الخلافة

الخلافة


إن الخلافة في الأرض هي المهمة المنوطةُ بالإنسان من حيث إنه إنسان، فهو لا يملك مع ربه شيئًا وإنما هو مستخلف فيما جعله ربُّه مستخلفا فيه، والإنسان خليفةٌ لأنه هو الذي حمل الأمانة، ومن لوازمها الإرادةُ الحرة والاختيار، كما أن لديه الملكات التي اقتضتها المنظومة الكلية للأسماء الحسنى.

فالإنسان مستخلف في الأرض بمعنى أنه الظاهر فيها بمقتضيات وآثار الأسماء الحسنى، ولذلك فقد سُخِّر له كلُّ ما فيها وأوكل إليه حقُّ الانتفاع بها والقيامِ بشؤونها والتصرفِ في مقدراتها.

والمقصد الديني الأعظم على المستوى الفردي هو إعدادُ الإنسانِ المؤهلِ لهذا الاستخلاف العارفِ بحقوقه وواجباته القادرِ على أدائها على أفضل وجهٍ ممكن، فمن الاستخلافِ في الأرض أن يظهرَ الإنسان فيها بالتحكم والسيطرة والتصرفِ واستغلال الموارد واستعمارِ الأرض والسيادة على الكائنات الأرضية.

إن الخلافةَ في الأرض لا تكون إلا بالجعل الإلهي، فهي مهمةٌ كونية يقوم بها الإنسان بأمرٍ إلهي وبمقتضى سننٍ إلهية، فالإنسان هو الخليفةُ في الأرض، بمعنى أن له التقدمَ والعلوَّ على كل ما فيها من الكائنات الأرضية، وذلك كخليفةٍ من بعد من كان قبله من الكائنات في هذه المهام، وكل قرنٍ من الناس هو يخلف من كان قبله من القرون، ولقد استخلف الله تعالى آدمَ في الأرض وحمَّله الأمانة من بعد من كانوا قبله ممن كانوا يسفكون الدماء ويفسدون في الأرض.

*****

إن القرءان هو المصدر الأوحد للمصطلحات الدينية، ومفهوم مصطلح الخلافة في القرءان لا علاقة له بالمفهوم الذي أحدثه الناس من بعد ثم فرضوه على الإسلام والمسلمين، هناك خلافة عامة لكل إنسان من حيث إنه إنسان، وخلافة خاصة للذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا توجد خلافة لشخص بعينه بمعنى أن يكون حاكما مطلقا على الناس، فالخلافة التي أحدثها أتباع الدين الأعرابي الأموي هي من أسوأ نظم الحكم التي عرفتها البشرية.

أما استخلاف شخص بعينه فيكون بالجعل الإلهي مثلما حدث مع داود عليه السلام، وكان نبيا، أو تكون بنص صريح من الرسول النبي في مهمة محددة مثلما حدث مع هارون عندما استخلفه موسى في قومه، ومع عليّ عندما استخلفه الرسول في الولاية الدينية وولاية أمر الأمة (وليس حكم دولة).

والاستخلاف إنما هو ابتلاء، ومن نواقضه التورط في الإفساد في الأرض أو سفك الدماء بدون مسوغ شرعي حقيقي، وهو لا يضمن أيّ عصمة من الخطأ أو الذنوب للمستخلف حتى وإن كان نبيا، قال تعالى:

{يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَاب} [ص:26]

فهذا الكلام الموجه إلى نبي وما فيه من تحذير ونهي وتهديد لم يكن عبثا، وقال تعالى:

{.... وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين} [الأعراف:142]

وبالطبع لم يكن هذا الكلام بما فيه من أمر ونهي وتحذير عبثا.

وكل أقوال منسوبة إلى الرسول تتضمن المفهوم المحدث والخاطئ للخلافة لا تصح نسبتها إليه، وهي أقوال باطلة بطلانا تاما!

وقد أثبت التاريخ دائما أن أي اعتداء على مصطلح قرءاني تكون عاقبته وخيمة ويترتب عليه هلاك الملايين ممن يتبعونه ويتمسكون به! ذلك لأن أخذ الله تعالى أليم شديد!

*****

والخليفةُ هو أيضًا الظاهرُ بملكٍ ما أو بولايةِ أمرٍ ما، وليس له ذلك بالأصالة وإنما بالجعل، والإنسان خليفةٌ في الأرض من حيث أن له الظهورَ بالتحكم في كل ما فيها، ولقد أعلن الله سبحانه ذلك في الملأ الأعلى، واستخلاف الإنسان في الأرض هو السبيل الذي اختاره الإله الأعظمُ ليتم به الظهورُ التفصيلي للكمال المطلق، ولذلك جَعل الإنسان مؤهلا ليعلم كل الأسماء بأن جعل في حقيقته أو ماهيته ما يوافق كلاً منها وما هو من مقتضياتها، إذ لا سبيل إلى معرفة اسم ما إلا بالملكة التي اقتضاها، وبذلك أيضا كُرِّم الإنسان وفُضِّل على كثير من الخلق تفضيلا، فالإنسان الخليفة هو الظاهر لسائر الكائنات بمقتضيات وآثار الأسماء الحسنى.

والخلافة ليست رخصةً للإنسان ليختلس لنفسه سماتِ ربه، ولا ليعلو في الأرض، ولا ليطأ الناس أو يفترسهم ولكنها أمانةٌ ومسؤولية، ولذلك تضمنت آيات الاستخلاف تهديدًا ووعيدا، قال تعالي: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)} (الأنعام)، {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُه}ُ (فاطر: 39)}.

ولما أعلن الله سبحانَه لداود عليه السلام وهو من عبادِه الأخيار أنه جعله خليفة في الأرض أمره أن يحكم بين الناس بالحق وألا يتبع الهوى وحذره من الضلال عن سبيله، ولم يقل له تصرفْ في الناس كيف تشاء أو احكم عليهم بما تشاء أو ضع قدمك فوق أعناقهم أو استبد بالأمر من دونهم، كذلك لم يجعلْه فوق القوانين والسنن، وإنما حذَّره وأنذره بعد أن ابتلاه وفتنه، قال تعالي:

{يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)} (ص).

وكذلك عندما استخلف موسي عليه السلام هارونَ في قومه وكان رسولاً نبيًّا مثله قال له:

{اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)} (الأعراف).

ولم يغضب هارون، ولم يقل له: "كيف تقول لي هذا الكلام وأنا نبيٌّ مثلك؟"

والخلافة هي أيضا العملُ بمقتضى السننِ والأوامرِ الشرعية الدينية عند القيام بأي أمر من الأمور، وهي حق لكل مؤمن مؤهَّلٍ التأهيلَ الكافي، والخلافة في أمور الأمة الكبرى لابد لقيامها من توفر الحد الأدنى من التزام ذوي الحيثية والنفوذ والقوة بالدين وإيمانهم به، وهذا يقتضي الرجوع إليهم أو إلى طائفة منهم عند اختيار القائم بالأمر.

قال تعالى:

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة30، {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} ص26، {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } الأنعام165، {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} يونس14، {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ }يونس73، {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا} فاطر39.

ومصطلح الخلافة الراشدة هو مصطلح محدث في الإسلام، ولم يكن من اختاروا أبا بكر لولاية أمر المسلمين يعرفون لقبًا يستعملونه لهذه الولاية، وبعد تشاور وتداول اختاروا له لقب "خليفة رسول الله"، فلما تولى الأمر عمر بن الخطاب من بعده أرادوا أن يلقبوه بـ"خليفة خليفة رسول الله"، ولكنه عدل عنه إلى لقب "أمير المؤمنين".

وعلى كل حال فالخلافة الراشدة هي التي تكون وفق الأوامر الإلهية وما سنَّه الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَكولي أمرٍ لقومه.

أما الملك العضوض فهو في اتباع سنن المتسلطين على أمور الناس دون مشاركةٍ فعلية من هؤلاء الناس في تقرير أيِّ أمرِ من أمورهم بل إنهم يعاملون كتراث تتوارثه أسرة واحدة، فهو حكم الغلبة والتسلط والقهر، ولقد كان من العار المشين ومن أكبر الخدع والمخازي التاريخية المثيرةِ للازدراءِ والاشمئزاز اعتبارُ النظمِ الأموية والعباسية والعثمانية خلافات إسلامية، وهذا من أكبر الأسباب التي صدَّت الناس قديما عن سبيل الله، ومازالت أفعال هذه الخلافات أمضى سلاح يوجهه أعداء الإسلام إلى الإسلام والمسلمين.

والإسلام يلزم المسلمين بتكوين أمةٍ تحكمُ نفسها بنفسها وتكون السيادة فيها لكلمة الله تعالى؛ أي تكون كلمة الله فيها هي العليا، وهذا يعني أن يكون كتاب الله تعالى هو مصدر الشرعية والسلطات بالنسبة لهذه الأمة، وكل فرد في هذه الأمة آمر وحاكم في مجال تخصصه وتأهيله وما يعطيه له وضعه الاجتماعي، وهو مأمور ومحكوم في غير ذلك، هذه الأمة تكون ملزمة بالقيام الأركان الملزمة للأمة في دين الحق ومأمورة بالعمل على تحقيق مقاصد الدين العظمى، وهي بذلك ملزمة بالتعايش السلمي مع الأمم الأخرى وباحترام حقوق وكرامة الإنسان.

والأمة ليست هي الدولة، الأمة يمكن أن تكون موزعة على عدة دول، ويمكن أن توجد داخل أي كيان سياسي، ومما يوضح مفهوم الأمة اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية، فهم هناك يشكلون أمة واحدة، تعمل لصالح أبنائها وفق نظم وقوانين الدولة التي يعيشون فيها.

أما الدولةُ وشكلُها فهي من الأمور المتروكة لظروف العصر والمصر، والإسلام باعتباره الدين العالمي الشامل الصالح لكل العصور والأمصار لم يكن ليلزم الناس بشكل معين لنظام إدارة شئونهم ولا يجمد ما هو بطبعه سيال متطور.

فالدين العالمي الملزم للناس إلى قيام الساعة ليس من مهامه أن يلزم الناس بالشكل القرشي البدائي للدولة ولا بالنظم الإجرامية الدموية الأموية والعباسية والعثمانية، بمثل ما أنه ليس من مهامه، ولا يمكن أن يكون من مهامه، أن يلزمهم بألا يركبوا إلا الخيل والبغال والحمير.

ولا يوجدُ ما يلزم المسلمين بالاندماج السياسي في كيان واحد، وكل من حاول ذلك بالطرق الحربية فقد خاض خوضًا في دماء المسلمين، وقتل منهم عمدا ما لا يُحصى عدده، ومن حاول ذلك لم يكن يبغي أبدًا إلا توسيع سلطانه وملكه ليورث ما يستولي عليه لأبنائه من بعده.

فما يسمونه بالخلافة لا يرقى إلى أن يكون شكلا من أشكال الدولةِ بالمعنى الحديث، ولم يكن نظام الخلافة منذ أن تسلط أهل البغي على الحكم إلا نظاما إمبراطوريا وراثيا كنظام الإمبراطورية البيزنطية أو الإمبراطورية الفارسية مثلا، بيد أن نظام الخلافة كان يتفوق على سائر النظم في العتوّ والاستبداد والهمجية والبهيمية والإجرام والإفساد في الأرض وعدم المسؤولية تجاه الشعوب وازدراء حقوق الإنسان.

أما خليفة الرسول في مهامه فهو من يقوم بالمهام التي كانت منوطة به مثل الدعوة إلى الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الناس آيات الكتاب وتزكيتهم والتبشير والإنذار والحكم بين الناس بالقسط .... الخ، وهذه المرتبة متاحة لكل من يسعى للقيام بها إذا كان حقًّا أهلا لها.

*****

أما تسمية من يلي أمر الأمة كحاكم سياسي بخليفة فقد كان أمرًا اجتهاديا تاريخيا، فقد كانوا في حيرة بخصوص اللقب الذي يمكن أن يحمله أبو بكر، فاقترحوا أن يُسمَّى بخليفة الرسول، وهو اجتهاد خاطئ بالضرورة، وقد ظهر ذلك عندما أعطى أبو بكر لنفسه حقوق الرسول دون أن يكون لديه التأهيل اللازم ليقوم بمهام الرسول تجاههم من تعليم أو تزكية.

وعندما تولى عمر بتوصية من أبي بكر دون الرجوع إلى الأمة لقبوه بخليفة خليفة الرسول، ولقد عدل عمر بن الخطاب عن هذا اللقب وفضَّل أن يلقب بأمير المؤمنين.

أما تعريف الخلافة بأنها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا فهو محض اجتهاد ممن وضعه من سدنة الدين الأعرابي الأموي الشركي، وهو مناقض للتعريف القرءاني للخلافة ولتعريف النبوة ويتضمن إحداثا في الدين، كما أن الخلافة غير الإمامة، ولا يجوز الخلط بينها وبين الإمامة.

فالخلافة بالمعنى المذكور هي مصطلح محدث توصل إليه القرن الأول باجتهاد خاطئ منهم، ولقبوا به من يقوم بأمورهم وأمور دولتهم الوليدة، وهي ليست بالطبع مصطلحا دينيا، ولا علاقة لها بالمصطلح القرءاني وكان المقصود به خليفة الرسول من حيث أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ كان ولي أمر الأمة الوليدة، وبالطبع فإن مهام الرسول الأصلية كانت تفصيلا لكونه رسولا نبيا، فلا يمكن أن يكون له خليفة في كافة مهامه، ولم يكن من الجائز تحويلُ مصطلح الخلافة إلى أمر مطلق أو إضافته إلى الله.

ولقد كان الشاعرُ النصراني الأخطل هو أول من لقَّب متسلطًا أمويا مجرما بخليفة الله عندما وصف أحدهم في بيت شعر يقول:

الخائضِ الغَمْرَ، والمَيْمونِ طائِرُهُ----خَليفَة ِ اللَّهِ يُسْتَسْقى بهِ المطَرُ

فعضوا عليها بالنواجذ، وبها صرخ وجهر الطاغية العباسي أبو جعفر المنصور.

*****

إن عصور الخلافة المحسوبة ظلما على الإسلام أي العصور الأموية والعباسية والعثمانية كانت بصفة عامة عصور ظلم وجور وبغي وعدوان وسفالة وانحطاط عام وجواري وغلمان وشذوذ وخمر وجهل ونفاق وجشع وانتهاك لكافة حقوق الإنسان وكرامته وقتل للإنسان بأبشع الطرق، إن الإسلام بريء من هؤلاء الطغاة الظلمة الفسقة المجرمين الذين كانوا عار هذا الجنس البشري.

*****

إنه لا يجوز اعتبارُ ما كان يسميه المسلمون بالخلافة نظامًا إسلاميا، فقد كان نظاما إمبراطوريا طغيانيا استبداديا وراثيًّا دمويا لا علاقة له بدين الحق من قريب أو بعيد، ولا يجوز لأحد الآن الخوض في دماء المسلمين بحجة أنه هو أو حزبه قد نيط بهم من دون الناس إحياء هذه الخلافة.

والمؤمنُ الحقيقي لا يسعى أبدا إلى التسلط على الناس ولا إلى تولي أي أمر من أمورهم، ولكن إيمانه وصلاحه وتقواه وتأهيله وقوته كل ذلك هو الذي يزكيه ويجعل ولاية الأمر هي التي تسعى إليه، فولاية الأمر هي أمانة ومسئولية جسيمة وليست وسيلة للتربح ولا لتمكين المحاسيب والأقارب والعشيرة من مفاصل الدولة، وليست بوسيلة للعلو في الأرض والإفساد فيها وخيانة الأمانة والتحالف مع أعداء الأمة والتعهد بحماية مصالحهم والرضوخ لمطالبهم.

ويتصور المغفلون والقابلون للاستدراج والحمقى والسفهاء والمطبوعون على الإجرام أنه في سبيل إقامة الخلافة يمكن التحالف مع الشيطان، أمثال هؤلاء سيجدون أنفسهم في النهاية مجرد آلات وأقدام ونعال للشيطان ولأعداء الإسلام.

*****

عندما تولى أبو بكر الأمر بعد السقيفة احتاروا في اللقب الذي ينادونه به ثم اختاروا له لقب خليفة رسول الله، فلما تولى عمر بقرار منفرد من أبي بكر (قرار لم يشرك فيه أحدا إلا أنصاره) أرادوا أن يسموه خليفة خليفة رسول الله فقال هذا أمر يطول وعدلوا عنه إلى لقب أمير المؤمنين، فلم يكن مصطلح الخليفة بمعنى حاكم سياسي معلوما للقرن (الجيل) الإسلامي الأول!!!!! وبذلك فكل المرويات التي تعتبر الخلافة مرتبة سياسية دينية لا أصل لها، وتم وضعها لاعتبارات سياسية مذهبية، وهي في كل الأحوال تاريخ بشر غير معصومين، وليس بدين!

أما عبيد نعال السلف فبدلا من أن يسموا الأشياء بأسمائها ويقولون إن هذا القرار الاستبدادي مخالف للشريعة فقد جعلوه من الشريعة بحجة أن أفعال (الصحابة) من الدين؛ أي بتعبير أكثر صراحة اعتبروهم أربابا مشرعين!! وقد أصبح من طرق تولية ولي الأمر لديهم، يقول أحدهم معبرًا عن ذلك: "الطريقة الثانية: الخلافة بولاية العهد من الخليفة السابق، وذلك بأن يعهد ولي الأمر بالخلافة لأحدٍ بعينه من بعده، ومثاله: ثبوت الخلافة لعمر بن الخطاب؛ فإنها ثبتت له بولاية العهد من أبي بكر الصديق".

هذا رغم الإقرار بأن اختياره كان الأفضل في الظروف التي وضع هو الناس فيها، والمطلوب من المسلم أن يستغفر لإخوانه الذين سبقوه بالإيمان، وليس بالمخالفة عن أوامر الله ورسوله!!

والطريقة الثالثة في الدين الأعرابي الأموي لتولي الخلافة هي القوة والغلبة، يقولون: "إذا غلب الخليفة الناسَ بسيفه، وسلطانه، واستتب له الأمر: وجب السمع له والطاعة، وصار إماما للمسلمين"!! ويضيفون: "لو خرج رجل واستولى على الحكم وجب على الناس أن يدينوا له، حتى ولو كان قهرًا بلا رضىً منهم؛ لأنه استولى على السلطة، ووجه ذلك: أنه لو نوزع هذا الذي وصل إلى سُدَّة الحكم: لحصل بذلك شرٌّ كثير"!!! وقالوا: "من استولى بالقهر والغلبة وصار خليفةً يُنادى باسم الخليفة، ويُدان له بالطاعة، امتثالاً لأمر الله عز وجل".

وكلام هؤلاء لا علاقة له بالإسلام، واستيلاء أحد المجرمين على السلطة بالقهر لا يجعل من طاعته واجبًا يدين الناس به، ويأثم إثمًا شديدًا من يجعل طاعة المجرمين امتثالًا لأمر الله، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ويوجد في الدين أحكام اضطرار لمعالجة مثل هذه الأمور، ولكنه كان الإصرار على إخضاع الأمة للمجرمين الأشرار مهما طغوا وبغوا وأفسدوا في الأرض، والقرءان يأمر الذين آمنوا بأن يطيعوا أولي الأمر الحقيقيين وليس الأشرار المجرمين.

والنجاح في القيام بمقتضيات الخلافة لا يبرر مخالفة الأوامر القرءانية الملزمة، فأمور المؤمنين يجب أن تكون شورى بينهم، وليس لأحد أن يفرض على الناس من يلي الأمور من بعده ولا أن يورث الأمة لقريب أو بعيد، فالمؤمنون هم أمة من الأحرار، وقد ينجح الدكتاتور أو الطاغية في تحقيق إنجازات هائلة، ولكن نهاية الأمة التي ارتضت به وسبحت بحمده تكون عادة أليمة.

إنه يجب العلم أنه في دين الحق فالسيادة والهيمنة لعناصر دين الحقّ وقيمه وسننه التي هي مقتضيات الأسماء الحسنى الإلهية، أما في الأديان التي حلَّت محلّ الإسلام فالسيادة هي للأشخاص، ولما سنوه أو أحدثوه أو نسبه الناس إليهم، فهذه الأديان هي أديان شركية ضالة خاسرة.

*******

عدد المنشورات الفرعية : 63