57

الحكم

قالوا في تعريف الحكم: "هو خطاب الشارع المتعلِّق بأفعال المكلّفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع".

هم يعرفون الفقه عمليا بأنه استخراج الأحكام من الأدلة التفصيلية، والأدلة التفصيلية على رأسها خطاب (الشارع)، وها هم يجعلون الحكم هو نفس خطاب (الشارع)!!!! ولا معنى لذلك إلا أنهم سيجعلون أدلتهم الثانوية الأخرى، ومنها المرويات والإجماع والقياس والاستحسان مصدرًا للأحكام وخطابًا للشارع!!! وهم بالفعل يأخذون أكثر الأحكام من هذه المصادر الثانوية.

وإذا كانوا قد استخفوا الناس فأطاعوهم وجعلوا من المرويات الثانية وحيًا ثانيا فكيف سينسبون أحكامًا توصلوا إليها بالقياس مثلا أحكامًا (للشارع)؟

وقال الأصوليون: إن الحكم هو خطاب الله تعالى، ولكن ليس كلّ كلام الله وإنما هو خصوص كلامه المتعلِّق بأفعال المكلّفين.

وهذا يعني أن الخطاب عندهم قسمان: قسم منه لا يتعلّق بأفعال العباد، وبمقتضى التعريف فهذا محال في ذاته، فلا خطاب من الله تعالى لعباده إلا وهو يقتضي بالضرورة فعلًا بالمفهوم العام للفعل، فلابد لكل خطاب إلهي من مقتضياته الملزمة للناس، ولله تعالى منظومة أسماء الحكمة، فالحكمة سارية في كل أقواله وأفعاله، ومجرد الاستماع إلى آيات الله عندما تُتلى هو فعل مكلوبٌ من الإنسان.

وهم في الحقيقة يريدون بالأفعال تلك الخمسة المشهورة عندهم: الأمر والنهي والكراهة والندب والإباحة، والحق أنه لا جدوى من أفعال الجوارح إن لم تكن مصدقة لأفعال القلوب.

فالأمر بالإيمان بشيءٍ ما لا يقل عن الأمر بغض البصر مثلا، والإنسان الذي يغض بصره يكون مصدقًا لفعل قلبي هو الإيمان بأن الله تعالى يراه وأنه معه أينما كان.

ومن المعلوم أن من خصائص النظم القرءاني الفريد أن الآية القرءانية، بمعناها الشامل، تتضمن عادة العديد من الأحكام بنوعياتها المميزة، كما تقتضي العديد من الأمور من الإنسان، بما في ذلك أفعال القلوب والجوارح، قال تعالى:

{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (86)}

فالآية تتضمن من أفعال القلوب أوامر بما يلي:

1. الإيمان بأن الله ما خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ

2. الإيمان بأن الساعة آتية

3. الإيمان بأن الله هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ

ولكل ذلك مقتضياته من السلوك ومكارم الأخلاق، والمذكور منها: الصفح الجميل.

والإيمان بأن الله ما خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ يقتضي نفي أي قولٍ بأنه يوجد عبث أو صدفة أو غير ذلك من مظاهر الباطل في هذا الخلق، فيجب على الإنسان أن يبحث عن السنن الإلهية الكونية على كافة المستويات، فإنما هي تشير إلى سمات من خلقها، وبذلك يحقق المقصد الديني في حق نفسه، أما المقصد من وجوده فهو متحقق بوجوده.

أما الإيمان بأن السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فيقتضي من الإنسان أن يعد لها ما يلزمها، وأن يعلم أن متاع الدنيا قليل، وأن الآخرة خير وأبقى، فلا يجعل الدنيا أكبر همه، ولا مبلغ علمه.

والآية تذكر اسمًا من الأسماء الحسنى الإلهية الواجب إحصاؤها، وهو المثنى الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ.

فما هي مكانة هذه الآية في الدين الذي حلّ محل الإسلام؟ وما هو موقعها من تعريف الحكم طبقًا لكلام الجهابذة الأعلام؟!

أما تناقضات تعريفهم للحكم، وتقسيماتهم له فلا حصر لها، فكلامهم متهافت، ومن الأفضل تقديم وتبيين الحكم بالمفهوم القرءاني؛ أي وفقًا لدين الحق.

إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ، فالحكم بكافة صوره هو لله تعالى، فهذا هو الحكم الذي يُعتدّ به، والذي سيكون الحساب عليه، والحكم الإلهي هو الحكم الماثل في كتابه أو المستخلص منه وفق المنهج القرءاني، أمثله:

حكم الله تعالى على بعض الأفعال بأنها من أفعال المتقين، فهي كذلك، وحكم على بعض الأفعال بأنها من كبائر الإثم، فهي كذلك، وحكم على مقترفي أفعالا معينة بأنهم سيخلدون في النار، فهذا سيكون مصيرهم، وحكم على بعض الأفعال بأنها من البرّ، فهي كذلك.

فالحكم الإلهي يُعلم، ولا يُنشأ، ويُكتشف، ولا يُختلق، فهو يقتضي سننا لا تبديل لها ولا تحويل.

*****

قالوا: "إن من أقسام الأحكام الوجوب، ومنه الوجوب الكفائي، وهو الوجوب المتعلِّق بكلِّ المكلّفين الاّ أنّه يسقط عنهم بامتثال البعض مثل غسل الميّت ومثل الحرف والمهن والصناعات التي يتوقّف عليها نظام المجتمّع فإن المولى يريد هذه الأعمال لما فيها من مصالح العباد"

وبداية هذا الكلام يتعارض مع تعريفهم للفقه أصلا، والذي أخرجوا منه الأمور (غير الشرعية) عندما استبعدوا ما لم يُؤخذ من (الشارع)، ثم عادوا هاهنا ليدخلوها من بعد أن كانوا قد طردوها.

وما يسمونه بالوجوب الكفائي هو في الحقيقة من أوامر الدين الملزمة للأمة، وهي مستبعدة استبعادًا حقيقيا بسبب المرويات، وبسبب نظرتهم إلى أمور الدين الكبرى، وبسبب نظريتهم الغريبة والهزيلة والمهينة في ولاية أمور الناس، وبالطبع بسبب تعريفهم للفقه الذي هو عندهم: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية.

*****

قالوا إن من أقسام الواجب: الواجب التوصّلي، وهو ما لا يعتبر فيه قصد القربة، وذلك كغسل الميت وكفنه ودفنه وما شاكل ذلك، حيث إنّها واجبات في الشريعة الاسلامية ولا يعتبر في صحّتها قصد القربة والاتيان بها مضافا إلى الله سبحانه وتعالى، فلو أتى بها بدون ذلك سقطت عن ذمّته، نعم، استحقاق الثواب عليها يرتكز على الاتيان بها بقصد القربة وبدونه لا يستحق وإن حصل الإجزاء.

وهذا التعريف ناشئ من سوء ظنهم بربهم، فهم يظنونه مديرا بيروقراطيا يهتم بالتطبيق الحرفي للروتين، وهم لذلك يظنون أيضًا أن الدين مدونة قانونية.

فقولهم "فلو أتى بها بدون ذلك سقطت عن ذمّته" يعبر عن نظرتهم هذه.

والحق أنه توجد أعمال منوطة بالأمة ككيان واحد، هذه الأعمال يوجد قصد واتفاق جماعي وضمني على القيام بها، فهذه الأمة مثابة على ذلك في الحياة الدنيا، ومن يقوم بالفعل بالفعل يُثاب عليه على المستوى الفردي، فالقصد موجود في الأمة بصفة عامة، ولا يمكن أن تصدر مثل هذه الأعمال بدون قصد.

والأمة الآن مثلا تعد لإعدادها ما استطاعت من قوة ممثلة في جيش مكون من أبنائها، فيوجد قصد جماعي ثابت عند الأمة وعند جيشها على التصدي لأي عدوان تتعرض له، ولا يحتاج هذا القصد إلا إعلان باللسان من كل جندي.

ولم يشرح (الفقهاء) للناس كيف يمكن أن يؤدي الإنسان فعلا مثل الأفعال التي يدخلونها تحت هذا التعريف بدون أي نية أو قصد، وكيف سيتمكن من استبعاد أي نية وهو يؤدي واجباته تجاه جثمان أخيه المؤمن؟

عدد المنشورات الفرعية : 63

عدد المنشورات : 419