الإسلام والديمقراطيـة 3

إن الديمقراطية لا تصلح إلا كوسيلة للتعايش السلمي بين مراكز قوى ونفوذ متعددة ومتدافعة ومتناقضة في دول لديها آليات لمتابعة التقدم ورعايته ويتوفر لشعوبها القدر اللازم من الرقي والثقافة والوعي، أو على الأقل يتوفر لديها قدر من الانضباط والولاء لقادة طوائفهم، ولا توجد فيها تناقضات حادة لا تسمح بالتعايش السلمي، ولكن هذه الديمقراطية لا تصلح لتحقيق طفرات تقدمية ولا لعلاج مشاكل شعوب ضربها الجهل والتخلف والانحطاط في مقتل، ولا يجوز ضرب المثل بالهند التي لها ظروفها شديدة الخصوصية والتي تعيش الأغلبية الساحقة من الناس فيها في مرتبة أدنى من الأنعام.

ولا حاجة إلي الديمقراطية الغربية عند شعوب تملك صيغاً للتعايش السلمي بين مراكزها وطوائفها المتعددة أو تتسم أصلاً بالتجانس، ولا جدوى من الديمقراطية إذا كانت هذه الطوائف طوائف دينية أو مذهبية أو عرقية أو لغوية بحيث توجد أغلبية كاسحة وأقليات متعددة كما هو الحال في معظم الأحيان، ولكن المطلوب هاهنا هو نظام مدني ليبرالي اجتماعي يلتزم بسيادة القانون ويحترم حقوق الإنسان ويملك صيغة فعالة لتحقيق التقدم، إن محاولة افتعال نظام ديمقراطي في بلد لا حاجة له به ولا جدوى من تطبيقه فيه لن يزيد الأوضاع إلا سوءا، فسيؤدي ذلك بالضرورة إلي ظهور أحزاب مفتعلة وإلي إحداث انقسامات وإلى استهلاك طاقات الأمة في تمزيق نفسها وتكريس مشاكلها، وبالطبع سيوجد من يسيء استغلال مشاعر الناس الدينية ومن سيتلقى أموالاً من كافة القوى الأجنبية لتمويل حملاته الانتخابية فيكون ولاؤه من بعد لهم وعمله لتحقيق مصالحهم، وسيوجد من يسخِّر الناس للعمل ضد مصالحهم الحقيقية.

إن من أشد أخطار الديمقراطية هو إلزامها الأمة بالأخذ برأي الأكثرية في كل الأحوال رغم أن رأي الأكثرية هو خطأ في جلِّ الأحيان، والحق هو أن الديمقراطية هي أفضل من كل ما يناقضها من نظم تسلطية، ولكن الأمة التي تريد التقدم يجب أن تأخذ بالنظم الإدارية الحديثة الحقيقية فهي أكثر اتساقاً مع دين الحق، وفي تلك النظم يتولى الإدارة هيئات من أولى الأمر المؤهلين الخبراء المتخصصين ويتعلم كل إنسان أن يأخذ برأي ولي الأمر (الخبير المؤهل المتخصص الجدير بالأمر) كما يأخذ برأي الطبيب المعالج عند مرضه وأن يطيع القانون لأنه يعبر عن آماله ويجسد طموحاته ويجد فيه ملجأه وملاذه.

*******

رغم أن الديمقراطية على النمط الغربي ليست هي الحل الأمثل لمشاكل الدول المحسوبة على الإسلام وليست بالأحرى الوسيلة الأمثل لبناء دولة قوية متقدمة، فإنه لا يوجد لها بديل الآن، لذلك فكل مجموعة ترى أن لديها مبادئ مشتركة وبرنامجا متفقا عليه فيما بينهم مدعوة الآن إلى سلوك الطريق الآمن الوحيد: تشكيل حزب يمثلها والدعوة إلى مبادئه وبرنامجه بالطرق السلمية المشروعة، ويجب تفعيل ما هو متفق عليه في أي نظام ديمقراطي من استبعاد التنظيمات الإرهابية الدموية التي لا تعترف بمبدأ المواطنة ولا بالديمقراطية أساسا ولا تلتزم بالتعايش السلمي مع الآخرين.

*******

إن كل محاسن ومزايا النظام الديمقراطي موجودة في الإسلام، ولكن الإسلام يتنزه عن عيوبها، والإسلام يجعل كل أمر من الأمور بما فيها السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية بيد أولي الأمر المؤهلين تأهيلا تاما، ويجعل الأمر شورى بينهم لا يستبد به أحد، ولكن الإسلام لا يعترف بسلطة للأكثرية ولا يذكر الأكثرية إلا في موضع الذم، ومن المعلوم أن هذه الأكثرية تتلاعب بها أجهزة الإعلام حتى في أشد الديمقراطيات رسوخا، ولا وجود في الإسلام لصناديق انتخابات يُساق إليها الناس بالرشاوى، فالإسلام لا يسمح بالهبوط بالإنسان إلى مرتبة القطعان من الأنعام.

فالهدف ليس تحقيق الديمقراطية وإنما هو الرقي بالأمة بكاملها إلى أعلى درجة ممكنة وجعل الإنسان إنسانا ربانيا فائقا وليس دابة في قطيع حزبي.

*******

إن نجاح الدول الغربية وتقدمها ليس بسبب الديمقراطية وحدها، بل إن الديمقراطية هي من نواتج التقدم وهي في وجوده وتحققه تصبح أيضاً من الدوافع إليه ومن عوامل الحفاظ عليه، وإنما تقدَّمَ الغرب بسبب منظومة القيم السائدة في دوله والتي يتربى عليها الغربي ويتشرب بها حتى إنه يصعب عليه إمكانية تخيل نمط حياة بدونها، وهذه المنظومة تضمن لكل شعب غربي بل لكل الشعوب الغربية الإفادة من كل إنجاز أو مجهود يبذله أدني فرد فيهم مهما كانت ضآلة هذا الإنجاز أو المجهود بعكس الحال في الدول المتخلفة وخاصة في المشرق العربي حيث تسود منظومة أخلاق ومفاهيم وتصورات قادرة علي إهدار وتبديد كل الإنجازات والمجهودات مهما عظم قدرها ومقدارها، والمنظومة الغربية تسمح لهم بمتابعة التقدم والبناء علي ما سبق، أما المنظومة العربية الشرقية فتحطم وتبدد كل مجهود وتعيد الناس دائما إلي نقطة الصفر وربما إلي ما دونها.

*******

إن إنشاء أحزاب مفتعلة أو حقيقية والسماح لها بالثرثرة في برلمان وإنشاء جرائد أو فضائيات للترويج لأفكارها كل ذلك لا يصلح لتحقيق التقدم والنهوض الحقيقي الجاد بالأمة، بل هو بالأحرى من أسباب استنفاد طاقاتها وترسيخ أسباب الخلاف فيها، ولكن في غياب المعرفة بدين الحق وما لديه من صيغ وآليات لبناء الأمة الخيرة الفائقة فإنه لا بديل عن نظام مدني (علماني) ليبرالي لتحقيق قدر طفيف من التقدم والرقي بالناس على كافة المستويات، ولا يجوز ترك العامة فريسة لدعاة الدين الأعرابي الأموي الهمجي أعداء الحضارة ومدمري الأوطان، والعلمانية الحقة لا تتعرض للأمور الدينية ولا تفرض على الناس ما يتناقض مع عقائدهم، ولكنها لا تلزم الكل بمذهب البعض ولا تعطي مزايا مجانية لأتباع أية طائفة أو مذهب، ولا تجعل الدولة سلاحا لطائفة من الشعب ضد الطوائف الأخرى المكونة له.

ولا حاجة بالأمة إلى كل المظاهر المهرجانية التي تصاحب تطبيق الديمقراطية، ولكن لابد من حرية الفكر والإعلام وتداول الآراء والأفكار ولا بد من قوة القانون والنظام ومن التحضر والرقي العام.

*******

إن إنشاء أحزاب مفتعلة أو حقيقية والسماح لها بالثرثرة في برلمان وإنشاء جرائد أو فضائيات للترويج لأفكارها كل ذلك لا يصلح لتحقيق التقدم والنهوض الحقيقي الجاد بالأمة في هذا العصر القاسي وفي ظل وجود أعداء خطرين متربصين في الداخل والخارج، وفي غياب المعرفة بدين الحق وما لديه من صيغ وآليات لبناء الأمة الخيرة الفائقة وفي ظل تسلط المذاهب المتخلفة الضالة وتقديس المغفلين لسدنتها فإنه لا بديل عن نظام مدني ليبرالي لتحقيق قدر طفيف من التقدم والرقي بالناس، والمدنية الحقة لا تتعرض للأمور الدينية ولا تفرض على الناس ما يتناقض مع عقائدهم، ولا تلزم الكل بمذهب البعض، ولكن لابد من أن يكون النظام شموليا قويا يفرض القانون والانضباط ولا يسمح بالخلل والفوضى، ومثلما يسقط التلميذ غير الجاد وغير المنضبط في اختبار المدرسة تسقط الأمم غير الجادة والفوضوية في معركة الحياة.

*******

إن الديمقراطية هي منظومة قيم وآليات تبلورت نتيجة للصراع الهائل الذي نشب في أوروبا بين قوى الرجعية ممثلة في الكنيسة ومن كان يستمد شرعيته منها مثل الملوك والبارونات وبين مختلف القوى الصاعدة من فلاسفة وعلماء وتجار وبرجوازية ومثقفين وإنسانيين وإصلاحيين، ولقد تمخض كل ذلك عن الإطاحة بالملوك المستبدين أو تحجيم سلطاتهم ومنع تسلط الكنيسة علي أمور الناس العامة وفصل الدين عن الدولة، ولذلك أصبح من حق ممثلي الأمة سنّ ما يلزم من قوانين وتشريعات تجسِّد القيم الحقيقية السائدة، وأصبحت الديمقراطية من الناحية العملية تجسيداً لمصالح مراكز القوى في كل بلد، هذا مع العلم بأن مفهوم القوة أخذ يتطور مع العصر، فهو لا يعني الآن المال أو العصبية أو القوة العسكرية فقط كما كان الحال في الماضي.

*******

إن الديمقراطية نظام يقوم على الصراع السلمي بين القوى المتدافعة ذات المصالح المتعارضة والآراء المختلفة في الوطن الواحد، والديمقراطية وما يترتب عليها من ثرثرة برلمانية لا يصلح بالفعل لتحقيق التقدم وحماية حقوق الإنسان وكرامته في البلدان المحسوبة ظلماً علي الإسلام وخاصة فيما يسمى بالعالم العربي، ولا جدوى من محاولة افتعال نظام ديمقراطي في مثل هذه البلدان التي تفتقد كل آليات مثل هذا النظام، والأجدى هو أنه على كل من يستطيع شيئا أن يعمل علي رفع المستوى الثقافي العام لتلك الشعوب، ومن ذلك أنه لابد من القضاء علي الجهل والتخلف ورفع مستوي التعليم والثقافة والعمل علي حماية الناس من قوى الجهلوت والكهنوت والطاغوت وتجفيف منابع تلك القوي، وعلي النظم الجادة ألا تترك ساحات المساجد لقوي الجهل والتخلف لتقوِّض كل جهد للرقي بالأمة، فلابد من تحرير الناس من العبودية للمذاهب التي حلت محلّ الإسلام ومن الخضوع المهين لسدنتها ومقولاتهم المحدثة الهرائية.

*******

إن نجاح النظم الديمقراطية الغربية كان له أسبابه التاريخية، ومنها نهب خيرات المستعمرات والظروف التي فرضها التطور التاريخي والصراع الحاد والدموي بين قوي الجهل والتخلف والكهنوت المتمثلة في الكنيسة وملوك يحكمون بالاستناد إلى شرعية مستمدة من تلك الكنيسة وبين قوي التقدم المتمثلة في الفلاسفة الإنسانيين والماديين والعلماء الطبيعيين يدعمها شعور شعبي متنام تولَّد من معاناة هائلة نتيجة قرون متطاولة من الظلم والاستعباد والطغيان والصراع بين الأسر الحاكمة المتسلطة والمجازر الدينية المذهبية الدموية، وكان أيضا بسبب رسوخ منظومة قيم وصفات إيجابية نتيجة لعوامل لا حصر لها، والحق هو أن منظومة القيم الإسلامية الحقيقية هي أرقى بكثير من منظومة القيم الغربية.

والنظام الأمثل هو أن يتولى أمور الأمة هيئات دائمة من أولي الأمر في كل مجال من المجالات بحيث لا تتدخل جهة في اختصاصات الأخرى، وتكون الشورى هي آلية التعامل فيما بينهم للوصول إلى الرأي الأمثل، ويجب أن يكون ثمة آليات متفق عليها تضمن تأهيل كل إنسان بحيث يتخصص في المجال الملائم له وبحيث يتولى إدارة كل هيئة أفضل عناصرها وبحيث تتراكم فيها الخبرات الخاصة بمجال تخصصها، ويجب بالطبع أن يكون ثمة دستور يتضمن كل ما يلزم من قواعد وقوانين عامة ملزمة للناس والهيئات تحكم العلاقات بين الهيئات المختلفة وتضمن ألا تتجاوز أية هيئة نطاق عملها ومجالها.

*******

إن الديمقراطية لا يمكن لها أبدًا أن تصلح أحوال شعب مبتلىً بكافة الأمراض النفسية والعاهات الاجتماعية، ومعظم الشعوب المحسوبة على الإسلام مبتلاة لأسباب عديدة بقائمة هائلة من هذه الأمراض المزمنة والعاهات الخطيرة، وفي مثل هذه البلدان سيهرع الناس على:

1. حزب الحكومة أو المؤيد من الجهة المتسلطة، ومثل هؤلاء سيمتلكون بذلك صكًّا يتيح لهم العلو على القانون والتطاول على الناس والفساد والإفساد، وستستهلك بذلك طاقات الأمة في مهاترات وإحباطات ومنازعات لا تنتهي، وبعد أن يقضي الفساد على كل شيء ستتعالى الأصوات بوجوب مكافحته.

2. أي حزب جهلوتي متخلف يرفع شعارات دينية، ولن تجني الأمة من انتخابه إلا تكريس جهلها وتخلفها وازدياد تسلط منظومة الصفات الشيطانية عليها، أما سن القوانين فلن يقوم به في النهاية إلا بعض المتخصصين البراجماتيين، ولكن هؤلاء لن يكونوا ملتزمين بالضرورة بأحكام الشريعة، وهم من الناحية الأخلاقية أو القيمية لن يكونوا أفضل من سائر الناس بل قد يكونون أسوأ من حثالتهم.

*******

إن جوهر الديمقراطية ولبابها هو استمداد التشريع من الشعب ممثلاً في أشخاص منتخبيه، والحق هو أنه لا حرج في أن يسن أولو الأمر للناس ما يلزمهم من القوانين، ولكن أولي الأمر هؤلاء يجب أن يكونوا أولي أمر حقيقيين، بمعنى أنهم يجب أن يكونوا قد تلقوا التأهيل اللازم في الأمور الدينية والقانونية وكل ما يلزم معرفته في المجال المطلوب فيه سن القوانين، هذا إذا كان الأمر يتعلق بأمة إسلامية تريد أن تعيش وفق ما يفرضه عليها دين الحق.

أما في الدولة الحديثة أي الدولة وفقًا للمفهوم الحديث والتي تتعدد أديانها وأعراقها ومذاهبها فإنه على الناس الاستفادة من كل ما هو متاح من معارف ومن تجارب الأمم الأخرى، وفي غياب المعرفة بدين الحق وسيادة المذاهب التي حلَّت محله لا بديل عن العلمانية والليبرالية في مثل هذه الدولة الحديثة، أما الديمقراطية فهي مجرد نهج أو مجموعة من الآليات المحايدة والتي يمكن أن يستبدل بها غيرها، ومن البدائل الأكثر فعالية نظام هيئات أولي الأمر، فآليات الديمقراطية ولوازمها لا يمكن أن ترقى بالمستوى العام للناس وإنما يمكن أن تؤدي إلى تكريس وترسيخ ما هو موجود، فإذا كانت الدولة متخلفة فلن تزداد بالنظام الديمقراطي إلا تخلفا، والدول التي تقدمت حديثاً في ظل نظام ديمقراطي كان لتقدمها أسباب أخرى منها أن الشعب كان على درجة مقبولة من الرقي أصلا أو أنها تأخذ بنظم إدارية حديثة أو أنها تأخذ بآليات تقدم علمي فعالة وجادة أو أنها تطبق القوانين بجدية وصرامة.....، إن آليات التقدم في العصر الحديث معلومة ومنها ما ذُكِر، ولا يمكن لتحقيقها الاعتماد على من يجهلونها تحت أي مسمى، إن القيام بشيء من أمور دولة حديثة هو عمل كسائر الأعمال بل هو من أهم الأعمال، ويجب أن يتلقى من يريد القيام بذلك أرقى تأهيل ممكن ولا يجوز أن يترك للأهواء أو الأمور العشوائية.

واستمداد التشريع من الشعب ممثلاً في أشخاص منتخبيه -وهو لب الديمقراطية- لا يعني أبدا اتخاذهم أربابا مشرعين من دون الله، فلابد للناس ممن يسن لهم القوانين التي تلزمهم للتعامل مع ما يستجد من الأمور مع الالتزام بمنظومات السنن والقيم الدينية، ولم تظهر الحاجة لذلك قديماً لجمود الأوضاع وثباتها وتخلف وانحطاط الشعوب المحسوبة على الإسلام من ناحية ولسيادة الاستبداد والطغيان من ناحية أخرى، أما في العصر الحديث فالناس في حاجة ماسة إلى قوانين في كل ما استجد من أمور الحياة وهي كبيرة كما وجديدة نوعا، وبالطبع لم يخطر أمر من هذه الأمور ببال أحد من السلف ليشرع لها، ولم يكن من المطلوب أبداً وجود قوانين لكل ما يمكن أن يستجد من أمور إلى قيام الساعة، ولذلك كان لابد من أولي أمر تشريعيين لسن ما يلزم من قوانين، والنظام الإسلامي الحقيقي يقتضي أن يكون هؤلاء أولي أمر حقيقيين، وهم إن كانوا كذلك بالفعل فسيأتي ما سيسنونه من قوانين على اتساق واتفاق تام مع منظومة القيم الإسلامية ومع قواعد التشريع الإسلامية، وهذا هو المطلوب، وتشريعهم بالتالي لن يحلل حراماً ولن يحرم حلالا، ذلك لأنه ليس لهم التدخل فيما قرره دين الحق أصلا.

*******

يعرف بعضهم الديمقراطية بالقول بأنها:

"أن يختار الناس من يحكمهم ويسوس أمرهم، وألاّ يُفرض عليهم حاكم يكرهونه، أو نظام يكرهونه، وأن يكون لهم حق محاسبة الحاكم إذا أخطأ، وحق عزله إذا انحرف، وألاّ يُساق الناس إلى اتجاهات أو مناهج اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية لا يعرفونها ولا يرضون عنها".

وليس هذا بتعريف على الإطلاق للديمقراطية وإنما هو بالأحرى حلم إنساني ليس إلا، أي إنه مجرد هدف يعلم الكل أن لا سبيل إلى تحقيقه بحذافيره، ففي أعرق الديمقراطيات يختار الحاكم أو الاتجاه أو القرار بأغلبية قد لا تتجاوز 51%، وهذا يعني أن حوالي نصف الناس لن يتحقق بالنسبة إليهم التعريف المذكور إذ سيحكمهم من يكرهونه وسيسوقهم إلى حيث لا يرتضون وسيرون نصف الأمة الآخر يصفقون لقرارات تعتبر في نظرهم هم جرائم أو أخطاء جسيمة!

إنه في نطاق الوطن الواحد أو الشعب الواحد من حق أية طائفة ترى أن ثمة ما يجمعها من المبادئ أو الميول أو المصالح أو المقاصد أن يكون ثمة إطار شرعي أو كيان شرعي يجسد اتجاهها هذا، وذلك أقرب إلي تحقيق مقاصد دين الحق، والنظام الديمقراطي يشكل أيضاً جماع آليات ووسائل لتحقيق ذلك، ولكن لا يجوز أن يؤدي ذلك إلي تكوين أحزاب تسعى للاستحواذ علي السلطة عبر الصناديق إلا للضرورة القصوى، إن ذلك يعطي مزايا غير موضوعية للأكثرية العددية، إن النظام الحزبي لا يصلح للنهوض بشعوب أعماها الجهل وضربها التخلف والانحطاط والفقر القيمي والماضوية في مقتل، ولقد نجحت الديمقراطية بالفعل مع شعوب كانت أكثر فقراً في الموارد الاقتصادية وعاشت علي مدى التاريخ علي هامش التاريخ البشري، ولكن تلك الشعوب لم تُشرب في قلوبها منظومة الصفات الشيطانية كما حدث مع الشعوب المسماة بالإسلامية.

*******

الديمقراطية هي جماع مناهج وآليات وتقنيات ذات طبيعة خاصة للقيام بأمور شعب ما، وهي تستند إلي منظومة معينة من القيم والمفاهيم والتصورات، ولابد من أن تكون هذه المنظومة الأمرية المعنوية هي المنظومة الحاكمة بالفعل علي الناس؛ وعلي سبيل المثال فلابد أن يؤمن كل الناس مثلا بأنهم أكفاء وأنهم سواء أمام القانون وأن يكونوا مبرمجين علي العمل بمقتضى ذلك، فلا يمكن أن تنجح الديمقراطية في مجتمع تعتقد طائفة منه بأنها الشعب المختار أو الفرقة الناجية من دون الناس لمجرد انتمائهم إلي أصل عرقي معين أو إلى ملة ما أو إلى تنظيمٍ ما كما لا يمكن أن تنجح في وجود شعب جاهل تتسلط عليه منظومة معنوية ومذهبية تجعله يقدس من تسلط عليه ويعبد ما ألفى عليه آباءه.

وواقعياً فإن الديمقراطية هي وسيلة سلمية لتداول السلطة بين مجموعات من مراكز القوى والتسلط، ومن أسباب نجاحها أنها بذلك تعمل علي جعل كل مركز رقيباً على الآخر بحيث لا يستطيع أحدهم أن يخالف القانون أو أن يسيء استخدام السلطة وبحيث يلتزم الكل بمنظومة القيم المتفق عليها.

*******

إن الديمقراطية هي نهج وآليات مجردة محايدة لا تنتمي إلى أي فلسفة أو فكر أو دين أو مذهب، فهي ليست بعقيدة ولا تقدم بديلا عن أي مذهب ولا تقدم حلولا لأية مشكلة، ولكنها البديل الذي وجده الناس في الغرب ملائما لظروفهم وبديلا عن الصراع الاجتماعي والحروب الأهلية وسياسات القمع والإقصاء، ونجاحها يستلزم توفر حد أدنى من الرقي الإنساني والاجتماعي والثقافة، وهي لكل ذلك لا تصلح لحل مشاكل حقيقية ولا لتحقيق طفرات تقدمية.

*******

إن تكوُّن الأحزاب في مجتمع غربي هو أمر طبيعي، وهو البديل الراقي عن الصراع الدموي الذي جربوه كثيرا، وعرفوا وخبروا ويلاته، وتلك الأحزاب تختلف فيما بينها ولكنها لا تشكِّل إلا صوراً ممكنة لما هو سائد من تيار عام، فهي تنبع منه وتصب فيه، أما أي تجسيد لتيار آخر آت من مصدر آخر أي نابع من منظومة قيم مختلفة فهو غير مسموح له بالوجود إلا مهمشاً أو كصورة فلكورية، ومما هو جدير بالذكر أن كراهيتهم العميقة للغيبيات سوف تقضي على مستقبلهم في الآخرة وعلى سعادتهم في الدنيا على المستوي الجوهري.

*******

يظن البعض أن الديمقراطية هي الحل لكل مشاكل الأمة، بينما هم يعلمون جيدا أنه لا يمكن إجراء أية انتخابات نزيهة في مجتمع يسوده الفقر والجهل والتخلف والانحطاط والنفاق وانعدام الضمير وازدراء القانون والاتجار بالدين والفوضى والعشوائية والفساد وغير ذلك من شتي عناصر المنظومة المعنوية الشيطانية السائدة في نفوس الناس، إن مجتمعاً كهذا يمكن استنفار قوى الجهل والتعصب فيه وحشدها ويمكن استغلال الناس ضد مصالحهم ويمكن استغلالهم من قِبَل كل من يرفع راية الدين حتى ولو كان شيطانًا رجيما، كما يمكن خداعهم بمكاسب مادية تافهة، إنه لا جدوى من قيام الأحزاب في المجتمعات المسماة بالعربية ولا طائل من إجراء انتخابات حقيقية أو وهمية.

إن حل مشكلة السياسة الداخلية هي ألا يكون ثمة هيئات تتكسب من تلك السياسة الداخلية أو تبدد شيئا من موارد الأمة لأغراض حزبية، إن شئون الشعب الداخلية يجب أن تتولاها هيئات تكنوقراطية محترفة تلتزم بالمواثيق والأعراف والقوانين الدولية وعلي رأسها بالطبع مواثيق حقوق الإنسان وتعمل لصالح الوطن والشعب كله، وعلي من يريد أن يلتحق بتلك الهيئات أن ينضم إليها بعد أن يحصل علي تأهيل في معاهد خاصة يتعلم فيها كل ما يلزم من معلومات تاريخية وجغرافية وسياسية وإدارية وثقافية وعلمية علي أيدي علماء متخصصين محترفين، ولا بأس من الاستعانة بخبراء من الدول المتقدمة لتحقيق ذلك.

*******

إن شعار (الإسلام هو الحل) هو كلمة حق أريد بها باطل، وهو شعار أشد ضلالاً وأسوأ عاقبة من شعار (الديمقراطية هي الحل)، ذلك لأن أكثر المسلمين لا يعرفون شيئاً يعتد به عن دينهم، وهم لا يتعصبون له إلا كتراث للآباء والأجداد، ولو حاولوا العودة إلي ما يتصورون أنه الإسلام لما عادوا إلا إلي مذاهبهم الضارة المفلسة المتخلفة التي حلَّت محلّ الإسلام والتي مزقتهم وخربت بلادهم وأعادتهم إلي ما قبل العصور الحجرية من قبل أن يأتي الاستعمار الأوروبي، وما قوم طالبان الأفغان والصوماليين وأكلة لحوم البشر من السلفيين الوهابيين منكم ببعيد.

*******

إن نجاح النظام الديمقراطي يستلزم حدًّا أدني من رسوخ التقاليد والقيم والتطور وكذلك حداً أدني من البشر المؤهلين والمتمرسين، وهي لا تحقق بالضرورة طفرات تقدمية أو إحياء أمة، أما سبب تقدم شعوب أوروبية مثل الأسبان والبرتغاليين والتشكيك...الخ بعد الأخذ بالديمقراطية فلأنهم كانوا أوروبيين بالفعل وعلي صلة وثيقة بالثقافة والقيم والمناخ والتأثير الأوروبي العام فضلا عن تعاطف الغرب معهم ودعمه لهم وليس تآمره عليهم ولا تربصه بهم، هذا فضلاً عن أنه كان لدي شعوبها من الدوافع والحوافز والإصرار ما جعل اللحاق بالغرب أمرا لازما وحتميا لهم.

*******

عدد المنشورات : 458