الجدول

أمور دين الحق

مختصر القول في إقامة الصلاة

مختصر القول في إقامة الصلاة

1. الأمر بإقامة الصلاة ثابت بالقرءان الكريم، فإقامة الصلاة أمر قرءاني كبير وركنٌ ديني ملزم.

2. إقامة الصلاة بالمعنى العام هي إنشاء شبكة من الصلات بين مقيم الصلاة وبين ربه، وكذلك بينه وبين كل الكيانات الأخرى وفق ما يرتضيه الله تعالى؛ أي عملا بمقتضى أوامره وسننه، فهي تتضمن إقامة صلة بالله تعالى واتباعه باتباع ما أنزل من كتاب وتقديمه واتخاذه إماما، وكذلك وصل كل ما أمر به أن يوصل، وكذلك إنشاء وتوطيد الصلات بين الإنسان وبين كل الكيانات الإسلامية الأخرى من الأسرة إلى الأمة إلى البشرية جمعاء إلى كل ما خلق الله تعالى من أمم، فهي من تفاصيل حمل الأمانة والقيام بواجبات الاستخلاف في الأرض.

3. الصلاة الشعائرية هي الصلاة بالمعنى الخاص، وهي من وسائل إقامة الصلاة بالمعنى العام، فبها يقيم الإنسان صلة خاصة بينه وبين ربه، وبها يقيم صلات بينه وبين الكيانات الإنسانية الأقرب فالأقرب.

4. من البديهي أنه عند وجود أمرٍ إلهي أن يكون معلومًا للناس مسبَّقًا كيفية الالتزام به.

5. ومن البديهي أن أوامر القرءان موجهة لقومٍ يفقهون ويعقلون

6. القرءان يخاطب المؤمنين على أنهم يعلمون معنى إقامة الصلاة.

7. إقامة الصلاة هي من ملَّة إبراهيم التي أُمر الرسول والمؤمنون باتباعها.

8. الإسلام لم يبدأ بالرسالة المحمدية، والرسول لم يبدأ من الصفر، فقد كان متبعا لملة إبراهيم كما أوحى إليه ربه، وكانت رسالته مهيمنة على ما سبقها وتتويجا للدين الواحد الذي هو الإسلام، وكونه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ خاتم النبيين يعني أنه تلقى الرسالة التامة والتي بها اكتمل الدين للبشرية جمعاء، لذلك كان رحمة للعالمين وليس لطائفة خاصة أو لقبيلة معينة!

9. ولقد كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ يقيم الصلاة من قبل أن يُبعث، ولقد كان يصلي هو والسيدة خديجة وابن عمه علي بن أبي طالب قبل الجهر بالدعوة، وكان يقيمها معه من اتبعه، بمجرد انضمامه إلى زمرة المصلين، ولقد نصّ القرءان على أركانها الأعظم أهمية مثل: ذكر الله، قراءة القرءان، التسبيح، التكبير، الخشوع، حضور الذهن، الإخلاص، الانتهاء عن الفحشاء والمنكر، الإعراض عن اللغو ...الخ، هذا فضلا عن جزئياتها من ركوع وسجود وتشهد وصلاة على النبي.

10. رغم كل التأكيدات القرءانية على وحدة الدين وعلى ثبات السنن يتصرف أتباع المذاهب وكأن الرسول الأعظم وخاتم النبيين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ قد بدأ من الصفر، وهذا ما يسبب لهم الكثير من الإشكالات وما يدفعهم إلى كثير من الشطط والضلال والشرك والكفر.

11. القرءان أورد تفاصيل الصلاة وفق منهجه؛ أي موزعة على الآيات.

12. القرءان ذكر بعض أسماء الصلوات صراحة، وهذا لا يعني أنه لا وجود للصلوات الأخرى، فذكر الصلوات ورد في سياق عبارات لم يكن المقصد الأساسي منها بيان عدد الصلوات مثل آيات الاستئذان، فالقرءان يخاطبهم على أن الصلوات معلومة لديهم.

13. الأمر بالجزء لا يعني النهي عن باقي الكل وإنما يعني التأكيد، وعندما يأمرك ربك بالصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل فهو لا ينهاك عن الصلوات الأخرى! وعندما يأمر بالاستئذان من بعد صلاة الفجر ومن بعد صلاة العشاء فلا يعني ذلك عدم وجود الصلوات الأخرى.

14. من الطبيعي أن تتشابه العقائد والشعائر في كل المنطقة وبين كل أديانها، فكلها ترجع إلى دين أصلي واحد، والقرءان يذكر ذلك بكل وضوح، فإبراهيم عليه السلام كان موحدا، وكان يقيم الصلاة هو وابنه إسماعيل، وكان يدعو ربه أن تكون ذريته من مقيمي الصلاة، وربما يكون قد تعلمها من المصريين القدماء كما تعلم منهم الختان، ولا شيء في ذلك، فقد كانوا على دين صحيح قبل تحريفه، وآثار قدماء المصريين تبين أن إقامة الصلاة عندهم والصيام يشبه ما في الإسلام، وكذلك الأمر في بلاد ما بين النهرين الذين نقل عنهم الزرادشتيون والمجوس الكثير من حضارتهم، فلا يجوز محاولة إبطال أمر ديني لكونه يشبه ما كان موجودًا من قبل، وإلا لجاز إبطال أركان الإيمان التي عرفها الأقدمون، وعلى سبيل المثال كان المصريون القدماء يؤمنون بالبعث من بعد الموت وبالحياة البرزخية، فهل يجب إلغاء الإيمان بذلك خوفًا من القول بوجود تشابه؟ وهل يجوز اتهام الإسلام بأنه نقله عنهم؟

15. كان لدى بني إسرائيل صلاة مشابهة لصلاة إبراهيم عليه السلام، ولكنهم أضاعوها على مراحل، وعنهم ورث المسيحيون هذا الضياع وزادوا عليه.

16. حفظ الله تعالى إقامة الصلاة في ذرية إبراهيم من إسماعيل عليهما السلام إكراما لهما، فهما ألحَّا في الدعاء طلبًا لذلك، لذلك لم تكن كيفية أداء الصلاة غريبة على القرشيين مثلها مثل الصيام والحج، فكيفية إقامة الصلاة بأعدادها كانت معلومة للنبي وللمؤمنين وللمتحنفين من قبل البعثة النبوية، والرسالة المحمدية كانت تتويجا وإكمالا للدين الإلهي الواحد الذي بدأ بنوح عليه السلام، ثمَّ بدأ رسميا بإبراهيم عليه السلام، فالإسلام لم يبدأ من الصفر، ولذلك لم تكن هنالك حاجة لإيراد تفاصيل العبادات العملية كالصلاة والصيام والحج لكونها كانت معلومة وإنما تمَّ التركيز عل الجوانب الجوهرية وعلى ذكر ما تم تعديله وعلى تصحيح ما قد يكون قد تم تحريفه.

17. كان تركيز القرءان على الجوانب الجوهرية من الصلاة، وكان إغفال ذكر الشكل الدقيق للصلاة أمرًا متعمدا، فما كان ربك نسيًّا، وقد ذكر كل ما يلزم للتطهر (الوضوء) في جزء من آية، فلم يكن ليصعب عليه أن يفعل مثل ذلك مع شكليات الصلاة، لذلك فأمر الشكليات ليس بالخطورة الرهيبة التي يتصورها المحسوبون على الإسلام، وهؤلاء يستبطنون تصور أن الله تعالى والملأ الأعلى هم مجموعة من الموظفين البيروقراطيين الذين يتابعون الالتزام الشكلي الدقيق بما ورد في كتب (الفقه).

18. كل ما يتعلق بتفاصيل الصلاة من الأمور الشكلية والثانوية قد بيَّنه الرسول للناس بأوامره وسلوكه العملي، ومنها: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، "اجعلوها في ركوعكم"...الخ، وحُفظت هذه الصلاة بالتواتر العملي المجتمعي الجماهيري، ولم يرد أن إقامتها قد انقطعت أبدًا، ولم يكن للطغاة المتسلطين أية مصلحة في تعطيلها، بل كان من الأفضل لهم المبالغة في أمرها وشغل الناس بها، وهذا ما قام به لهم رجال دينهم، والذين بالغوا حتى قالوا إن طاعة المتسلط الفاجر المجرم واجبة وملزمة ما لم يعطل إقامة الصلاة!!

19. من المعلوم أن الأمور والحركات العملية البسيطة لا تندثر بسهولة خاصة وأنه قد صلى مع الرسول عشرات الألوف من الناس نقلوها إلى مئات الألوف نقلوها إلى ملايين، ولم يكن لأصحاب المصلحة في تحريف الدين مصلحة في إلغاء الصلاة أو تحريفها، ولم يكن من حسن السياسة أبدًا محاولة عمل ذلك، بل كان الأفضل هو المبالغة في أمرها وتوثينها، ولذلك أخذ الناس في محاولة تسجيل كل كبيرة أو صغيرة بخصوصها، لقد حاولوا ضبط ما لم يكن بحكم طبيعته منضبطًا أبدا، فنشأت الاختلافات المذهبية التي نفخ الشيطان فيها

20. ولقد صلى الرسول وصلى معه المؤمنون طوال العصر النبوي، وحضر معه حجة الوداع أكثر من مائة ألف مسلم، وانتقلت هذه الأمور بالتواتر المجتمعي العملي، نقلها عشرات الألوف إلى مئات الألوف إلى ملايين، وحُفظ بذلك ما هو هام من شكلها الخارجي، وذكره القرءان، ولقد وصل ذلك إلى أئمة (الفقه) فدونوه من قبل أن يولد جامعو المرويات ، ولم يرد أبدا أن أحدًا من أهل القرون الإسلامية الأولى كان يصلي ثلاث صلوات فقط، فلا جدوى من التشكيك في عددها ولا في كيفية أدائها، ولا يجوز ذلك، ولم يكن لأحد من الطغاة أو المحرفين أية مصلحة في زيادة عدد الصلوات، وليس من الجائز تكذيب الحقائق الثابتة دون أية مبرر، وليت المسلمين يكفون عن اللغط في هذا الأمر!

21. في عصر التدوين دوَّن أئمة (الفقه) ما وجدوه من الدين، فدوَّن أبو حنيفة الصلاة كما هي في مدرسة الإمام عليّ وعبد الله بن مسعود، ودوَّن الإمامية الصلاة كما هي في مدرسة الإمام علي وأهل البيت، ودوَّن مالك بن أنس الصلاة وفق ما رأى عليه أهل المدينة، ودون المصريون الصلاة كما تلقوها من عبد الله بن عمرو، ودون الشافعي الصلاة بعد ما وصل إليه بالمقارنة بين ما تلقاه من مالك وأتباع أبي حنيفة وبين ما وجد عليه أهل مصر، وهكذا، كان ذلك بصفة عامة قبل أن يولد جامعو المرويات وعلى رأسهم البخاري.

22. أما الاختلاف في الأمور الشكلية الثانوية فهو وارد وممكن لأسباب عديدة؛ من أهمها أنها بالفعل أمور ثانوية، لا يجوز أن ينشغل المصلي بها عن أركان الصلاة الجوهرية، وأنه لا يمكن في بعض الأحيان التحديد الدقيق الصارم للحركات والشكليات حيث لم يكن موجودا أيامها آلات للتصوير الدقيق، ولقد ندد الله تعالى بالأسلوب البقري الإسرائيلي في التعامل مع أوامره، ولكن أبت هذه الأمة إلا أن تتبعهم شبرا بشبر وذراعًا بذراع.

23. عندما تمَّ تدوين المرويات لم تحسم أمر أي خلاف كان موجودا في أمر إقامة الصلاة، ومازال أتباع المذاهب متشبثون بما تعلموه من مذاهبهم من شكليات حتى وإن ضعَّف الجهابذة بعضها.

24. بعد إلغاء أكثر أركان الدين لحساب الأركان الظاهرية المشهورة تمّ توثين الصلاة، فالحرص على هذا التوثين هو الذي أدَّى إلى تضخيم شأن الاختلافات الطفيفة، فلما تفاقم التعصب المذهبي تضخم شأنها أكثر وأكثر.

25. من كل ما سبق يتضح أن كيفيات الصلاة ثابتة بأمور راسخة متضافرة، وليس بمجرد التواتر المجتمعي الجماهيري.

26. اتخذ شياطين الإنس والجن من عدم ذكر صلاة الظهر بالنصّ الصريح في القرءان ذريعة للطعن في كماله والتشكيك في أنه مبين ومبيِّن وتبيان لكل شيء ولجعل ما يسمونه بالسنة قاضيا وحاكمًا عليه وناسخًا له عند التعارض.

27. ما ذكره القرءان صراحة أو ضمنا (بالفحوى أو بالمقتضى أو بالإشارة) من أمور الدين أهم بكثير مما لم يذكره.

28. سيأتي لا محالة زمان سيندثر فيه العلم بكل التفاصيل التي أضاع الناس جلَّ دينهم وكل شيء تقريبًا في سبيلها، وستُقبل من الناس أية كيفية أخرى تتضمن الأمور الأساسية القرءانية، فالقرءان هو الرسالة الباقية!

29. ركن وحدة الدين وركن وحدة الأمة أقوى بكثير من شكليات وثانويات الصلاة، لذلك يقترف إثمًا كبير من اتخذ من الشكليات والثانويات وسيلة لتقويض وحدة الدين أو وحدة الأمة، ومن يجد أهل بلد يتبعون في شكليات الصلاة أحد المذاهب (الفقهية) فلا جناح عليه من أن يصلي مثلهم، فالمعول هو على الأمور الجوهرية.

30. من الخير للمسلمين الآن أن يحاولوا إحياء أركان الصلاة الحقيقية المذكورة في القرءان مثل ذكر الله وتلاوة آيات كتابه وحضور الذهن مع ما فيها من ذكر وتسبيح والتزكي والإعراض عن اللغو ظاهرا وباطنا والانتهاء عن الفحشاء والمنكر والتفكير فيهما، ولا يجوز أن يكون الشكل الخارجي للصلاة وسيلة للإعراض عن أركان الصلاة الجوهرية ولا للتنازع والتناحر ولا لتفريق الدين ولا لتمزيق الأمة ولا لإلزام الناس باتخاذ القرءان مهجورا.

*******

1