان وسبي نساء واستعباد للناس ونهب لأموالهم والاستيلاء على ديارهم لا يجوز أبدًا أن تُحسب على الإسلام، هذا رغم أنه كانت توجد نسبة من الجنود كانوا يتصورون أنهم يجاهدون بذلك في سبيل الله، فلم يكن العرب والأعراب أهل فقه في الدين أصلا، بل كانوا حملة كتابٍ إلى من هم أفقه منهم، وهم من بعد الرسول قد أعرضوا عمن كانوا من الممكن أن يفقهوهم في الدين وأن يعلموهم آيات الكتاب وأن يزكوهم، بل ناصبوهم العداء، وقتلوهم واحدا تلو الآخر.

أما العترة الآن فهم الذين معهم علوم القرءان الجديدة اللازمة للناس، فهم إما أن يكونوا –بالإضافة إلى ذلك- من ذرية أهل البيت وإما أن يكونوا ملحقين بهم كما كان سلمان الفارسي ملحقًا بأهل البيت.

فأهل البيت الحقيقيون هم من كانوا قرءانا يسعى بين الناس فهم يتمسكون بكتاب الله أولا حتى يتمسك الناس بالكتاب بائتمامهم بهم ثانيا، فالبيت الذي أسسه الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ هو مسجده الذي أسسه على التقوى، وأعمدة هذا البيت هم رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وتوثيق صلتهم به، بل تكون كل أعمالهم من وسائل تحقيق ذلك.

فأهل القرءان لا يتكسبون بالقرءان وإنما هم من اعتصموا به وابتغوا الهدى فيه وحكَّموه في سائر أمورهم وزكُّوا به أنفسهم وكان وسيلتهم التي ابتغوها إلى ربهم، وأهل السنة الحقيقية هم من عملوا على معرفة وفقه السنن الإلهية والكونية وعلى العمل بمقتضاها والإفادة منها.

وليس لأحد الآن أن يطالب الناس بطاعته أو التمسك به أو أن يتولى الملك على الناس أو أن يستحوذ على سلطة أو أن يطالب بمغنم دنيوي بزعم أن معه شهادة من نقابة الأشراف أو لأنه يرتدي عمامة سوداء، من معه علوم القرءان ستقدمه علومه للناس، والولي الصالح المنتمي لأهل البيت سيظهره تفوقه الجوهري ونفعه للناس كما حدث على مدى التاريخ.

وأهل الذكــر أصلاً هم أهل الحضور الصادق مع الله تعالى، أي هم الذين لديهم إحساس حقيقي صادق بالحضور الإلهي والمعية الإلهية وليسوا من تخرج من مدرسة كهنوتية، وهم بذلك يعظمون كل ما ثبتت نسبته إلى الله سبحانه، فيعظمون القرءان من حيث أنه كلامه ويدركون أن كلامه ليس كمثله شيء، كذلك يدركون أن الكتاب المنزل هو أصدق الحديث وأحسن الحديث وأحسن القول، فله الهيمنة علي كل ما هو سواه فلا يقارن به غيره، فأهل الذكر من بعد إنزال القرءان هم أهل القرءان، فهم الأولى به والجديرون به لعلوِّ فقههم فيه، فهم أفضل من يقوم بأركان الدين الخاصة به، وأهل القرءان هم أهل الله وخاصته، ولهم المكانة العليا فهم أهل المجد، وبذلك أيضا يكونون من عترة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه وسَلَّمَ، ذلك لأن عترته الحقيقية هم المعتصمون بحبل الله تعالى الذي هو القرءان وهم المعتصمون به، فذلك الاعتصام هو أجدى وأرجى ما يمكن أن يصدر عن إنسان.

أما من يعلن للناس أنه من عترة النبي فهو يلقي على نفسه مسئولية مضاعفه فيضاعَف عليه العقاب إن أخطأ ويضاعف له الثواب إن أحسن، هذا مع أن الوراثة على المستوى الجوهري هي التي تحدد منهم عترة النبي الحقيقيين المؤهلين لتلقي ما كان له من العلوم أو ما يفيض من العلوم عن طريقه.

*******

مسألة العترة

ورد في مرويات بصيغ متقاربة أن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ قال:

"يا أيها الناس إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله، وعترتي ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض".

"وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده أبدا كتاب الله طرف بيد الله وطرف بأيديكم، وعترتي اهل بيتي، ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض".

"أما بعد أيها الناس فانه يوشك أن ادعى فأجيب وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده أبدا كتاب الله طرف بيد الله وطرف بأيديكم، وعترتي أهل بيتي اذكركم الله في اهل بيتي، ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض".

وقال في المروية المشهورة بمروية الغدير عند رجوعه من الحج: "مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، اللَّهُمَّ عَادِ مَنْ عَادَاهُ".

هذه المرويات ذات أصول صحيحة، وهي مجمع عليها من شتى الطوائف، ولا مجال لإنكارها، والمرويات ذات أصل صحيح وثابت بلا شك، وإذا جاز التشكيك فيها سينهار المنهج النقلي كله، وما يمكن فقط الحديث بشأنه هو إدراك معانيها ودلالاتها.

والمعني بمرويات العترة أساسًا هم من وُجِّه إليهم الخطاب، فهم الذين يدركون جيدا من هم عترة الرسول، فلا تكليف بالمجهول، فهو يوصيهم بالتمسك بمن تربوا في كنفه وتشربوا الإسلام من نبعه الصافي وانصبغ جوهرهم بصبغته، وكانت التوصية مشددة، ذلك لأن النزعات القبلية كانت متجذرة في نفوس العرب والأعراب، فقد كانت القبيلة بالنسبة إليهم هي الدين والهوى والهوية والوطن والشخصية، ولم يكن من السهل عليهم مقاومة تأثيراتها، والرسول كان يعلم أن الله تعالى هو الذي ألَّف بين قلوبهم من أجل إنجاح الرسالة وأن هذا التأليف مرتبط بوجوده فيهم، وكان يعلم أنه برحيله عنهم ستضربهم فتن كقطع الليل المظلم، وسيجدون أنفسهم أمام مستجدات لا عهد لهم بها، ولا يعرفون لها حكما.

وكان بالطبع يعلم أن الرأي الأمثل بخصوصها سيعلمه بالضرورة أرقاهم من الناحية الجوهرية، وهم عترته.

ومروية الغدير هي إعلان للمسلمين بالولاية الدينية للإمام عليّ عليهم، وهي بعينها الولاية على الأمة كأمة كما كانت في العصر النبوي؛ وليس كدولة، ولم يكن مطلوبا أن تتحول الأمة إلى دولة، وما حدث هو بمثابة إعلان بنتيجة التربية والتعليم والتزكية النبوية للناس، فهي -بمصطلحات عصرية- بيان بأن السابق الأول في الترتيب العام هو الإمام علي، فكان عليه استكمال مهام الرسول المعلومة مثل التعليم والتزكية بالنسبة للمسلمين الذين لم يستكملوها، ذلك لأن أكثرهم لم يسلم إلا من بعد فتح الحديبية، ولم يهاجروا ولم يحظوا بالتعليم والتزكية النبوية.

وإذا كان أهل القرن الأول بحاجة إلى العترة الحقيقية ليتفقهوا في القرءان وليعلموا تأويله فإن الحال الآن هو أن العترة الحقيقية لن تُعرف إلا بتفقهها في القرءان ومعرفتها علومه وتأويله، ذلك لأن الناس قد رفضوا النعمة الإلهية المتمثلة في العترة النبوية، بل واضطهدوهم ثم قتلوهم، فانتقلت العترة من ظهور إلى بطون، وبعد أن كانوا ظاهرين للناس يلحون عليهم أن يتعلموا منهم وأن يسمحوا لهم بتزكيتهم أصبح على الناس أن يبحثوا عنهم ليتعلموا منهم وأن يتزكوا بهم.

وطبقا لقيم الإسلام ومثله، فكل المسلمين سواء أمام رب العالمين، لا لفضل لهاشمي على قرشي ولا لقرشي على عربي ولا لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح وسلامة القلب، ولا يجوز لأحد أن يطالب الناس بطاعته لأن معه شهادة من نقابة (الأشراف)، فهذه الشهادة لن تجعله للناس إماما، ولن تجعل من باطله حقا ولن تجعل له ما كان للرسول على الناس، ولا يجوز لأحد أن يقوِّض قيم الإسلام ومثله لحساب أهوائه وانتماءاته.

*******

إن الولاية المعلنة في الغدير هي الولاية الدينية؛ ولاية أمر الأمة المؤمنة، ذلك لأن الرسول لم يؤسس مملكة ولا إمبراطورية ولا دولة وفق أي مفهوم من المفاهيم ليورثها لأحد من عائلته، بل إن هذا هو ما رماه أعداؤه به، وهو ما نفاه الله تعالى عنه، وإنما أسس الرسول أمة خيرة تحكم نفسها بنفسها، ولم يلزم أي حاكم من حكام الجزيرة أعلن إسلامه بالخضوع للمدينة بل أبقاه على ما كان عليه وأرسل إليه فقط قاضيا ليحكم بينهم ويعلمهم أمور دينهم ومن يحصل الزكاة التي يُردّ على فقرائهم.

ويجب العلم بأن الرسول قد قام بواجباته ومهامه المنصوص عليها في القرءان خير قيام، وأشهدهم على ذلك في خطبة حجة الوداع، ولقد تركهم ليُختبروا وليُبتلوا كسائر البشر، وهو لم يصنع آلهة يُعبدون ولم يرب أو يزك أربابا معصومين بل قوما كانوا من قبل في ضلال مبين، وبانتقاله عنهم أصبحت مهمته هي الشهادة عليهم، وهم المسئولون –وليس هو- عن مدى انتفاعهم بما تعلموه منه، ولا يجوز لأحد أن يتخذهم مشرعين في الدين مع رب العالمين، لذلك، مثلا، لم يكن من حق عمر أن يُحدث ما سموه بصلاة التراويح التي أصبحت من أقدس ما يتمسك به أهل السنة!!

وبالطبع لم يكن من الممكن أن يرد أمر كهذا في القرءان، فهو ليس من أسس الدين أو أركانه، هذا أمر كان خاصًّا بأهل القرن الأول، وهم وحدهم يتحملون وزر مخالفته.

والولاية دينية هي القيام بمهام الرسول بالنسبة لحديثي العهد بالإسلام، وهم أكثر المسلمين، إذ لم تتح لهم الفرصة لاستكمالها على يد الرسول، وهي المذكورة في الآية: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} البقرة151

*******

إنه لم يكن المطلوب أبدا إنشاء دولة على نمط إمبراطوريات العصور الوسطى تتسلح بأيديولوجية معينة وترفع السيف على كل من جاورها وتستمر في التوسع ما استطاعت إليه سبيلا.

*******

كان عدد المسلمين يفوق المائة والعشرين ألفا لا يحفظ القرءان كاملا منهم إلا عدد محدود جدا، وقيل إنهم كانوا أربعة فقط!!! وكان عدد السابقين الأولين لا يعدو بضع مئات، كان لابد من تعليم وتزكية هذا العدد الهائل، ولم يكن مطلوبا الانخراط في حروب طاحنة تستهلك حفظة القرءان.

*******

الخلاف بين المسلمين حدث قبيل انتقال النبيصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، وتشكل الأحزاب كان قائما، وظهر وتفاقم بمجرد انتقال الرسول، فعملت قبيلة قريش على الاستئثار بالأمر، وعملوا كل جهدهم لاستبعاد الأنصار وعترة الرسول لكي يكون الأمر دولة بين أفرعهم هم، وكان من الطبيعي أن يؤدي ذلك في النهاية إلى استيلاء أقوى الأفرع وأقدرها في مجال المناورة والدهاء وهم الأمويون، فبدا وكأنهم كانوا يتآمرون لصالحهم، وهذا بالطبع ما لم يخطر ببالهم.

وقد حدث هذا لأسباب قبلية بلا شك، فلقد كان أكابر الحزب القرشي يخشون من أن يؤول الأمر إلى عترة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ فلا يخرج منهم، وكانوا يطمحون إلى أن يكون الأمر دولة في أفرع قريش، وكانوا يتصورون أن ذلك أفضل للأمة، أما استشهاد السيدة فاطمة فقد ترتب على ما حدث بعد إجهاضها بسبب اقتحام بيتها، فقد تضعضعت صحتها ولم تستعدها.

وعندما حاصروا البيت خرج عليهم الإمام عليّ شاهرا سيفه، ولكنهم تكاثروا عليه، ولم يشأ أن يعمل فيهم سيفه، وقد روَّع كل ذلك السيدة فاطمة إذ لم تكن تتوقع ذلك أبدا.

والقبول بالتعايش مع هؤلاء درءًا للفتنة مع الصبر على الظلم في أمر دنيوي مما يُحسب للإمام وليس عليه، ومن المعلوم أن من أرسلوا وقادوا الجنود لحصار بيته والهجوم عليه كانوا يفرون في المعارك التي صمد هو فيها.

*******

العصمة بالمصطلح القرءاني هي العصمة من الناس: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} المائدة67

تلك هي العصمة المنصوص عليها في القرءان، وهو المصدر الأوحد للمصطلحات الدينية، ولا عاصم لأحد من أمر الله تعالى: {قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيرا} الأحزاب17، {قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً }الأحزاب17

أما الصفوة من عباد الله تعالى فهم لا يعصون الله تعالى ما أمرهم لسموهم الجوهري الفائق وليس لأنهم فقدوا ملكة الاختيار أو الإرادة الحرة، فهم يتصفون بأعلى درجات التقوى والخوف من ربهم والحياء منه.

ولما كان القرءان الكريم هو المصدر الأوحد للأمور الغيبية والعقائدية فلا يجوز فرض عقائد على الناس غير منصوص عليها فيه!

*******

رفض الناس أن يتولى أمورهم عترة النبي ظاهرا فبطنت العترة ومن أُلحق بهم، وعلامتهم أن معهم علوم القرءان الحقيقية الغضة.

*******

ورد في مرويات ذات أصول صحيحة منسوبة إلى الرسول أن الإمام عليا هو ولي كل مؤمن كما ورد التوصية بالعترة أهل البيت الذين لن يفترقوا عن القرءان، كما ثبت أن الرسول أعلن عليهم الولي من بعده، وهو الإمام علي، وكان المعني أساساً بكل هذه التوصيات القرن المعاصر للرسول، ولكنهم خالفوا عن أمره!!

والولاية كما شرحنا كثيرا هي القيام بالمهام التي كانت منوطة بالرسول مثل التعليم والتزكية والإنذار والتبشير والحكم (القضاء) بينهم وتبيين القرءان لهم...الخ، وليس لها أي مدلول سياسي، فالرسول لم يكن ملكا ولم يؤسس مملكة ليورثها لأحد، بل أسس أمة تحكم نفسها بنفسها، أما تحويل الأمة إلى دولة فالمسئول عنه هو الخليفة أبو بكر!

فالإمام عليّ قد عُيِّن وليا لأمر الأمة التي أسسها الرسول محققًا بذلك مقصدًا من مقاصد الدين العظمى، ولم يعين حاكمًا سياسيا لدولة لم يكن لها وجود، ولا يمكن أن يقوم الرسول صاحب الرسالة الخاتمة بمخالفة مقاصد الدين العالمي.

ولقد انتشرت ذرية أهل البيت في الأمصار، وأكثرهم الآن لا يعرفون أنهم من أهل البيت، فقد انتقل الأمر من ظاهر إلى باطن بمجرد رفض الأمة الالتزام بالأمر النبوي، ولذلك فكثير من الأولياء الصالحين والمصلحين الحقيقيين هم من أهل البيت، ومن لم يكن منهم، ولكن حقق مطالب معينة فإنه يُلحق بهم مثل سلمان الفارسي.

أما المسلمون الآن فهم ملزمون باتباع من ينطبق عليه التعريف المذكور، وهو أنه لا يفترق عن القرءان، فمن لديه القدرة على استنباط الأمور من القرءان هو من العترة، وهو من أهل البيت.

ويجب الكف عن عبادة المقابر تحت أي مسمى، ويجب الكف عن كل ما أحدثه الناس في الدين!

*****

هناك وراثتان: وراثة مادية ووراثة جوهرية، العبرة بالوراثة الجوهرية لا يعلمها إلا الله تعالى!

*******

القرءان ذكر صراحة السبب: فصاحة اللسان، ومن البديهي أن موسى الذي تربى في قصر فرعون كأمير محارب ملم بالعلوم المصرية كان لا يستطيع التحدث باللسان العبري؛ لسان قومه، بطلاقة وفصاحة

*****

نعم العترة التي لن تفترق عن الكتاب باقية، ولكنهم الآن أخفياء في الناس، يظهرهم عملهم وليس سلسلة نسب من نقابة الأشراف!

*****

في الحقيقة لا يمكن أن تنقرض ذرية أهل البيت، ولكن الذين انقرضوا هم كل من حاول إبادتهم من الأمويين والعباسيين وكل من كره الرسول ممثلا فيهم، قال تعالى: {إنَّ شانِئَـك هُوَ الأبْـترُ} الكوثر، هذه سنة كونية راسخة.

وهذا هو مصير كل من حمل الراية الشيطانية من بعد هلاك الأمويين والعباسيين!

*****

مروية الاثني عشر إماما كانت تتضمن شرطا، وهي تعني أنه لو ولي أمر الأمة كأمة من بعد الرسول اثنا عشر إماما متتابعين من أهل البيت لاستقام الأمر ولنجحت الأمة ولظل أمرها ماضيا، ولكن الأمة فشلت، فتُركت لنفسها، وأتيحت لها فرصة أخرى بتولي الإمام علي إمارة المؤمنين، ولكنها فشلت مرة ثانية، فعوقبت هذه المرة عقابا أليما.

*******

حديث العترة

حديث العترة ذو أصل صحيح، وهو يعني ما يلي:

1. بالنسبة لأهل القرن الأول الذي شهد عصر النبوة أنه كان عليهم أساسا أن يسلموا للإمام علي بالسبق والولاية الدينية لاستكمال مهام الرسول؛ أي تعليم الأميين آيات الكتاب والحكمة وتزكيتهم، وقد أبى الناس ذلك، وظنوها تسلطا وملكا دنيويا فانحرفوا عن الجادة وباؤوا بإثم ما حدث.

2. أن يكون الإمام عليّ خليفته من بعده كولي أمر لأمة خيرة حرة وليس كحاكم على دولة بالحق الإلهي Divine right لدولة، فالنبي أسس أمة من المؤمنين ولم يؤسس كيانا سياسيا ولا دولة مركزية، وكان يترك حال كل قبيلة على ما كانت عليه، ويرسل إليها قاضيا ومن يعلمها أمور دينها ويحصل الصدقات منهم.

3. برفضهم العمل بالوصية النبوية انتقل الأمر بذلك من ظاهر إلى باطن، ولم يعد من الممكن أبدا إلا إذا شاء الله أن يتولى أمور الناس من يجمع بين الإمامة الجوهرية وبين القيام بالأمر، وهناك فرق هائل بين ولاية الأمر وبين القيام بالأمر، فالقائم بالأمر ليس وليا له بالضرورة، فقد يكون متسلطا عليه، وكل من تولى أمور المسلمين من بعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، كانوا قائمين بالأمر، وليسوا ولاة حقيقيين له، باستثناءات نادرة، فما حدث من بعد الرسول هو أمور سياسية تاريخية، ولا يجوز تحويلها إلى أمور دينية، والسبب الرئيس لنشأة المذاهب هو تحويل التاريخ والسياسة إلى دين.

4. ولكن سيظل هناك دائما أئمة ومجددون من عترة النبي الحقيقيين على المستوى الجوهري، سواء أعلموا ذلك الناس أم جهلوه، وعلامتهم أن يكونوا مفطورين على حب القرءان وملازمته والتمسك به، والمجددون قال فيهم الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ما معناه: "يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ"، والذي يتولى ذلك هو الاسم العليم الحكيم فهو أكثر الأسماء تعلقا بأمور الشرائع والرسالات، أما المجدد نفسه فيجب أن يكون من يتولى أمره الاسم "الحكيم العليم" لتكتمل الحلقة.

5. وسيظل هناك دائمًا أمة من المؤمنين سواء أظهروا أم بطنوا، فلابد من وجود السابقين، وهم قليل من الآخرين.

ويلاحظ أن المثنى "اللطيف الخبير" هو الذي يتولى هذا الأمر!

*******

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }المائدة6.

وقال:

{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}الأحزاب33.

كلتا الآيتين جاءتا بعد سرد بعض الأوامر الشرعية لبيان القصد منها بصفة خاصة والقصد من الأوامر الشرعية كلها بصفة عامة.

ولو كانت الإرادة المذكورة هاهنا هي الإرادة الكونية لتحقق التطهير التام أو ما يسميه الشيعة بالعصمة لكل من توضأ أو اغتسل أو تيمم.

أما الإرادة الإلهية فهي فوق ما يتخيل الناس، ويريد الله تعالى أن يطهر كل الناس بصفة عامة ويطهر أهل البيت بصفة خاصة، فالإرادة هاهنا تعبر عن المقصد الإلهي من الأمر الشرعي، وهي غير الإرادة الكونية، ولا فرق بين الآيتين إلا في التشديد والتأكيد، لذلك فأهل البيت ملزمون قبل غيرهم بالعمل بالأوامر الإلهية وبمجاهدة أنفسهم، وزوجات النبي هن من أهل بيته، ولكنهن لسن من أهل الكساء الذين سيكونون مع الرسول في درجته في الجنة؛ والمشار إليهم في آية المباهلة، والكائنات المعصومة من المعصية بنص القرءان هم الملائكة، أما زوجات النبي وكل بشر آخر فهم غير معصومين ولقد هددهن القرءان تهديدا شديدا وتوعدهن بمضاعفة العذاب إذا أتين بفاحشة:

يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) الأحزاب.

فهذا الوعيد والتهديد الشديد لا يُقال لمعصومات من الذنوب ولا لكيانات إلهية مقدسة تستباح دماء الناس بسببها، ولكن لا توجد مشكلة في التناقضات عند أهل اللاسنة، فهم أهل اللامنطق.

وقد زعم الشيعة أن هذه الآية لا شأن لها بنساء النبي بحجة أن الخطاب موجه إلى جمع الذكور وليس إلى جمع الإناث وكان عليهم أن يعلموا أن أهل البيت منهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ ذاته كما كان إبراهيم عليه السلام من أهل البيت الذي لم يكن فيه من الرجال إلا هو وزوجتاه سارة وهاجر، قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)} هود، فقال "عليكم" لأن الخطاب يشمل كل أهل البيت بما فيهم إبراهيم وإسماعيل.

وسياق الآيات لا ينص على أية عصمة بل ينص على أوامر خاصة وتشديد العقوبة على من يعصي.

وزوجات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ هن من أهل بيته ولكنهن لسن من أهل الكساء الذين سيكونون مع الرسول في درجته في الجنة؛ فهم منه وهو منهم.

والمعني بحديث الكساء وحديث العترة وحديث ولاية الإمام علي عليهم كان بالأصالة هم أهل القرن الأول، فقد كان عليهم أن يلتزموا بمقتضيات ولاية الإمام عليهم وخلافته للرسول في مهامه المذكورة في القرءان ومنها التعليم وتزكية الأنفس، ولقد عصوا ما أمرهم الرسول به، فهم يتحملون وزر المخالفة عن وصايا الرسول.

ولكن لا يجوز الآن لأحد أن يطالب الناس باتباعه والخضوع له بزعم أنه من عترة الرسول أو الإمام أو المهدي المنتظر أو غير المنتظر أو من أهل النجف أو قم.

وعترة الرسول الحقيقيون هم المتفوقون على المستوى الجوهري ومن لديهم العلوم الدينية الحقيقية، وهؤلاء قد يكونون من ذرية أهل البيت بالفعل، وإن جهل الناس ذلك أو حتى جهلوا هم ذلك، وقد يُلحقون بهم كما حدث مع سلمان الفارسي.

*******

إن سياق الآيات لا ينص على أية عصمة من الذنوب، بل يتوعد من يعص منهن بمضاعفة العذاب، قال تعالى: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً{30} وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً{31}يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً{32} وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً{33} وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً{34} الأحزاب

وللرسول أن يذكر عترته بما يريده الله لهم ومنهم ليحثهم على التفاني في طاعته.

وكل مسلم ملزم بأن يصلي عل النبي وآله لمكانتهم منه ولدرجتهم الرفيعة عند ربهم.

*******

قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}الحديد25، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }البقرة62، {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ }المائدة18، {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }الحج17

ورد في كتاب الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }التوبة100، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ{10} أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ{11} فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ{12} ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ{13} وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ{14} الواقعة

فلابد من وجود سابقين في الأولين، ولابد من وجود أئمة يُقتدى بهم كما هو معلوم، ولابد من وجود رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ولم يبدلوا تبديلا من الأولين، فكل هذه أصول راسخة، ولقد أعلن الرسول في حضور أكثر من مائة ألف مسلم أن عليًّا هو ولي كل مؤمن وأن من كان هو مولاه فعلي مولاه، وهذه واقعة ثابتة وتدل على أنه خليفته من بعده في مهامه الجوهرية الحقيقية، وهي تعليم الناس وتزكيتهم وتلاوة آيات الكتاب عليهم وإنذارهم وتبشيرهم...الخ، فهذه الواقعة مصدقة للآيات المذكورة وغيرها، واستقراء سيرة كل السابقين الأولين يبرهن على ذلك، والنظر في تاريخ وعواقب من مضوا هو أمر قرءاني ملزم، ومن نظر بحياد تام وبعد عن ادعاءات المذاهب يجد أن ولايته للمؤمنين (الولاية الدينية الحقيقية، وليست الحكم بالمفهوم الشائع) راسخة وثابتة، والولاية من لوازم الإمامة، وهو الوحيد من السابقين الأولين الذي يُمكن التأسِّي به دون خوف من أدنى زلل، وهو الوحيد الذي تبين كلماته الكثير من خصائص وعناصر دين الحق، هذا مع الإقرار بالفضل للسابقين الأولين الآخرين.

*******

عدد المنشورات : 458